العدد 1208 - الإثنين 26 ديسمبر 2005م الموافق 25 ذي القعدة 1426هـ

تفكيك... وتقويض

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

المخاوف التي عبّر عنها وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول من احتمال انجرار العراق إلى حرب أهلية وانقسامه إلى دويلات صغيرة فتحت باب النقاش من جديد بشأن هذه المسألة الخطيرة. تصريح باول جاء في سياق تحليله لتداعيات مشهد الحرب على العراق، فهو ليس رسمياً ولا يعكس معلومات مؤكدة ولكنه يعطي صورة عن سيناريوهات متداولة في إدارة جورج بوش. المخاوف في النهاية جدية وهي لا تطلق للتهويل وإنما تساعد على قراءة خريطة طريق الطوائف والمذاهب والأقوام المتمركزة في مناطق جغرافية محددة في بلاد الرافدين. فالعراق منقسم إلى دوائر (محافظات) تسكنها غالبيات في هذه المنطقة أو تلك. وهذا التوزع السكاني تفصله خطوط تماس أهلية كانت موجودة قبل الاحتلال الأميركي. والحرب على العراق التي أسفرت عن إزاحة النظام الاستبدادي السابق وقوضت الدولة كشفت الغطاء عن ذاك الانقسام الأهلي. والإدارة الأميركية مهما تظاهرت بالجهل كانت على علم ودراية بذاك الانشطار الطوائفي والمناطقي. وهي كذلك راهنت عليه بداية وحاولت الاستفادة منه لتبرير الاجتياح وتلوينه بعناصر محلية تعطي شرعية تبحث عنها لمواجهة تلك العاصفة الدولية التي اعترضتها. واشنطن في السنة الأولى للاجتياح لعبت تلك السياسة القذرة في إطار سعيها لتسويق مشروعها التقويضي. وحاولت أن تغطي استراتيجيتها بشعارات منافقة تضفي عليها صفات العدالة والإنسانية والدفاع عن المظلومين. هذه السياسة انكشفت أكاذيبها في السنة الأولى حين طرحت أمام العالم خطة مشروع تفكيكي يقوم على مجموعة معادلات خطرة للغاية... منها إعادة رسم خريطة «الشرق الأوسط» انطلاقاً من تحريك ملفات «الأقليات» و«الأكثريات». خطة التحريك لمثل هذه الملفات الأهلية كان يعني بكل بساطة كشف دول المنطقة على فسيفساء من التجمعات السكانية المختلفة في مصادر تكوينها الطائفي والمذهبي. وكان أيضاً يهدف بكل وضوح إلى تقويض الدول والكيانات السياسية التي تأسست في نهاية الحرب العالمية الأولى وأعيد تشطيرها أو ترتيبها بعد الحرب العالمية الثانية بسبب إلغاء فلسطين من الخريطة وتأسيس «دولة» استورد سكانها من خارج المنطقة. خطة التحريك كانت تعني أيضاً توتير العلاقات الأهلية في المنطقة وتفجير الكيانات السياسية من الداخل بهدف تحقيق ذاك المشروع التقويضي الذي أطلق عليه... إعادة رسم خريطة «الشرق الأوسط». إعادة رسم خريطة سياسية في منطقة غير مستقرة وتقوم على قاعدة اجتماعية ورثت نظام «الملل والنحل» من فترة السلطنة العثمانية لا يعني في منطق التاريخ والاجتماع سوى زعزعة الأمن وإثارة الفتن ودفع الدول نحو التشرذم تحت عنوان «الفوضى البناءة». الإدارة الأميركية تحاول الآن وبعد «خراب البصرة» أن تدّعي البراءة بذريعة أنها لم تكن على دراية بقوانين المنطقة وآليات تطورها وشبكة علاقاتها الأهلية. وهي أيضاً تريد التنصل من المسئولية وتوزيع الاتهامات على غيرها من قوى أيدت المشروع أو من قوى رفضته. وهذا النوع من الانسحاب السياسي يعتبر أسوأ من الاجتياح نفسه. الرئيس جورج بوش أنكر في خطاب له قبل أسبوعين وجود خطة أميركية لتقسيم العراق إلى ثلاث دول، وجدد تمسكه بدولة واحدة ذات سيادة. وقبل يومين أبدى وزير خارجيته السابق وصاحب التصريح الذي أشار إلى «إعادة النظر بخريطة الشرق الأوسط» مخاوفه من احتمال اندلاع حرب أهلية في العراق. إنكار بوش لوجود خطة مسبقة ومخاوف باول من احتمال حرب أهلية تنفذ تلك الخطة يكشفان عن تلك الكارثة التي أوصلت واشنطن المنطقة إليها. المسألة واضحة إلا أن الرهان لايزال عرضة للتجاذبات الأهلية بين أبناء بلاد الرافدين وجوارها. فالقرار الأميركي مرسوم وتنقصه خطة التنفيذ. ونجاح الخطة أو فشلها يعتمد كثيراً على تلك القيادات السياسية التي تستطيع بحكمتها ووعيها للمخاطر أن تمنع المنطقة من الانجرار إلى لعبة «الفوضى البناءة»

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1208 - الإثنين 26 ديسمبر 2005م الموافق 25 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً