العدد 1198 - الجمعة 16 ديسمبر 2005م الموافق 15 ذي القعدة 1426هـ

المجتمع السعودي ومعادلة الوحدة والتقدم

الشيخ محمد الصفار mohd.alsaffar [at] alwasatnews.com

لكل مجتمع من المجتمعات خطاب خاص يتصدره ويسوده ويفرض هيمنته على ساحته الاجتماعية والسياسية، من دون أن تتمكن بقية الخطابات من منازعته ومنازلته. فالمجتمعات العلمانية مثلاً، لها نكهة وطعم في خطابها السائد يختلف عن ذوق الخطاب الآخر في المجتمعات الدينية. كما أن الدول والمجتمعات الاشتراكية تختلف في خطابها العام عن نظيرتها الرأسمالية، وهذا الاختلاف يمكن ملاحظته في خطاب المجتمعات الصناعية عن غيرها «الاستهلاكية». وفي كل المجتمعات والكيانات يلعب هذا الخطاب دوراً مهماً في بلورة الشرعة والمنهاج الذي تتجه ناحيته طاقة المجتمع، وتتكون من خلاله رؤاه، وتتشكل علاقاته الداخلية، ومن خلال كل ذلك يمكن استشراف مستقبله. لقد منّ الله سبحانه وتعالى علينا إذ هدانا لدينه، فأصبحنا مجتمعاً موحداً مؤمناً بالله سبحانه وتعالى لا نشرك به شيئاً ولا نرضى عن حكمه بدلاً، فكان طبيعياً أن تكون أرضية الخطاب في مجتمع المملكة، كما في غيره من المجتمعات المسلمة، أرضية دينية إلهية تستمد مفردات خطابها من كتاب خالقها (القرآن الكريم) وسنة نبيه (ص). إلى هنا، ليست هنالك مشكلة، فالخطاب منسجم مع تدين المجتمع واعتقاده، المشكلة برزت وتفاقمت حين اختصر خطاب الوحي واختزل الخطاب الديني لينشغل بالبعد العقدي فحسب، مهملاً ومتغافلاً سعة الشريعة وأهدافها الكبرى، وأشرت إلى هذا الموضوع في مقالي الماضي تحت عنوان «المجتمع السعودي أزمته سلوكية أم عقدية؟»، وقلت فيه إن هذه الأزمة ليست خاصة بالمجتمع السعودي، بل هي مشتركة بينه وبين غالبية المجتمعات الإسلامية. كما أكدت هناك أيضاً أنها ليست خاصة بلون أو طيف من أطياف المجتمع السعودي، بل إن غالبية الأطياف في بلادنا تتقاطع مع أزمة الخطاب هذه، وترزح تحت وطأتها بشكل من الأشكال. إن التركيز في الخطاب الديني على العقيدة الصحيحة والمبالغة فيما يوصف بعملية «تنقيتها» من الشرك والبدع والضلالات، وتكرار هذا الخطاب بشكل متواصل وممل والاشتغال به كأولوية مع أننا مجتمع مسلم موحد ومؤمن بالله سبحانه وتعالى، أدى إلى خسارتنا على صعيدين مهمين: الأول على صعيد تقدم المجتمع والثاني على صعيد وحدته الداخلية وتراص بنيانه. فعلى صعيد التقدم، جاء هذا النوع من الخطاب منشغلاً ومتشاغلا بالعقيدة وموغلاً في تفاصيلها الجزئية، في الوقت الذي غفل فيه عن توجيهات الدين الأخرى التي جاءت لإسعاد الإنسان، وحثه على فتح الآفاق لنفسه وللإنسانية من حوله. جاء خطاب الدين ليقول لنا مضافاً إلى حسن الاعتقاد وسلامة العقيدة، تفكّروا وانظروا وتقدموا «الذين يذكرون قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض»، «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت» (الغاشية: 17 ­ 20). جاءت العقيدة لننطلق منها وعلى أرضيتها لآفاق أنفسنا وآفاق الكون من حولنا، لكننا انشغلنا بالعقيدة وتفاصيلها، لنعيد الكلام فيها ونجتره في موضوعات وأبحاث هي في الأساس مركوزة في أذهان أبناء مجتمعنا، ومستقرة في فطرتهم التي فطرهم الله عليها، بينما انطلقت الشعوب والمجتمعات الأخرى تتحرك في الضفة الثانية، فقادت وسادت ونمت وازدهرت، ونحن بعد مازلنا ننقح مسائل العقيدة لتصفيتها من الشوائب والأكدار. لقد وجه العالم المتقدم إنسانه ليتعرف على الكون ومعادلاته وما فيه من أسرار، ووجهنا نحن مجتمعنا إلى عقائدهم توجيهاً مبتوراً يختزلها في صلاح وفساد العقيدة من دون أن نحثهم على أهدافها التي هبطت من اجلها وعلى رأسها سعادة الإنسان وتمكينه من إعمار الأرض، وإصلاح أمره في الدنيا وليس الآخرة فحسب. في كتاب «العقلانية والمعنوية مقارنات في الدين والفلسفة»، يقول المفكر والمثقف مصطفى ملكيان: «أرى إن كل الأديان صبت طاقاتها التغيرية على العوالم الداخلية، وخاطبت أتباعها إن غيروا أنفسكم، ولم تطالبهم أن يغيروا العالم دوما وفق متطلباتهم وإراداتهم». وعلى صعيد الوحدة الداخلية، سواء في مجتمعنا السعودي أو في أي مجتمع يسود فيه الخطاب المتواصل بشأن العقيدة وصحتها وسلامتها، (إذا كان في جانبه السلبي كما أسلفت فيما مضى)، فإن هذا التضخيم لمسألة العقيدة يتسبب في الكثير من التشققات الاجتماعية، فكل الساحات والمجتمعات مزدهرة بالتنوع، وغنية بالتعدد القائم كواقع يستعصي على المكابرة، والحديث المتواصل عن العقيدة والتركيز على جزئياتها كمفاصل فارقة تفصل التصرفات والكيانات إلى خانة الإيمان والتقوى والكمال وخانات أخرى هي الكفر والشرك والبدعة وخطأ الاعتقاد ونقص الدين، هذا النوع من الغلو في العقيدة وما يسببه من تصنيف مجاني يُلقى على عواهنه من دون تأمل وبعد نظر، يؤثر أثراً بالغاً على الوحدة الاجتماعية سواء في المجتمع الكبير على مستوى البلاد عامة، أم على مستوى الكيانات والأطياف الصغيرة التي أؤكد أنها لا تخلو من هذا النوع من الخطابات العرجاء. حراس العقيدة هؤلاء بخطابهم العقدي المغالي أحياناً، يمزقون وحدة المجتمع ويزيدون في تفتيته وينشرون ثقافة الكره والتحريض بين أبنائه... بل بين أبناء المدرسة الواحدة والمذهب الواحد، وبذلك تصبح الأرضية مهيأة للتنازع والاحتراب، وتضعف بشكل تلقائي مناعة المجتمع وتضعف وحدته التي تعتبر قاعدة الرقي والتقدم والتنافس من أجل خير الإنسانية جمعاء. إن الأمل كبير في أن تتحول توصيات «قمة مكة» أو ما عرف بـ «بلاغ مكة»، والذي رحبت به جميع دول العالم، إلى واقع عملي يؤكد احترام جميع الأديان والمذاهب التي أشار إليها البيان الختامي للقمة، وإيقاف المزايدات بين المدارس والمذاهب والأديان، كي نتمكن من تحقيق إنسانيتنا وانسجامنا من أجل سعادتنا وتقدم مجتمعنا.

إقرأ أيضا لـ "الشيخ محمد الصفار"

العدد 1198 - الجمعة 16 ديسمبر 2005م الموافق 15 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً