العدد 2976 - الجمعة 29 أكتوبر 2010م الموافق 21 ذي القعدة 1431هـ

لا نريد قَمَراً صناعياً للفتنة

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قبل أيام أطلق منتصر الزّيّات محامي الجماعات الإسلامية في مصر «مبادرة لطرح اكتتاب عام بغرض توفير التمويل اللازم للقمر الصناعي الإسلامي» لوقف التضييق على منع بعض القنوات الدينية من البث على قمر النايل سات المصري، معتبراً ذلك «خطوة لا مناصّ منها».

ولاستحضار الموضوع بشكل مُحكَم وربطه بخطوة المحامي الزّيّات، نُذكِّر بأن شركة النايل سات أوقفت مؤخراً بث اثنتي عشرة قناة تلفزيونية بصورة مؤقتة وأنذرت قنوات تلفزيونية أخرى، لأسباب انحصرت ما بين «الحض على الفتنة الطائفية والمسّ بالعقائد والأديان، وإثارة النعرات الطائفية والترويج للشعوذة والخرافات والإباحية، ومخالفة تصريحات البث الأصليّة».

أما القنوات التي اتُهِمَت بالتعرض للأديان السماوية والعقائد والترويج للدجل والشعوذة والخرافة (وهو ما يهمنا في المقال) فهي قناة «صفا»، وقناتي «آيات» و»الأثر»، وقناة «أهل البيت». وهذه القنوات الموقوفة من قِبَل النايل سات هي موزاييك سُنِّي شيعي مختلط وذات توجّهات مختلفة. أما القنوات الموقوفة لأسباب أخرى فإن أغلبها هو تجاري ربحي.

وجْهُ الموضوع لا يحتمل مكياجاً أو تجميلاً. فخطوة النايل سات هي خطوة مُقدَّرَة وضرورية. أما ظهور حَمِيَّة إسلامية لدى البعض لإطلاق قمر صناعي إسلامي يُوفّر الضمانات اللازمة للقنوات المحظورة فهي خطوة في الاتجاه الخاطئ، ولا تمتّ لحرية التعبير بصلة. وخصوصاً أن المشروع هو بمستوى «أمّة» إلاّ أن مراميه وأهدافه (لدى هؤلاء) لا تزيد عن مشروع استنهاض للإثنيات والغرائز الكامنة في صدور الطوائف والمذاهب ودقّ طبول الحرب العبثية بينها.

في منطقتنا العربية وفي إحدى زواياها الجغرافية والتي لا تتجاوز مساحتها الـ 10,452 كم2 (كما هو حال لبنان) تهجع ثمانية عشر طائفة، تكتنز في باطنها دِيْناً بألواحٍ مقدسة وتاريخاً ممتداً لآلاف السنين، ونفوساً من البشر مُستعِدّة لدخول حروب وصراعات وجود بزمنٍ مفتوح من أجل معتقدها تُقدِّم فيه الغالي والنفيس دفاعاً عن حياضه ونقائه ورمزيّته. مثل هذه المنطقة ومثل هذا التعقيد في علاقاتها من غير المعقول أن لا يجري لَجْم من يريد العَبَث بسِلْمِها الاجتماعي المُهَدَّد.

مَنْ يُراقب مثل هذه القنوات الدينية «الموبوءة» يرى بجلاء أنها لا تظهر بالثوب المذهبي والفكري (الخاص جداً) الذي تنتمي إليه فقط، وإنما بوجهات نظرها المتطرفة حيال الأغيار من المذاهب والأديان. فهي تختصر الدنيا بأديانها الأرضية والسماوية في منهجها وفكرها، ثم تُصوّب الزناد كيفما اتفق تجاه الأديان والمذاهب والطوائف بمقدساتها. زناد ينفث الشتيمة والتسفيه والتهكّم والتفسيق واستحقاق القتل بحق الآخر، سواء بالتصريح أو التلميح بالاستحقاق.

تكمن مشكلة أولئك الأكثر دائِيَّة في أنهم يعتقدون «جازمين» ويُروّجون إلى أنهم الأحق بالسلطتَيْن السياسية والدينية وبتأسيس النظام الثقافي للعالَم كلّه، بل أنهم يرون بأنه ولولا الظروف القاهِرَة وخذلان الناصر لاستقرّت أحوال الدنيا على أيديهم. وأن الفساد الموجود في هذا الكَون وانحرافات البشر هو بسبب تخلي الناس عن أفكارهم. إنها نرجسيّة مقيتة مُنَفِّرَة. فاختصار العالَم في أفكار يُولّدها آحاد الناس هو أقصى درجات التطرف.

لقد ولّدت هذه النظرة في القَرْنَيْن السابع عشر والثامن عشر أكبر تهديد لأوروبا الأنوار حين انبَرت مجموعة من المثاليين المصابين بداء النرجسيّة لتقويض التقدم الذي بدأت تُحركّه المجتمعات ذات النمو المتدرج بفعل التاريخ، والمستقرّة على معادلة السِّلم الاجتماعي المُشيَّد على عظام القتلى. ورغم أنهم لم يكونوا من أصحاب الفكر المتماسك إلاّ أن تهديدهم كان حقيقياً، استوجب الصراع معهم وفق منسوب الحياة أو الموت من أجل السّلم الاجتماعي.

والتاريخ يُعلّمنا أن فرنسا (إبّان عهد الملك شارل التاسع 1562 - 1574) لم تَسْلَم من الاقتتال الطائفي والديني وتهوّر كونديه وَرَفع الهوغونو للأسِنَّة وحروب الكنائس الروتستانتية ومجزرة واسّي بالشامبانية إلاّ بعد صدور قرار أمبواز في التاسع عشر من شهر مارس/ آذار من العام 1563م الذي ذَكَّرَ بحرية الضمير وحرية المعتقد الديني واحترام ديانة الآخرين رغم سقفه المُحدّد لحرية العبادة ما بين داخل المُدُن وخارجها وقضية الأسياد الإقطاعيين وغيرهم.

إلاّ أن ما يهم بالنسبة لنا من ذلك التاريخ الأسوَد الذي عاشته قطاعات واسعة من البشرية (ليس في فرنسا فقط) هو إدراك الجميع أننا لا يجب أن نُعيد تجارب الآخرين من بداياتها لكي نُدرك خطورة اللعب بالشأن الديني والطائفي وبالعرقيات والإثنيات, وإنما الواجب هو استلهام خواتيمها، لكي نختصر على أنفسنا جُهداً مضنياً قدمته الشعوب الأخرى، لم يكن أقلّه تقديمها للبشر كأضحيات في معارك لم تُضِف للإنسانية سوى العار ورفع المِجْلَد. والسعيد من وُعِظَ بغَيْرِه.

لا يتذرّع أحد اليوم بأن حرية التعبير تقتضي أن يقول الإنسان ما يريد. هذا خطأ فادح، خصوصاً إذا كان ذلك القول ينتهي بنا إلى تقويض الحالة الاجتماعية والدينية والثقافية. فالدين هو أكثر الأمور ارتباطاً بهوية البشر، وبمكوّنهم الثقافي، وبالتالي فإن ضربه أو العَبَث به يعني ضرب لهوية الناس التي عادة ما تكون الدالّة على حياتهم أو فنائهم، والبرزخ ما بين أن يكونوا أو لا يكونون. هذا هول حالنا وهذا ما يجب أن نعيش عليه حتى يأذن الله في أمرنا.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 2976 - الجمعة 29 أكتوبر 2010م الموافق 21 ذي القعدة 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 10 | 12:06 م

      ليس في فرنسا فقط

      ولا يجب أن نعيد تجربة الحضارة من بداياتها مرتين لندرك أننا مخطئين من قبل التجربة وبعدها إلا إذا أردنا أن نضيع عن عمدٍ الزمنَ الثمين بقدر ما ضاع أولاً

    • زائر 9 | 10:09 ص

      ملاحظه

      لأول تكتب ما يعجبني ولأول ، واتمنى ان لا تكون اخر مرة ..
      تحياتي

    • زائر 8 | 6:17 ص

      في قناة " صفا " لا شيء يدل على الصفا

      هذه الدعاوي ربما هي انا اقول ربما ؟ يستخدمها البعض لغلق منافذ المعرفه لكي لا تظهر ا لحقائق؟
      السيد البصري ليس ربما انما أمر مؤكد
      لم أشاهد جميع تلك القنوات ما عدا قناة صفا فربما حضرتها مرة أو مرتين عالطاير أتوقف عندها دقيقتين أو ثلاث لكن يا الهي قناة يخرج منها القيح الكريه اشكر الله على غلقها لأنها لا تؤدي الا الى التخلف وعدم احترام الآخرين ومعتقداتهم علاوة على التعصب المذهبي والطعن الأخر ق !!!

    • زائر 7 | 5:14 ص

      ياسلام على التعدد ، ولكن ؟

      ***
      كم جميل هو التعدد والاطلاع على فكر الطرف الاخر . ولكن ماذا تقول عندما يستغل الطرف الاخر ذلك المنفد في شتم و تكفير الاخرين .
      وما حدث وقراناه عن محطة (( الجزيرة مباشر )) قبل ايام من هجوم وتكفير وتوعد ووعيد من البعض على بعض إخوانهم من المسلمين ما هو الا سوء تصرف وضيق في الفكر (( لا أرضى ابدا بما طرحه أحد المشايخ عن أم المؤمنين ( رض )) ولا ارضى أيضا بمن يقوم بعمله في بعض المجطات الاخرى .
      فكلنا أمة واحدة وإن إختلفنا في بعض الامور ،، وفعلا خير الناس من إتغظ بغيره .

    • زائر 6 | 2:07 ص

      الى الأخ عبدعلي عباس البصري

      ربما قصد الكاتب في عبارة ((فاختصار العالَم في أفكار يُولّدها آحاد الناس هو أقصى درجات التطرف)) الأشخاص المتطرفون مثل اسامة بن لادن وياسر الحبيب ومنهم على شاكلتهم والذين يريدون إدارة الدنيا بافكارهم هم فقط . ولا أعتقد أن عين الكاتب أخطأت نماذج التاريخ العظيمة كالرسول الأعظم ((ص)) أو أفلاطون كما تفضلت

    • زائر 4 | 11:54 م

      عبد علي عباس البصري(شكرا بهلول)

      هذه الدعاوي ربما هي انا اقول ربما ؟ يستخدمها البعض لغلق منافذ المعرفه لكي لا تظهر ا لحقائق؟

    • زائر 3 | 11:52 م

      عبد علي عباس البصري

      ((فاختصار العالَم في أفكار يُولّدها آحاد الناس هو أقصى درجات التطرف)) اعاده صياغه هذه العباره الوارده في مقال الاخ (محمد عبد الله محمد) فاختصار العالم في افكار يولدها آحاد الناس هو اقصى درجات العظمه الانسانيه ، امثال افلاطون ،انشتاين ، انيوتن ، وغيرهم من العلماء الانسانيه الذين غيرو العالم .
      اليوم الرسول الاعظم غير العالم من بلاد صحراء وشعب بدات ؟؟؟؟ فهل هذا تطرف؟؟؟. ربمى تقصد ان هناك يحملون الجمع على ما قاله فرد؟ فذلك صحيح ما تقول.

    • زائر 2 | 11:44 م

      عبد علي عباس البصري

      كنا الى اواخرالثمانينات تقريبا اسارى القنوات الارضيه العربيه ، حلقات , مسلسلات ، افلام ،اخبار ليس لها علاقه سوى بالحكومه والحاكم و في الاخير خبر عن الكره وآخر عن الكوارث الطبيعيه . والسلام .
      الفرنج يخلقون لنا سبل المعرفه فلا نسخرها الا لحب الذات والانانيه ، بالامس القنوات الارضيه واليوم بعد التطور بدى الامر مختلف كثر الهرج والمرج ولا فائده . القنوات الفضائيه اليوم بدى فيها الصراع المذهبي والديني ليس كله داء فربما فيه تضاد ومن التضاد تعرف الحقيقه.

    • زائر 1 | 11:31 م

      بهلول

      الفضاءات أصبحت مفتوحة بما فيها فضاءات الإنترنت و فضاءات القمار الإصطناعية وهي مسألة وقت فقط لكي تصبح مفتوحة للآخر حتى بالنسبة للكابلات البصرية الفائقة السرعة و السعة.
      الخطأ الأفدح هو أن تتحكم جهة محددة لا تحركها سوى مصالحها الذاتية بالإعلام تمنح من ترغب و تمنع من لا تحب.

اقرأ ايضاً