العدد 3042 - الإثنين 03 يناير 2011م الموافق 28 محرم 1432هـ

حين أدركت الصهيونية العالمية طبيعة المجتمع الأميركي

عبدالحسن بوحسين comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

يستغرب البعض من انحياز الإدارات الأميركية المتعاقبة ودعمها لتجاوزات إسرائيل للقوانين الدولية، فالرئيس الأسبق بوش الأب اضطر تحت ضغط اللوبي الصهيوني للتراجع عن بعض مواقفه، كما تراجع الرئيس الحالي أوباما للسبب ذاته، رغم تقديمه أكبر رشوة في التاريخ عن طلبه المتعلق بوقف الاستيطان غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية ولو بصورة مؤقتة.

فما هو السر الكامن وراء هذا الوهن الأميركي أمام إسرائيل؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل من المستحسن أولا إلقاء الضوء على بعض الدعم اللامحدود الذي تقدمه أميركا لإسرائيل على جميع الأصعدة.

فعلى الصعيد الاقتصادي بلغت كلفة الحروب الإسرائيلية على دافع الضرائب الأميركي ثلاثة تريليونات دولار وفقا للاقتصادي في جامعة هارفرد توماس ستوفر. كما تكبد الاقتصاد الأميركي ما يقارب الست مئة مليار دولار من إجمالي ناتجه القومي بسبب حظر النفط، ومبلغ أربعمئة وخمسين مليار دولار أخرى بسبب استيراد النفط بأسعار أعلى.

أما المساعدات المباشرة فقد ارتفعت الى ستة مليارات وأربعمئة وعشرين مليون دولار. وتقوم إسرائيل باستثمار هذه المساعدات في سندات الخزانة الأميركية بسبب الامتيازات الخاصة الممنوحة لها دون غيرها. كما تقدم الولايات المتحدة الأميركية ضمانات مصرفية الى إسرائيل بقيمة تسعة مليارات دولار للحصول على قروض ميسرة من المصارف العالمية، كما تعتبر أميركا المستورد الأكبر للمنتجات الإسرائيلية، وحتى المستوطنات التي تعتقد أميركا وجوب إزالتها تبنى بالمساعدات الأميركية.

وفي المجال السياسي توفر الولايات المتحدة الأميركية مظلة لإسرائيل في المحافل الدولية وتستخدم حق النقض ضد أي قرار لإدانة إسرائيل في مجلس الأمن سواء كانت ظالمة أو مظلومة. وبالرغم من كل ذلك يعتقد البعض أن أميركا وسيط محايد في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

أما على الصعيد العسكري فإن الجيش الإسرائيلي يعتمد بشكل شبه كامل على المعدات والوسائل الأميركية المتطورة وخاصة منظومة الأقمار الصناعية الى جانب التعاون الاستخباري. وتقول صحيفة يديعوت أن السند الاستراتيجي الأميركي هو الذخر الأمني الأكبر والأهم لدى إسرائيل اليوم. فإسرائيل التي تعرف كيف تدخل الحروب لا تعرف كيف تنهيها من دون الأميركيين.


نقطة البداية

وصلت أول دفعة من المهاجرين اليهود الى أميركا من ألمانيا وبعض الدول الأوروبية في العام 1840 تلتها هجرات من أوروبا الشرقية في العام 1880. وفي العام 1884 عقد أول مؤتمر صهيوني بالقرب من الحدود الروسية تلاه المؤتمر الأهم في بازل بسويسرا العام 1897. وبعد الحرب العالمية الثانية رأت الحركة الصهيونية العالمية أن الولايات المتحدة الأميركية هي القوة العالمية الصاعدة فقررت أن يكون هناك 40 % من أعضاء المجلس الصهيوني من الولايات المتحدة الأميركية. وحينها أعلن رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك الحاخام غولدستير أن مهمة الحركة الصهيونية هي كسب موافقة الحكومة الأميركية (والشعب الأميركي) على البرنامج الصهيوني الخاص بفلسطين. وفي العام 1922 وافق الكونغرس الأميركي على وعد بلفور، تلاه اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بدولة إسرائيل في العام 1948 بالرغم من وصفه في مذكراته اليهود بالفظاظة والأنانية والافتقار للإحساس، كما شبههم بهتلر أو ستالين حين يتمتعون بالسلطة المالية أو السياسية؛ لأنهم وبحسب مذكراته، لا يهتمون بعدد القتلى من الشعوب الأخرى ويفتقرون الى أدنى حس بالاعتدال وعاجزون عن تقدير الشئون الدولية. فما هو السر الكامن وراء الاجتذاب الأميركي نحو إسرائيل؟ إن السر في رأينا يكمن في فهم المعطيات الآتية:


التأسيس والانتشار

بلغ عدد اليهود في الولايات المتحدة الأميركية نحو 5،8 ملايين نسمة، أي أقل من عدد اليهود في إسرائيل (4،6 ملايين نسمة)، إلا أن تأثيرهم السياسي والاقتصادي والإعلامي يفوق حجمهم بكثير. ويعود السبب في ذلك الى حسن التنظيم والإدارة. فقد ركزت الحركة الصهيونية على عاملين هما عامل الانتشار في المجتمع الأميركي على مختلف الأصعدة، وعامل الاختراق، أي اختراق الإدارة والكونغرس الأميركي.

وقد تجسد عامل الانتشار في إنشاء شبكة هائلة من المنظمات الصهيونية واللوبيات، ومنظمات التمويل، والاتحادات، ووكالات للعلاقات العامة، وهيئات خيرية، ومعابد، ومراكز للشباب، ومجموعات ثقافية وتعليمية، وهيئات خيرية. ومن الأمثلة على منظمات التمويل الصندوق القومي اليهودي في أميركا، وصندوق قضية إسرائيل، وصندوق إسرائيل الجديد، والشركة الاقتصادية الإسرائيلية، والشركة الأميركية الإسرائيلية. ومن الأمثلة على المنظمات الصهيونية الاتحاد الصهيوني الأميركي، والوكالة اليهودية لإسرائيل، والمنظمة الصهيونية في أميركا، والأميركيون من أجل إسرائيل آمنة، وعصبة الصداقة الإسرائيلية الأميركية. ومن الأمثلة على اللوبيات المناصرة لإسرائيل مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى، والمعهد اليهودي لشئون الأمن القومي، ولجان العمل السياسي المناصر لإسرائيل، ولجنة الشئون العامة الأميركية - الإسرائيلية (إيباك) وهي المنظمة الوحيدة المسجلة رسمياً في الكونغرس الأميركي على هيئة لوبي متخصص في التشريعات المتعلقة بإسرائيل والذي يحرص كبار المسئولين في الإدارة الأميركية وأعضاء الكونغرس على حضور مؤتمرها السنوي. كما يحرص على الحضور بعض المسئولين العرب. فمن خلال شبكة اخطبوطية تمكنت الصهيونية العالمية من اختراق وإعادة تشكيل المجتمع الأميركي لخدمة إسرائيل.

من جهة أخرى، فقد استثمرت المنظمات الصهيونية المعتقدات البروتستانتية وخاصة في أوساط المسيحيين الأصوليين البالغ عددهم أربعين مليونا والملتزمون بإسرائيل قوية حتى تحين معركة هر مجدون وفقا للخطة الإلهية حسب اعتقادهم. كما تعمل الصهيونية العالمية على شحن المسيحيين الآخرين من خلال مكنتها الإعلامية التي تركز على أن اليهود شعب مضطهد، ومن خلال الشحنات الإنجيلية بتراتيلها المليئة بالتمجيد لإسرائيل والقدس. وقد عبر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عن عمق التأثير اليهودي على المجتمع الأميركي بمقولته الشهيرة «لقد آمن وأظهر سبعة من رؤساء أميركا أن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة، لقد كانت ولاتزال فريدة ولا يمكن تقويضها لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي نفسه... إن شعبي الأميركي أمة مهاجرين ولاجئين... إننا نتقاسم معا ميراث التوراة... الإنجيليون المتحدون». وتلا كارتر في هذا الاعتقاد رؤساء آخرون مثل ريغان وكلينتون.


اختراق الإدارة والكونغرس الأميركي

في العام 1953 أسست في أميركا منظمة صهيونية أطلق عليها آنذاك لجنة العلاقات الأميركية الصهيونية. وفي عهد الرئيس دوايت ايزنهاور لم تكن العلاقة بين هذه المنظمة والإدارة الأميركية على وئام فعمد مؤسسوها الى تغيير مسماها الى ما يعرف اليوم بلجنة الشئون العامة الأميركية الإسرائيلية والمعروفة بإيباك. فما هي أهدافها؟ وما مدى تأثيرها على مجرى السياسات الأميركية؟

إيباك هي منظمة صهيونية تضم أعضاء جمهوريين وديمقراطيين، هدفها الضغط على أعضاء الكونغرس لضمان دعم إسرائيل اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وأمنيا. يعتبر الانضباط والتنظيم الدقيق وصرامة شروط الانضمام إليها من عوامل نجاحها في الانتشار في مفاصل المجتمع الأميركي بدءاً من الجامعات، حيث التنظيم السياسي وبناء مساكن الطلبة، وليس انتهاء بمراكز البحوث كمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى وغيره من المعاهد والمراكز الثمانية الأخرى التي تضم الصفوة من الباحثين والأكاديميين والإعلاميين البارزين. ويعتبر برنامج تطوير القيادات السياسية الذي تديره إيباك من البرامج الناجحة التي يتم من خلالها تدريب الطلاب للدفاع عن العلاقات الأميركية الإسرائيلية وتأهيلهم للعمل السياسي مستقبلا.

تمكنت إيباك من استثمار هزيمة الحكومات العربية في العام 1967 لإدخال تحولات جوهرية في السياسة الأميركية باعتبار إسرائيل حليفاً استراتيجياً ديمقراطياً تدافع عن المصالح الأميركية، ويمكن الاعتماد عليها في منطقة غير ديمقراطية أو مستقرة. وتعتبر فترة رئاسة ريغان العصر الذهبي لمنظمة إيباك التي يبلغ الآن عدد المنتسبين إليها 100 ألف عضو ينشطون في خمسين ولاية أميركية، وتقدر موازنتها السنوية بـ 40 مليون دولار.

تتمتع إيباك بقدرات فائقة في صناعة النجوم وفي إيصال رجالها الى المواقع الحساسة في صناعة القرار. وقد بلغ عدد المسئولين اليهود في عهد كلينتون مثلا 58 مسئولا احتلوا مناصب حساسة كالخارجية (مدلين أولبرايت) والمالية، والدفاع (وليم كوهين) والبنك المركزي، والمخابرات، ورئاسة مجلس الأمن القومي، ومستشار الرئيس، والبيت الأبيض، هذا بالإضافة الى تعيين عدد كبير من السفراء اليهود لتمثيل أميركا في عدة دول منها دول عربية. وفي مجال التشريع ليس من السهولة بمكان الفوز بمقعد في الكونغرس الأميركي من دون دعم إيباك واللوبيات الصهيونية الأخرى. فرجال إيباك متنفذون وهم بالمرصاد لكل من يحيد عن الخط الإسرائيلي.

يقول السناتور السابق بول فندلي إن انتقاد إسرائيل ولو في الأحاديث الخاصة يعتبر عملا منافيا للوطنية فهناك تحريم شبه تام لانتقاد إسرائيل في الكونغرس الأميركي. إن ولاء أعضاء الكونغرس لإيباك نابع من مصالح متبادلة، فإيباك هي الجهة القادرة من خلال أذرعها المالية والإعلامية على تمويل الحملات الانتخابية لأعضاء الكونغرس، وتنظيم زياراتهم لإسرائيل لتوطيد العلاقة مع قادتها، كما هو الحال بالنسبة للرئيس أوباما في بداية بروز نجمه السياسي، فالعبور الى الشهرة السياسية يتم من البوابة الإسرائيلية عبر إيباك. ويشير الكاتب اوكاثيل في «الميدل ايست» الى دور إيباك في صياغة سياسة أوباما في الشرق الأوسط منذ العام 2002 حين كان أوباما الطامع الى عضوية مجلس الشيوخ يتلقى المشورة من لي روزنبرغ، العضو الرئيسي في شبكة يهود شيكاغو الذي رعى مهنة أوباما السياسية كما ذكرت صحيفة شيكاغو تربيون. فوفقا لروزنبرغ طلب أوباما مساعدته لمعرفة المزيد عن القضايا التي تؤثر على إسرائيل والشرق الأوسط، فقام روزنبرغ بمرافقة السناتور أوباما الى إسرائيل في أول زيارة له، حيث أبدى تفهما لاحتياجاتها الأمنية. وبوصفه رئيسا لإيباك قام بعدها روزنبرغ بتقديم أوباما كمرشح للرئاسة في 2008 الى مؤتمر اللوبي الإسرائيلي، وفي هذا المؤتمر تعهد أوباما، في تناقض مع القانون الدولي، بأن القدس ستبقى عاصمة لإسرائيل. وبهذه الطريقة تصنع إيباك النجوم في أميركا ومن بينهم الرؤساء وأعضاء السلطة التشريعية والمسئولين في الإدارة الأميركية.

هل نفهم من هذا العرض أن أميركا أصبحت عاجزة عن صد حماقات إسرائيل وازدرائها لها كما عبر عن ذلك نتنياهو بقوله انه يعرف ما هي أميركا، إنها شيء (حسب قوله) بإمكانه تحريكها بكل سهولة وفي الاتجاه الصحيح.

من الممكن فهم ازدراء إسرائيل للنظام العربي الذي يهرول إليها طلبا للنجاة، أما إذا تعلق الأمر بالشعور بأن تصبح إسرائيل عاجزة عن القيام بدور في الدفاع عن المصالح الأميركية، عوضا عن تكاليف حمايتها الباهظة فإن السياسة الأميركية التي يصنعها أصدقاء إسرائيل باتت تستشعر الخطر على المصالح المشتركة للطرفين من جراء طبيعة التطرف الإسرائيلي الذي سبق أن دونه الرئيس ترومان في مذكراته. وبوادر هذا الشعور هو الحملة الصهيونية ضد أوباما بسبب موقفه من الاستيطان بالرغم من ضخامة الرشوة التي عرضها على نتنياهو.

إن أميركا تدرك طبيعة التحولات في المنطقة والتي كان آخرها التحول على الساحة التركية، كما تدرك المخاطر من المبالغة في إذلال النظام العربي وتغريب شعوب المنطقة مهما استخدمت من وسائل الفرقة والتطرف والإرهاب ودعم الاستبداد. كما تدرك جيدا أن سياسة الجمود واللا حل الدائمين لا تخدم مصلحة إسرائيل. من هذا المنطلق وليس من منطق العدل وصيانة الحقوق الفلسطينية ربما تتخذ السياسة الأميركية منحى لا يرضى عنه نتنياهو. ويبقى السؤال الأهم، الى متى سيراهن بعض العرب على استرضاء الإسرائيليين واليهود لضمان الدعم الأميركي الذي يمكن توفيره بصورة أفضل بالتصالح مع شعوبهم؟ فالإسرائيليون لا يرضون بالقليل، وعندما يتمتعون بالسلطة المالية أو السياسية فإنهم لا يدعون هتلر أو ستالين يتفوقان عليهم، فشكرا للرئيس الأميركي ترومان، ومنح الله العرب بعضا من الفطنة والنباهة للتأمل في مقولته والتصالح مع أنفسهم، وخاصة بعد فضائح الوكيليكس.

إقرأ أيضا لـ "عبدالحسن بوحسين"

العدد 3042 - الإثنين 03 يناير 2011م الموافق 28 محرم 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2:29 ص

      الصهيونية وآفاتها الإستراتيجية

      مقال يدل على رقي الكاتب في وعيه وحرصه على أمته. لكن ما يحيرني أن الكثير من إعلامينا ومثقفينا ويتبعهم الكثير من الشعوب العربية في عدم إدراك أبعاد الصهيونية في التأثير على السياسة الأمريكية سلبا على مصالحنا بحجة الواقعية، في حين لو كنا صادقين مع أنفسنا وتحلينا بالشفافية والاستقلالية والحرص على مصالحنا لما خلقنا لنا أعداء إفتراضيين من بيننا وجعلنا "إسرائيل" تتدخل في مفاصل حياتنا و"تنصحنا" بأن لنا مصالح مشتركة معها على حساب قضيتنا العادلة فلسطين ومعاناة أهلنا في غزة !

اقرأ ايضاً