العدد 1147 - الأربعاء 26 أكتوبر 2005م الموافق 23 رمضان 1426هـ

المواطنة... قبل كسر ظهر الوطن!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

حديث اليوم في موضوع خطير يطرح بين الفينة والأخرى، فتشتعل النار وتخلف وراءها كوارث لا ينفع التمويه والتعمية في إخفائها، لكنها تتجمع وتتراكم وتكبر مثل كرة النار، وكأنها تشتعل كاللهيب في الهشيم. نخوض في الموضوع الشائك والحساس، الذي يثير لغطا كبيرا وفتنا رهيبة ومكايد كثيرة، تتداخل فيها أصابع الفتنة من الداخل، وتحريض العداء من الخارج، ونقف جميعا تجاهها عاجزين أو بالعاجزين أشبه، إذن فمن قال إن مثل هذه الموضوعات الحساسة والشائكة، تعالج بالدفن والكتمان والتمويه والتعمية، انما ينادى بالتضليل طريقا لكسر ظهر الأوطان عبر الفتن! إننا نؤمن دائما بأن طريق المعالجة يبدأ بالمناقشة الصريحة والمكاشفة الكاملة، واجراء الجراحات الكبيرة انقاذا للمريض من موت محقق إن ترك على ما هو فيه، من داء يجري حقنه بمزيد من الميكروبات أحيانا، أو بالمسكنات أحيانا أخرى! علينا أن نعيد فتح الملف الملغوم الذي يهدد فعلا بخطر محدق بالوطن والمواطنين، ملف الفتن التي تهدد الوحدة الوطنية وحقوق المواطنة واطلاق الحريات العامة للجميع من دون تمييز، حتى نواجه مخططات التقسيم على أسس دينية وطائفية وعرقية، على غرارما يجري الآن في أكثر من دولة عربية... وفي حديثنا اليوم، نبدأ أولا بنموذج ما يجري في مصر، في ظل حادثين مهمين ووسط مناخ يسوده الشحن والتوتر، وربما التربص والتحريض أيضا، يقف وراءه مستفيدون ومستغلون من الداخل، كما من الخارج، ولكل أهدافه ومراميه. ونعني بالحادثين أولا ما ينشر بكثافة عن "مؤتمر الأقباط المصريين في الخارج" المقرر عقده في العاصمة الأميركية "واشنطن" ما بين 16 و18 من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بدعوى استعادة حقوق الأقباط المضطهدين في مصر... وثانيا ردود الفعل المتتالية على هذا المؤتمر القبطي، التي حدثت داخل مصر ومن بينها ما نشر أيضا عن وثيقة لعدد من الدعاة والمثقفين المسلمين للرد عليه، ودعوة الناس للتجمع حولها "دفاعا عن اسلام مصر"، ثم اتساع ردود الأفعال وصولا للحوادث المؤسفة حول كنيسة مارجرجس بالاسكندرية، التي سقط فيها قتلى وجرحى، وما تردد عن توقيت اشعالها الآن في ظل حملات الدعاية الانتخابية الوشيكة! ثمة خلفيات كبيرة تسبق الحادثين بالطبع على مدى العقود الأخيرة، شهدت احتقانا معروفا بين فئات من مسلمي مصر ومسيحييها، ابتداء من حوادث الفتنة الطائفية في السبعينات وصدامات المرج والزاوية الحمراء وقرى ومدن الصعيد، ثم حديثا حوادث الكشح وحكاية السيدة وفاء قسطنطين وحملات التنصير أو الأسلمة، وصولا للمظاهرات حول كنيسة الاسكندرية، وسط مناخ من الحشد والتعبئة على الطرفين، وخصوصا من جانب الخطاب الديني المتشدد من بعض الأطراف المتطرفة، سواء في الجانب الاسلامي أو الجانب المسيحي... ولا فائدة من الانكار لأن أصل الداء هنا في الداخل! أولا: مؤتمر واشنطن لاقباط المهجر: بعيدا عن التخوين أو التهويل، وعن التهوين أو اصطناع البطولات الدينية أو حتى الوطنية، لم يفاجأ كثيرون من المتابعين، بحكاية مؤتمرات وحملات قلة من أقباط المهجر، تتحرك وتكثف حملاتها الدعائية، لتدويل قضية اضطهاد المسيحيين في مصر، وبالتالي جاءت الدعوة إلى انعقاد مؤتمر ضخم في إحدى قاعات الكونغرس الأميركي فيما بين 16 و18 نوفمبر ،2005 تحت رعاية بيت الحرية. "فريدوم هاوس" المنظمة الأميركية الشهيرة، وبقيادة ثلاثة تيارات مسيحية مصرية مهاجرة يمثلها عدلي أبادير وموريس صادق ومايكل منير، على رغم ما بينهم من اختلافات تهدد حتى الآن عقد المؤتمر! وقد سبقه عمليا مؤتمران مهمان فتحا باب مناقشة مشكلات المسيحيين في مصر، أولهما مؤتمر الأقليات الذي نظمه مركز ابن خلدون العام 1994 وناقش مشكلات الأقليات عموما في البلاد العربية، مثل الأقباط والأكراد والأمازيغ... الخ، وثانيهما مؤتمر زيورخ السويسرية العام 2004 الذي نظمه عدلي أبادير لمناقشة مشكلات اضطهاد المسيحيين المصريين، وهنا يأتي المؤتمر الثالث المقبل في واشنطن ذات الأهداف المستفيدة والمستغلة لمثل هذه المشكلات في مصر والدول العربية، وانظر إلى سياسة اثارة الفتن ومشروعات التقسيم الطائفي والعرقي في السودان والعراق ولبنان وهاهي مصر تدخل على الخط، وربما السعودية وسورية وغيرهما تسير في الطريق ذاته! ومازلنا نؤكد أن الداء في أجسادنا إن كنا نتعامى عنه ونحاول اخفاءه، فالخارج لا يفعل إلا النقيض سواء بعقلية المؤامرة، أو بمنهج التعاطف المسيحي المسيحي، مقابل الحملة المعادية للاسلام والمسلمين في الغرب بعد حوادث سبتمبر/ أيلول ،2001 بل في وجه تطرف بعض الجماعات الاسلامية بخطابها المتطرف والمتعصب والعنيف! ثانيا: لا شك أن الترويج الواسع لمؤتمر الأقباط في واشنطن، استفز عناصر كثيرة من مسلمي مصر، وجدت أن المطالب التي يطرحها هذا المؤتمر استنادا إلى خلفية المؤتمر السابق في زيورخ تحديدا، انما هي اعتداء على الاسلام في مصر، ومن ثم بدأت البيانات والتحركات المضادة، على غرار البيان الذي أذاعه على عجل بعض رجال الدين والمفكرين المسلمين قبل أيام، وهي تحركات ستتصاعد مع قرب انعقاد مؤتمر واشنطن وبعده، بحجة الدفاع عن الاسلام، والتحذير من جانب هؤلاء "جبهة العلماء والمثقفين لحماية الشريعة" لكل من يحاول إلغاء نص الدستور في مادته الثانية، على أن الاسلام دين الدولة وان الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع باعتبار "ان محاولة الالغاء المدفوعة بضغوط أجنبية تمثل خطا أحمر وخطأ فادحا يؤدي تجاوزه إلى خرق الاجماع الوطني ويهدد السلم الاجتماعي" في دولة غالبيتها الساحقة من المسلمين، تتعايش بسلام عبر القرون الطويلة مع أشقاء من المسيحيين، لا تزيد نسبتهم على 10 إلى 12 في المئة وفق التقديرات المسيحية المصرية، وتنقص إلى حدود 7,5 في المئة طبقا للأرقام الرسمية، منهم نحو المليون ونصف المليون هاجروا إلى الخارج من استراليا شرقا إلى أميركا غربا. وأمام هذا الاستقطاب المتزايد والشحن الطائفي الخطير، يصبح تجاهل الاعتراف بوجود مشكلات خطأ تاريخيا، يستوجب ليس فقط سرعة تدخل "الدولة المدنية بقانونها النافذ" وانما يستوجب أيضا تحركا للمجتمع المدني الذي يضم المسلمين والمسيحيين في نسيج موحد، لانارة الجميع بالمخاطر المحدقة واشاعة روح التسامح والتعايش والعيش المشترك، بالاستنارة واحياء الروح الوطنية وفق قاعدة حقوق المواطنة للجميع من دون تمييز ولا تفرقة. ولأننا لم نفعل ذلك ولم نقم بالواجب المنزلي على خير وجه، ظلت كرة اللهب تكبر على وقع حوادث صدامية في الداخل، تتلقفها عناصر في الخارج تضخم وتبالغ وتحرض، وصولا إلى اشاعة مقولة اضطهاد المسيحيين وإبادتهم وخطف واغتصاب نسائهم جماعيا وأسلمتهم بالقوة، في ظل حماية أو صمت أجهزة الدولة! وبقدر خطورة الاتهام الذي يلقى صداه الواسع في الغرب عموما، وفي أميركا خصوصا، يأتي انعقاد مؤتمر أقباط المهجر في واشنطن، ليطرح مطالب ويعرض مشكلات يرى أنها ملحة، تحتاج إلى ضغوط أميركية على الدولة المصرية الآن وفورا، وسط موجات الضغوط الخارجية المتصاعدة... والفاعلة غالبا استغلالا لمناخ دولي يحبذ ذلك، تحت شعار حماية حقوق الأقليات والحريات الدينية وحقوق الانسان، وبصرف النظر عن مدى صدقية هذه المطالب والضغوط، فمن الشجاعة أن نعترف، كما سبق أن كتبنا وكتب غيرنا، بأن هناك مشكلات للمسيحيين في مصر وغيرها من الدول العربية والاسلامية، يجب حلها على أرض الوطن، وفق قاعدة حقوق المواطنة للجميع في ظل اطلاق الحريات العامة جميعا وللجميع من دون تفرقة. وحين نعود مثلا إلى مطالب المسيحيين المصريين ومشكلاتهم، التي طرحوها في الداخل من قبل بطرق مباشرة علنية أو بطرق غير مباشرة، نجد أن صداها هو الذي صاغ مناقشات ونتائج مؤتمر زيورخ في العام الماضي، وأعلن أنها ستكون كلها على جدول أعمال مؤتمر واشنطن في العام الجاري. وملخص قرارات مؤتمر زيورخ تركز على الآتي: أ - تخصيص كوتة للمسيحيين بنسبة 15 في المئة في البرلمان والمجالس المنتخبة والمناصب الرئيسية. ب إعلان مصر دولة علمانية والغاء مواد الدستور التي تنص على دين الدولة والشريعة الاسلامية. ج - وضع حلول نهائية لبناء الكنائس والغاء الخط الهمايوني نهائيا. د - تمثيل أوسع للمسيحيين في قيادة الدولة ومناصبها. وهي قرارات تستند إلى مقولات شائعة، من بينها أن هناك اضطهادا للمسيحيين في مصر، باعتبارهم "أقلية دينية" مهمشة ومعزولة ومحرومة من حقوقها الأساسية، وان هناك تضييقا على ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وأن هناك حرمانا لهم من الوظائف العليا والقيادية في مؤسسات الدولة والوزارات والجامعات والمحافظات، إضافة إلى حرمانهم من الوصول إلى البرلمان بنسبة معقولة، الأمر الذي يؤدي إلى الغضب والانكسار والسلبية والمقاطعة والأزمات المستمرة، سواء على مستوى العلاقات بين الكنيسة والدولة، أو بين المواطنين انفسهم، تغذيها حوادث الفتنة الطائفية والمناخ التحريضي والمتعصب، وخصوصا من التيارات الاسلامية المتطرفة من ناحية، ورد الفعل التعصبي والمتطرف أيضا من جانب المسيحيين وبعض الكنائس والمدارس الدينية المختلفة. إذن نحن أمام مناخ محتقن وغضب متبادل وأصوات متطرفة صاخبة، تصرخ في الداخل، وتضخم في الخارج استغلالا واستهدافا... لكن هذا كله لا يلغي عقولنا التي ترى أن هناك مشكلات حقيقية ومطالب عادلة ومعروفة، استجابت الدولة لبعضها ولم تحقق بعضها الآخر حتى الآن، ومن هنا يتجدد الغضب والضيق والالتجاء أحيانا إلى لاستقواء بالخارج، طالما أن الحل لم يأت حتى الآن من الداخل. فإذا ما بدأنا بالاعتراف بوجود المشكلات، يجب ان نضع لها الحلول الجذرية بالعدل الناجز، وبقوة وسلطة الدولة المدنية، وبوعي واستنارة نابعة من القلب والعقل، وقائمة على الحوار والجدل بالتي هي أحسن، ولا نعتقد أن موائد الوحدة الوطنية والتصريحات العاطفية من القيادات المختلفة، وحتى البيان المشترك الصادر يوم الجمعة الماضي بتوقيع مشترك من الامام الأكبر شيخ الأزهر وقداسة البابا، على رغم أهميته وريادته، يكفي لحل المشكلات القائمة، وانهاء حال الاحتقان والتحريض والاثارة المتعمدة وافتعال الازمات في الداخل لتصديرها إلى الخارج، إذ تختلف الأهداف والمصالح والسياسات الراغبة في كسر ظهر الأوطان! والحوار موصول والمناقشة مفتوحة، بحثا عن أرضية مشتركة متعايشة في حرية لأبناء الوطن الواحد، بعيدا بقدر الامكان عن استغلال الضغوط الأجنبية الهاجمة بقوة... وبعيدا أيضا عن حملات الاثارة والتحريض المتزايدة بعنف!

خير الكلام

قال تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن" "النحل: 125" * مدير تحرير صحيفة "الأهرام

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 1147 - الأربعاء 26 أكتوبر 2005م الموافق 23 رمضان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً