العدد 3088 - الجمعة 18 فبراير 2011م الموافق 15 ربيع الاول 1432هـ

البحرين تعلك اللجام

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

يومٌ غاضبٌ جدّاً... هكذا كان يوم أمس (الجمعة) في البحرين، التي لم تفق من صدمتها المروّعة باقتحام ميدان اللؤلؤة، التي أسفرت عن مقتل أربعة وجرح سبعين، وإصابة أكثر من مئتين وخمسين، في بلدٍ صغيرٍ لا يزيد كثيراً عن نصف مليون.

بدأت كرزكان الواقعة على الساحل الغربي بتشييع شهيدها (53 عاماً) صباحاً، وبعدها شيّعت جزيرة سترة على الساحل الشرقي شهداءها الثلاثة (شابان في العشرينات ورجلٌ في الخمسين). ومر التشييع بسلام بسبب سحب قوات الأمن. خبيرة اقتصادية بريطانية كانت تتحدّث على الـ (بي بي سي) عن تأثير ماحدث على اقتصاد البحرين، وأولها تأجيل سباق السيارات (فورمولا واحد).

صلاة الجمعة المركزية كانت حاشدةً جداً، لم تشهد الدراز مثلها من قبل، والشيخ عيسى أحمد قاسم كان ناقداً جداً، وبوضوح طالب بحماية المواطنين من عمليات القتل التي يتعرض لها الشعب. والجمهور الوادع فيما مضى، يتجاوب معه بصيحات غاضبة جداً، فجرح يوم الخميس الدامي ما زال ينزف.

خطباء آخرون ندّدوا بـ «الهجمة الشرسة التي يندى لها الجبين، واستخدام أساليب القمع التي قد تسكت النّاس فترة محدّدة، ولكن لا تحلّ المشكلة بل تعقّدها». وقال أحدهم: «نترحّم على شهداء الوطن الذين كانوا يطالبون بالعزّة والكرامة تحت مظلّة دستور ينظّم حياتهم، ولم يطلبوا أمراً مستحيلاً». وقال ثالث: «اللجوء إلى القوّة خيار غير منطقيّ، مهما أرادوا أن يبرّروا ذلك بالمسرحيات، فمن تجمّع للمقاومة لا يأخذ أطفاله ونساءه للاعتصام». وانتقد رابعٌ هجوم الجيش على معتصمين عُزّل وهم نيامٌ فجراً، بعد إعطائهم الأمان، واعتبر ذلك غدراً تأباه أخلاق الإسلام. وعند الظهر، وزير العدل يدعو أعضاء كتلة «الوفاق» إلى العودة للبرلمان هكذا وكأن ما حدث في دوار اللؤلؤة كان مزحةً، ما يشير إلى خطأ في الحسابات وسوء تقدير لما يجري في الشارع.

عند الثالثة ظهراً، كانت سترة قد انتهت من دفن آخر شهدائها. وتصادف ذلك مع خبر إدانة لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي استخدام العنف ضد المتظاهرين. وإعلان الناطق باسم الخارجية الفرنسية أن بلاده حظرت منذ الخميس صادرات العتاد الأمني لكلٍّ من البحرين وليبيا (التي هدّد زعيمها أمس معارضيه بشن هجوم كاسح، بعد أن قتل جيشه أيضاً 26 ليبياً). ويتلو ذلك إعلان بريطانيا إلغاء 44 عقداً لتصدير عتاد أمني للبحرين، خشية استخدام هذه المعدات ضد المتظاهرين.

عند الرابعة عصراً، زرت مجمع السلمانية الطبي، متوجهاً إلى قسم الطوارئ حيث تجمهر عدة آلاف من الشباب والنساء والرجال، بينما انتظم مئات الأطباء والممرضين والمسعفين من الجنسين، في مسيرة تنادي باستقالة الوزير فيصل الحمر لمنعهم أمس من معالجة الجرحى، في مخالفة للضمير الإنساني وحتى قوانين الحروب (والأغرب أنه في المساء ادعى وجود 7 إصابات خفيفة فقط)! وبعد نصف ساعة كنت أعود الطبيب الذي تعرّض للضرب على يد مجموعة من قوات الأمن، أثناء تأدية واجبه في علاج المصابين، حيث كان يتحدّث مع صحافي أميركي، حيث كشف أن من بين أكثر من عشرة أشخاص هاجموه، كان هناك بحرينيٌ واحدٌ فقط، أما البقية فمن جنسيات عربية وآسيوية.

عند الخامسة تلقّيت عدة اتصالات عن توجّه مئات المتظاهرين الغاضبين إلى السلمانية بعد فراغهم من زيارة قبر من رحل يوم الثلثاء في جدحفص، وبعد دقائق اتصالات أخرى عن سقوط بعضهم جرحى بالرصاص الحي عند منطقة القفول. في الأثناء طُلب من الجراحين التوجه حالاً للطوارئ، وصدر نداء للجمهور للتبرع بالدم، فيما هبّ الشباب لمساعدة المسعفين لإخراج الأسرّة تحسباً لوصول الجرحى.

سيارات الإسعاف الأربع لم تعد منها إلا واحدة، بينما مُنعت الأخرى وهُدّد طواقمها بالضرب، وشاهدت سيارةً مدنيةً بيضاء تصل إلى مدخل القسم حيث أنزل جريح، بينما وصل آخرون من أبواب أخرى. كانت حصيلة أمس (الجمعة) 85 إصابة، بينها ست حالات خطرة، شاهدت لاحقاً بالصحيفة صور بعضها وهي إصاباتٌ مباشرةٌ في الرأس والصدر.

في المساء اقتحم المشهد خمسة أو ستة شبان وهم يكبّرون، وأخذوا يصيحون في صخب: لقد تحققت مطالبنا ، فانخرط البعض في موجة عارمة من التصفيق، بينما قابلهم آخرون بالارتياب، فسعوا إلى هواتفهم النقّالة ليتأكدوا. تبيّن أن ولي العهد زار فجأةً التلفزيون وحضر برنامجاً حوارياً وأعلن استعداده للحوار من الساعة مع التهدئة.

في المساء، أصدرت 19 جمعية من منظمات المجتمع المدني، تمثل طيفاً سياسياً متنوعاً بياناً عن الهجوم على المعتصمين، والدفاع عن الحركة المطلبية التي اتخذت طابعاً سلمياً.

في نشرة الثامنة يكلّف جلالة الملك سمو ولي العهد بالحوار مع كافة الأطراف، وسبقه تسريبات عن توسط واتصالات.

في حدود الثامنة والنصف، تلقيت اتصالاً من سيدة وهي تصف بانفعال شديد وصول رجل أمن بحريني ليتضامن مع الأطباء والممرضين والمسعفين حيث ردّد بعض الشعارات المطلبية. وبعد أقل من ساعة يخرج الوزير السابق علي فخرو، الذي رفض عملية الهجوم المباغت على المعتصمين، وأطلق كلمة تنم عن قراءة واعية لحقيقة الموقف في هذه اللحظة التاريخية التي تخفى دلالاتها على البعض: «إن الشهداء الموتى أخطر من الثوّار الأحياء». يوم دامٍ آخر في تاريخ البحرين، لم يحدث مثله من قبل .

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 3088 - الجمعة 18 فبراير 2011م الموافق 15 ربيع الاول 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً