العدد 1147 - الأربعاء 26 أكتوبر 2005م الموافق 23 رمضان 1426هـ

من قتل "صقر"؟

حسن أحمد عبدالله comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

كانت فلسفة أبوجابر تقوم على المثل القائل "تزوج امرأة جميلة تصبح معروفا وتزوج امرأة قهارة تصبح فيلسوفا"، لذلك كان الرجل قد تزوج من امرأة لا تنفك عن المماحكة و"النق" والقهر، وأصبح فيلسوف عصره، أقله على مستوى البلدة، هذا الرجل اختلف مع جاره أبونجيب في الخمسينات من القرن الماضي على الموقف من حلف بغداد، وأخذت تتطاير شرارات خلافهما لتضرب كل رابط بينهما، فالجيرة تحولت إلى عداء، وصلة القربة انقطعت "هما أبناء خالات" ووقفت زوجة كل منهما إلى جانب زوجها. تضارب المواقف هذا أدى إلى تضارب مصالح بينهما أدى في نهاية الأمر إلى خضوع كل منهما لوصاية طرف آخر، والخاسر الأكبر في هذا الخلاف كانوا أولادهما، فهؤلاء كانوا أصدقاء في المدرسة والملاعب، وأعداء في منازلهم، وعلى هامش الحرب الدائرة بين أبوجابر وأبونجيب نشأت قصة حب بين منيرة ابنة أبوجابر وصقر ابن أبونجيب، وكانت هذه القصة محل حديث سهرات شبيبة البلدة، وبقيت حوادثها بعيدة عن أسماع ذويهما حتى لا تقع الكارثة. وفي يوم من أيام شتاء العام 1967 اكتشف أبونجيب قصة حب صقر لمنيرة وأعلن الحرب على ابنه إلى درجة طرده من المنزل، كان الشاب وقتذاك في التاسعة عشرة من العمر والبنت في الثامنة عشرة، ولم يكن أصبح منتجا بعد، فوجد الشاب نفسه في أمسية ذلك اليوم وحيدا في عراء البرد والمطر في شوارع البلدة، وأمضى ليلته الأولى في مغارة من المغارات الموجودة في أطراف البلدة، وفي الصباح ذهب إلى دكان أبورجب واشترى قارورة سم حشرات وعاد إلى المغارة ليتجرعها وينتحر فداء للحب. يومذاك اتهم أبونجيب ابنة أبوجابر بقتل ابنه لأنها - كما قال - "لو لم تكن جميلة وحبت الصبي ما كان انتحر"، بينما اعتبر أبوجابر انتحار صقر نتيجة طبيعية لموقف والده المؤيد لحلف بغداد، وقال: "صحيح حلف بغداد سقط وسقطت معه أنظمة بس ما فينا ننكر التأثيرات السلبية اللي تركها الحلف على الناس ومنها جريمة اغتيال صقر بطريقة غير مباشرة". منذ أن اندلعت الحرب بين الرجلين اتفقا وللمرة الأولى على مبدأ "اغتيال صقر" لكنهما اختلفا على الأسباب. يومذاك أعلنت منيرة أنها لن تتزوج طوال حياتها، لكنها بعد نحو أربع سنوات بدلت رأيها لأن "كل شيء يولد صغيرا إلا الحزن يولد كبيرا ثم يصغر"، ولأن "الحزن لن يرجع صقر"، ولأن حسب نظرية أم جابر "البنت يا زيجتها يا جنازتها"، ومنيرة بنت عاقلة وبتفهم اختارت الزواج على الجنازة. يومذاك جعل أبوجابر من عرس ابنته معركة الطرف الأغر في مواجهة أبونجيب الذي ما إن ابتدأ العرس حتى جمع أسرته وغادر البلدة لزيارة شقيقه في المدينة المجاورة، وعلقت أم نجيب قائلة: "حرقت قلوب مرتين ما بيصير قتلوا الصبي أول مرة وهلق "الآن" بدهم يقتلوه مرة ثانية... الله على الظالم". في كل ذلك كانت أم جابر تمارس هوايتها بالمماحكة و"النق" وكانت فلسفة أبوجابر تزداد تألقا بين أبناء البلدة، واعتبر رحيل أبونجيب عن البلدة يوم عرس ابنته من "باب التنغيص علينا الصبي مات الله يرحمه، والبنت بقيت رافضة الزواج أربع سنوات، وتمديد الحداد مستحيل بهيك ظروف لأن العريس فرصة لا تتكرر، استاذ مدرسة وابن حكومة، ومش من البلدة، ونحن لا نستطيع رفض تزويج البنت لأن هم البنات للممات، وفرصة بيشيل عنا شوي من هم مصروفها". لم يطل أمر هذه الزيجة التي قامت على المصلحة التي حاولت أم جابر استغلالها إلى أبعد الحدود، واعتقدت أن موظف الحكومة صاحب مناجم الماس "يغرف منها كيف ما شاء ويصرف"، وبدأت متطلبات أم جابر، مرة تريد شراء تلفزيون، ومرة تريد أن يكفلها صهرها عند أبوخليل لشراء "طقم كنبايات ستيل" ولأن التي "صهرها ابن حكومة لازم يكون صالونها صالون حكومي". أمام سلسلة متطلبات أم جابر التي لا تنتهي وجد الصهر نفسه مجبرا على تجرع كأس الطلاق المرة حتى لا يصبح صقرا آخر ويتجرع قارورة سم الحشرات في المغارة. عادت منيرة إلى بيت والدها تجر خلفها أذيال الخيبة من هذه التضحية التي انتهت إلى إنجاب طفل ووثيقة طلاق والعودة إلى سماع "نق" والدتها وفلسفات والدها التي أدت "إلى بازار كوارث" حسبما قالت منيرة لبهية ابنة ابونجيب، وكرد فعل على كل ذلك شقت منيرة عصا الطاعة وعقدت صلحا علنيا مع بيت أبونجيب، وكانت أول من يعلن انشقاقه على "الموقف التاريخي الثابت لوالدها"، وعلق أبوجابر على الأمر بالقول: "البنت مقهورة وبدها تفش خلقها وهذه المصالحة فشة خلق وبعد كم يوم بترجع البنت لرشدها". باب المصالحة الذي فتحته منيرة أدى إلى انهيار حلف العداء، على ورغم بقاء كل من أبوجابر وأبونجيب على مواقفهما وتساندهما زوجاتهما فإن الأبناء أرادوا أن يكونوا أبناء عصرهم لا أن يقفوا عند حلف بغداد طوال العمر. وفي مناسبة الحديث عن حلف بغداد الأديب الشعبي اللبناني سلام الراسي في كتابه "قال المثل - الناس أجناس" وتحت عنوان "عندما كان الزجل والشعر في خدمة لبنان" يكتب "في ربيع 1955 اشتد التجاذب، في لبنان، بين المد الناصري وما كان يسمى "حلف بغداد" بزعامة تركيا ورعاية بريطانيا العظمى، وكان ذلك في عهد الرئيس كميل شمعون ورئيس حكومته سامي الصلح، وجاء الوزير التركي جلال بايار إلى لبنان يدعوه إلى الالتحاق بحلف بغداد وجرى له استقبال رسمي مميز وعلقت على باب السفارة التركية قرب مخفر حبيش "رأس بيروت" صورة مكبرة للزائر التركي، كما انتشرت صوره مع كبار المسئولين اللبنانيين في الصحف وعلى بعض الجدران، وتسلل أحد شعراء ذلك الزمن في غفلة من رجال الأمن وكتب تحت صورة جلال بايار ردة من الزجل: "قال هذا جلال بايار جايي من بعيد يعرض علينا حلف اسياد وعبيد لا مش جلال... يمكن يكون هذا جمال باشا، رجع ينصب مشانق من جديد" ويضيف سلام الراسي "في ذلك الوقت كان تمثال رياض الصلح بطل استقلال لبنان يشمخ منتصبا في الساحة المسماة على اسمه "وسط بيروت"، وحدث يومئذ أن وجد على قاعدة التمثال بيتان من الشعر هما:" قم يا رياض الصلح حارب عبث الاحبة والأقارب أخذوا مفاتيح البلاد وسلموها للأجانب" "انتهى الاقتباس". "حلف بغداد" لم يقسم الشارع السياسي العربي واللبناني آنذاك، بل قسم الشعر والشعراء والعائلات، وعلى رغم انه حمل اسم "حلف بغداد"، فإن الزعامة كانت لتركيا والرعاية لبريطانيا العظمى، وعلى رغم كل الضحايا التي ذهبت في سبيل هذا الحلف كانت مسألة انتحار صقر بن ابونجيب الأكثر تأثيرا في وجدان أبناء بلدتنا لأنها فجرت سلسلة من الأسئلة يومذاك حول جدوى العداوات المحلية استنادا إلى عداوات إقليمية لا ناقة ولا جمل فيها لأبناء البلدة ولم تنته هذه الأسئلة لا مع انفجار الحرب اللبنانية، ولا مع اتفاق الطائف، ولا مع اسقاط مشروع تقسيم لبنان عندما أخرج ميشال عون من قصر بعبدا العام ،1990 ولا مع انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان العام ،2000 ولا مع انسحاب القوات السورية في ابريل/ نيسان العام الجاري، ولا مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانتحار أو بالأحرى كما قال وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في تصريح له "اغتيال اللواء غازي كنعان" يوم الاربعاء الماضي. لبنان بلد الأسئلة التي دائما تأتي أجوبتها من الخارج، ولهذا نسأل: انتحار أو اغتيال غازي كنعان عن أي سؤال لبناني يجيب، الم يكن الرجل "حاكم لبنان شبه المعلن لنحو عقدين من الزمان"؟ هل هو صقر بن ابونجيب وذهب ضحية العداء بشأن "حلف بغداد"؟ * كاتب كويتي

العدد 1147 - الأربعاء 26 أكتوبر 2005م الموافق 23 رمضان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً