العدد 1034 - الثلثاء 05 يوليو 2005م الموافق 28 جمادى الأولى 1426هـ

حرية التعبير

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

يرتبط مفهوم "حرية التعبير" بطبيعة الإنسان، بحكم أنه حيوان ناطق، ولذلك فإن منعه من النطق يعتبر اعتداء على انسانيته. غير أن السماح أيضا للإنسان بأن ينطق بكل شيء ربما يؤدي الى اختفاء "الذوق الإنساني" أو "الاعتداء" على حرية الآخرين. المشكلة تكمن في تحديد الضوابط لكي نصل إلى توازن في الأمر، بحيث يضمن الإنسان حقه في التعبير، وفي الوقت ذاته لا يتعدى الحدود العقلانية.

ولكن أيضا يعود السؤال: ما الحدود العقلانية لحرية التعبير؟ وللإجابة على هذا السؤال فإن لكل مجتمع ضوابطه وأعرافه، وأيضا فإن جميع المجتمعات الإنسانية تشترك في قواسم. هذه القواسم المشتركة هي التي تحدد ضوابط الحرية الإنسانية، ذلك لأن الحرية المطلقة لا توجد الا في الغابة، إذ ينطلق كل مخلوق بحسب قدرته، وتستقر الأمور بحسب توازن القوي والضعيف، ليصبح القوي مطلق الحرية، والضعيف خائفا يترقب. بمعنى آخر، فان الحرية المطلقة في الغابة تحول الوضع إلى الخراب، بعكس العمران الإنساني الذي يحتاج - فيما يحتاج - إلى الإبداع أولا. والابداع لا ينطلق الا إذا كانت هناك حرية معقولة للتعبير عن الرأي.

اجتماع وزير الإعلام محمد عبدالغفار مع رؤساء تحرير الصحف المحلية أمس كان يدور حول هذا الموضوع، ومع أن وقت اللقاء كان طويلا، فإن تبادل الآراء حول هذا الموضوع المعقد يحتاج الى كثير من الحوارات العقلانية لكي نخرج كمجتمع بإرادة جامعة ونحدد الحدود التي تضمن مصالحنا المشتركة كأمة تعيش مع بعضها الآخر على أساس ضمان حقوق بعضنا الآخر واحترام آراء ومعتقدات بعضنا الآخر.

نعم، اننا نعاني قليلا من انفلات في حرية التعبير هنا أو هناك، وهناك بعض الشباب من يتجه إلى المواقع الإلكترونية، وهناك بعض المرضى الذين يتقمصون شخصيات عدة، وكل شخصية تنتمي إلى فئة معينة، ويقوم هذا المريض أو ذاك بنشر ما يحلو له ان ينشر معتقدا ان ذلك سيوصله إلى ما يسعى إليه. ولكنني من الذين يؤمنون بأن عدم الالتفات إلى هؤلاء وإلى غيرهم هو الحل الأفضل، لأن هناك من يود ان يتحول إلى بطل أو ضحية، ولكن في حال السماح للجميع بأن يقول ما يشاء، فإن الذوق الإنساني ينتصر في النهاية، وتلك هي سنة الحياة، ولولا ذلك لخربت الدنيا ولعدنا إلى الغابة.

ان الخشية هي أن يحاول البعض اعادة مفاهيم "أمن الدولة" متذرعا بهذا الانفلات أو ذاك، وهو أمر - إن حدث - فلن يحل أية مشكلة، بل على العكس من ذلك. فالدنيا تغيرت، والانترنت توفر وسيلة لمن يشاء ان يكتب وينشر ما يود نشره ويفلت من العقاب. والانترنت ترسل يوميا صورا عن ارهابيين يقتلون، وقصصا عن الاباحية، وأخرى عن الشتائم، ولا يمكننا أن نتخذ من ذلك حجة لقمع حرية الجميع لأن شيئا من هذا القبيل يحصل هنا أو هناك. الاجتماعات أيضا التي تنطلق فيها الخطابات بكل أنواعها، وما يتم نشره في بعض الوسائل الإعلامية من شتائم ضد المنافسين، جميعها أفعال يدينها الذوق الإنساني، ولكن ينبغي ألا ننجرف نحو منزلق خطير يود البعض ان يدفع باتجاهه لأنه عاش وترعرع على حساب حرية الآخرين، ويشعر بأن الانفتاح السياسي يضره.

إن البحرين ارتفع لواؤها بفضل حرية التعبير، وينبغي أن نتحمل بعض الازعاجات، وان نعالجها في اطارها المحدود وألا نسمح بانطلاق الدعوات لقمع الحريات العامة

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 1034 - الثلثاء 05 يوليو 2005م الموافق 28 جمادى الأولى 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً