«ساعدوا الجرحى رحم الله والديكم»... آخر كلمات الشهيد عيسى

الحاج عيسى عبدالحسن
الحاج عيسى عبدالحسن

ربما كان تحقق أمنية الحاج عيسى عبدالحسن علي حسين ذي الـ 61 عاماً أسرع مما كان يظن محبوه وأقرباؤه، لكن هذا المسكون بحب الخير والأب لخمسة أولاد وأربع بنات، كان يستشعر دنو الشهادة منه، وهو يودع رفيقة عمره وزوجته «أم نضال» وهي في طريقها إلى زيارة النبي بالمدينة المنورة عندما خاطبها مودعاً: ستأتين وعلى قبري «شهيد»، ظل الرجل يكررها لابنه الأكبر «نضال ذي الـ 32 عاماً الذي بلغه نبأ الرحيل المفجع وهو في المدينة المنورة بصحبة والدته، يقول نضال الذي كان يتحدث ومسحة من حزن عميق تكسو وجهه: «كان والدي يتمنى الشهادة، وعندما قررت السفر إلى المدينة المنورة في 13 فبراير/ شباط 2011 كان يقول إنكم لن ترجعوا إلا وأنا (شهيد)».

كما يقول نضال الذي التقيته في عزاء والده بمأتم شباب كرزكان إن والده كان يشجع ويحث على الوقوف مع الحركة المطلبية ويؤكد شرعية المطالب، وكان يدعم الشباب في مطالبهم ويحرص على التواجد في كل الاعتصامات والفعاليات السياسية، كما كان لديه حضور اجتماعي واسع في القرية وهو شخصية محبوبة جداً ولديه روابط وصلات اجتماعية وإنسانية طيبة مع أهالي القرية وخارجها.

ويستطرد نضال مطالباً دموعه «كان يشارك بفاعلية في المآتم ويحرص على إحياء مناسبات ومواليد الأئمة في بيته، كما كان حريصاً على زيارة المرضى والتبرع بدمه بين فترة وأخرى».

وعن لحظة وصول نبأ الاستشهاد يصف نضال الحال: «بلغني النبأ وأنا في المدينة المنورة، فقد حرصت على الاتصال بوالدي لكني لم أتلقَ أية إجابة على اتصالاتي ثم قام ابن عمتي بالرد على اتصالي ليخبرني بنبأ رحيل الوالد إلى الرفيق الأعلى». ويضيف «سرى نبأ استشهاد الوالد بين البحرينيين في المدينة وخيم الحزن ومظاهر الحداد».

ويخبرنا ابن أخت الشهيد سيدباقر سيدمجيد الذي كان يعمل سائقاً بمجمع السلمانية الطبي أنه شعر أن أحد أقربائه لابد سيكون ضمن هذه الأعداد الكبيرة من الجرحى، ويضيف «دفعني إحساسي بوجود قريب لي في المشرحة إلى الذهاب للموقف للتأكد، وقد صدق حدسي، فقد رأيت عمي مسجى في المشرحة بمظهر مروع، وعلى الفور أخذت هاتفه لأجيب على الاتصالات التي كانت تتوالى على تلفونه، وكان ضمن المتصلين ابنه نضال وأخبرته بنبأ رحيل والده وأنا في حالة ذهول».

ويقول صديق الشهيد الحاج جاسم محمد عبدالرسول: «لي مع الشهيد الراحل صداقة تمتد 18 عاماً عرفته فيها مثالاً للإيمان الصادق وحب الخير، كان رجلاً مؤمناً، وتجده دائماً بين الناس خدوماً وقلبه يتسع للجميع»، وعن شعوره حين علم باستشهاد صديقه قال الحاج جاسم: «لم استغرب ذلك لأنه كان دائم الحديث عن الشهادة وكان متلهفاً لها... في الحقيقة لم اتفأجأ بذلك».

ولكن ماذا حدث بالضبط في ذلك اليوم المشئوم؟ حسبما أفاد أبناؤه فإن الشهيد ذهب صباح الخميس 17 فبراير بعد أن علم بالهجوم الوحشي على المعتصمين في دوار اللؤلؤة في ساعات الفجر الأولى، وذهب الشهيد إلى مركز السلمانية الطبي ليطمأن على الشباب، وكان في تلك اللحظة يتصل بأبنائه وبناته ليطمأن عليهم، وبعدها انطلق مع مجموعة من الشباب من مركز السلمانية لنجدة وإسعاف الضحايا وتقديم يد العون لهم. وتقول ابنته الكبرى (أم جاسم): «اتصل بي في الساعة الثامنة من صباح الخميس وهو في الموقع وكنت أسمع عبر سماعة التلفون أصوات جموع غفيرة وضوضاء وكنت أسمع والدي يقول للشباب ولمن حوله، ساعدوهم الله يرحم والديكم وكان يكرر النداء وهو في غاية الانفعال مما يراه وكان ذلك آخر عهدي به».

أما شقيقة الشهيد (أم عزيز) فتقول وهي تجهش بالبكاء: «كان الراحل قد ذهب لمجمع السلمانية في الساعة السادسة من صباح الخميس ليطمأن على المصابين والجرحى بنفسه، وكان يتألم مما شاهده أشد الألم، وكان يمشي بعكازه ويقول إنني سأذهب إلى دوار اللؤلؤة لنجدة المصابين وإذا منعت فسأواجههم بعكازي هذا». وختمت «كان يتمنى الشهادة وقد نالها، هنيئاً له الشهادة».

ابنه أحمد يقول: «عندما قابلي صباح الخميس بمستشفى السلمانية احتضنني وقبلني، وكان منصرفاً بالكامل بما يجري حوله، وكان حريصاً على الذهاب لمساعدة المصابين في أحداث الهجوم على الدوار».

شهود عيان رووا أن الشهيد اقترب من قوات الأمن وطلب فسح المجال أمام الشباب لمساعدة الجرحى والمصابين، ورفع يديه أمام قوات الأمن طالباً فسح الطريق لتقديم يد العون، لكن إطلاق نار غادر من مسافة قريبة جداً أصابه وأرداه صريعاً على الفور مخضباً بدمه الطاهر مختتماً 61 عاماً من حياة حافلة بالإيمان والعمل الصالح والسيرة العطرة والأماني العريضة

العدد 3089 - الأحد 20 فبراير 2011م الموافق 17 ربيع الاول 1432هـ

التعليقات (65)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً