العدد 2995 - الأربعاء 17 نوفمبر 2010م الموافق 11 ذي الحجة 1431هـ

أنقذوا العمل التطوعي (2 - 2)

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قبل الاسترسال في الموضوع، بودي أن يشاركني القارئ الكريم مطالعة نص تلقيته من أحد المعلقين على مقالة أمس قال فيه «في الحديث القدسي إن نبي الله موسى (ع) سأل ربه يوما فقال: إلهي لو كنت عبداً فماذا تصنع فقال الله يا موسى بعزتي وجلالي لو كنت عبدا لخدمت العباد»، فالعمل التطوعي ان لم يكن مرهوناً برضى الخالق فلا توفيق له لذلك نحن غالبا ما نغبط العاملين في المجال التطوعي بقيامهم بخدمة العباد ونعتبر هذا التوفيق من الله سبحانه وتعالى». بالطبع، لا أدعي مدى تأكدي من دقة النص، فأترك مسألة توثيق الحديث الشريف لغيري ممن لهم باع طويل في مثل هذه المسائل. المهم في الأمر هي تلك المشاركات التي أثارها المقال، وليس ذلك سوى واحدا منها، مما يعني اهتمام القراء بمسألة «العمل التطوعي».

أعود بعد ذلك إلى صلب الموضوع كي نواصل مناقشة أسباب عزوف المواطن البحريني، وعلى وجه الخصوص فئة الشباب عن العمل التطوعي، الذي من الطبيعي أن تكون هناك أسباب كثيرة تقف وراء هذه الظاهرة، نوجز الأهم منها في النقاط التالية:

1. فئة منظمة تتعارض مصالحها الآنية والمستقبلية من إقبال المواطن، وخصوصا الشباب، على العمل التطوعي، ولكي لا يساء الفهم، فإن مواقع مثل هذه الفئة ليست محصورة في بعض الإدارات العليا من السلطة التنفيذية، لكنها، وهذا أمر يؤسف له، لها من يرعاها - أي مثل تلك المواقع - في صفوف المعارضة أيضاً. القاسم المشترك بين تلك الفئتين، رغم الاختلاف بينهما، هو خوفهما المستمر، وبشكل موضوعي، من تزعزع قنوات النفوذ الذي تتمتعان به، في حال تبلور عمل تطوعي مؤطر وناضج. كلتاهما تدركان وبشكل واع، أن العمل التطوعي يحمل في أحشائه توسيع هوامش الديمقراطية، والقضاء على سلطة الفرد، وتقزيم سيطرة كهنة السياسة.

2. البرامج التربوية والمناهج التعليمية، والحديث هنا لا ينحصر في فعالية تطوعية موسمية آنية هنا، مثل أسبوع المرور، أو يوم البيئة، أو مقرر مدرسي مقطوع الجذور هناك. فمثل هذه الأمور نسمع عنها، ونشاهدها بين الحين والآخر، أو عند الاطلاع على المناهج الدراسية، حيث نقرأ بعض الفصول الخجولة التي تدعو إلى العمل التطوعي وتحاول تشجيعه. المطلوب هنا التأسيس لثقافة العمل التطوعي، وغرسها عميقا في نفوس المواطنين كي تتحول إلى عنصر ثابت من عناصر سلوكه، وخلفية حية راسخة يقوم عليها ذلك السلوك.

3. ثقافة المجتمع الاستهلاكي، التي حولت الكثير من الضروريات إلى كماليات أولا، وما هو أسوأ من ذلك بروز فئة في المجتمع، نجحت في التقليل من أهمية العمل التطوعي، ودوره التنموي، عندما أوكلت القيام بالكثير من مهام العمل التطوعي إلى عمل مدفوع، لكن بقيمة ضئيلة ثانيا. تزاوج هذان العاملان كي يقلصان من أهمية مساهمة العنصر المحلي الوطني في العمل التطوعي، أدت في نهاية المطاف إلى وضع العمل التطوعي على أرفف منسية، عملت على ان توكل القيام به لفئات اجتماعية وافدة مدفوعة الأجر، وهو اجر ضئيل لا يرهق موازناتها الفردية أو المؤسساتية.

في ضوء تشخيص هذه الأسباب، لم يبق مفر من تحديد الحلول التي من شأنها أن تساهم في انتشال المجتمع البحريني، من حالة العزوف، وتأهيله، وعلى وجه الخصوص قواه الشبابية، كي يمارس دوره في التأسيس لعمل تطوعي مؤطر أسوة بالمجتمعات المتقدمة الأخرى التي سبقتنا على هذا الطريق.

أول تلك الخطوات تبدأ بجيل المستقبل ومن المدرسة، وفي المراحل الأولى، فمن الضرورة بمكان ربط المناهج الدراسية، والأنشطة المدرسية، بشكل متكامل مع أسس العمل التطوعي. هذا يضع على المدرسة مسئولية تكريس مفاهيم العمل التطوعي، من خلال ربطه بالخطط الوطنية، وعلى وجه الخصوص «رؤية 2030»، التي سترسم معالم مجتمع البحرين خلال النصف القرن المقبل.

ثاني تلك الخطوات هو الاهتمام الراقي الجاد، غير التجميلي، بمنظمات المجتمع الوطني، وتشجيعها على مضاعفة أنشطتها وتطويرها نوعيا. ومن الضرورة بمكان هنا بناء قاعدة بيانات وطنية توثق لتاريخ العمل الوطني التطوعي وترصد أنشطة عناصره، وعلى وجه الخصوص النسائية منها التي تمتلك تاريخا ناصعا في هذا المجال. وما يدفعنا للتفاؤل ان هناك جهودا لاتزال في مراحلها الجنينية في هذا الاتجاه. وتنبع أهمية تنشيط منظمات المجتمع المدني، كونها، متى ما نشطت في الاتجاه الصحيح، ووفق المقاييس الديمقراطية السليمة، أن تكون النواة الصالحة القادرة على التأسيس لعمل تطوعي ديمقراطي متطور، وقادر على الاستمرار والنمو.

ثالث تلك الخطوات هي إنشاء معهد خاص، أو إدارة خاصة في جامعة البحرين، تكون مهمتها الأساسية هي التبشير الأكاديمي للعمل التطوعي، كي يكتسب المنتسبون له مهارات العمل التطوعي، المبنية على أسس علمية متينة، تزود من يمتلكونها بالقدرات الضرورية للتأسيس لعمل تطوعي وطني راسخ، يتمتع بكل مقومات الاستمرار والتطور والإبداع.

رابع تلك الخطوات لقاء تدعو له جمعيات مختارة، أدركت قبل سواها ذلك الخلل الذي يعاني منه العمل التطوعي البحريني، وتتفق على خطة وطنية تشخص فيها الأمراض التي يعاني منها العمل التطوعي، وتحدد فيها، بشكل دقيق، الأفراد والقوى ذات المصلحة في تهميش العمل التطوعي من جهة، فتعمل على عزلها أو تقليص سياساتها السلبية من جهة، وتضع، في الوقت ذاته، أسس بناء عمل تطوعي مجتمعي، يساهم في انتشال العمل التطوعي من الواقع غير المرضي الذي يعاني منه.

لابد من الإسراع في اتخاذ الخطوات العملية الضرورية، فالوقت لم يعد يعمل في صالح تطوير عمل تطوعي بحريني، وهي مسئولية لا ينبغي إعفاء انفسنا منها، إن شئنا إنقاذ العمل الوطني مما هو فيه اليوم.

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 2995 - الأربعاء 17 نوفمبر 2010م الموافق 11 ذي الحجة 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 10:58 م

      الصناديق الخيرية مثال حي للعمل التطوعي

      هناك من يكره العمل التطوعي والعاملين فيه والا لماذا توضع العقبات أمام العاملين في الصناديق الخيرية ويضيق عليها وتجمد حساباتها دون سبب وبحجج واهية الا تعرف تلك الجهات كم عدد العاملين المتطوعين ؟ وكم عدد العوائل والافراد الذين تقدم لهم الصناديق المساعدات ؟ هل يتحمل موظف وان كان راتبه عاليا ان يوقف راتبه لشهر واحد طبعا لا فما بالك بمن يعتمد على المساعدة وهي في حد ذاتها غير كافية ؟ وأي حب للعمل التطوعي واي تشجيع له ؟ الايحس متخذ القرار كم من الاذي اصاب الصناديق والمحتاجين ترى هل فقد الاحساس ؟؟؟

اقرأ ايضاً