العدد 3166 - الأحد 08 مايو 2011م الموافق 05 جمادى الآخرة 1432هـ

تهذيب الخطاب وضرورات المرحلة

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قِيلَ عن الدِّين بأنه أوسع قاعدة للتفكير والتوجيه السلوكي لدى الناس كما كان يقول غرامشي. وقد بيَّنت أحداث العالَم السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية منذ التاريخ السحيق وإلى الآن بأنها جَرَت بدفوع دينية. لنتذكر قليلاً. المقاومة التي اشتعلت ضد البرتغاليين والهولنديين في جنوب شرق آسيا كانت بدوافع دينية. والتمرّد الصيني في تايبنغ وحركة براهمو ساماج في الهند كانتا أيضاً بدوافع دينية.

بل حتى تمرّد الهنود الحُمر في الأراضي والسهوب الأميركية الشاسعة بقيادة تيكومْسيه كانت بطريقة نبوئيّة دينية. أما في تاريخنا القريب والحديث فإن الثورات التي كانت تندلع في البلاد العربية والإسلامية كانت كذلك، سواء في حركة عبدالكريم الخطابي في المغرب، أو عبدالقادر الجزائري في الجزائر، بل وحتى ثورة يوليو المصرية في بداياتها، فضلاً عن المقاومات التي كانت تشَنْ على قوات الاحتلال والمستعمرين.

فالشعارات الدينية والأهداف السياسية الممزوجة بمسحة دينية هي في الأساس دعاية صلبة وقوية ضد الخصم مدفوعة الأجر. لذلك فإن مفعولها يبقى منيعاً وذا دلالات لدى الأتباع. وقد قرأنا في تفاصيل الصراعات والثورات السياسية والاجتماعية والحروب كيف يقوم الفرد فيها بالتسليم للحالة الرمزية وللقضية التي يُؤمن بها بشكل لا إرادي ويجعله من أهل البأس وفي تحمّل الشدائد الجِسام.

يذكر المؤرخ الإنجليزي الكبير إيريك هوبْزْباوْم في سلسلة بحوثه حول التاريخ الأوروبي ما بين الثورتين الفرنسية والصناعية بأن الزنوج المسلمين الذين رُحِّلوا بغرض السّخرة إلى منطقة باهيا في البرازيل إبّان حملات الرِّق ثاروا على الرجل الأبيض تسع مرات في بحر 28 سنة فقط إلى أن تمّت إعادتهم إلى موطنهم (أو قتلهم) فتعلَّم تجار الرّق حينها أن يتحاشوا الاستيراد من المناطق التي يسود فيها الإسلام في المناطق الإفريقية.

في مثال ذي صلة فإن القائد التركي الذي أراد إركاع المقاومين اليمنيين وإخضاعهم لسلطته ظلّ ردحاً من الزمن يُكابد صباح مساء من أجل السيطرة على الأراضي اليمنية حتى قال كلمته المشهورة: لو كان عندي عشرة آلاف من هؤلاء (المقاومين اليمنيين) لفَتَحت أوروبا بأسرها. هذه حقيقة من نماذج عديدة تكرَّرت في مواطن مختلفة من البلاد العربية والإسلامية في حقب متوالية.

ما أردت قوله بعد هذا التقديم هو التأكيد أولاً على أن المُكوِّن المعرفي ونظام الهويّة يكون أكثر تماسكاً وقوة عندما تبتني القناعات على عقائد توحيدية وليست وثنية بحسب الرؤية الفلسفية. والتأكيد الثاني هو أن الدِّين يمنح مخزوناً هائلاً من المعنويات والزَّخم والمشاعر الجيَّاشة لدى أتباعه إلى درجة الاستغراق. والتأكيد الثالث هو أن الدِّين يفرز كتلاً بشرية وأناساً يتخلَّون عن فرديتهم لصالح رمز جماعي يتبعونه.

أمام هذه التأكيدات الثلاثة يصبح الحَث على عدم استثمار وَهَج المشاعر الدينية والسياسية الفوَّارة، وزَجِّ الدِّين وأتباعه في غير الوجهة الصحيحة أمر في غاية الأهمية. فما نراه اليوم وللأسف هو تثمير كل تلك التأكيدات في الاستقواءات والتحالفات القائمة على وقع أزمات سياسية معينة يتمّ تحويلها إلى صراعات دينية يكون وقودها الأتباع والمريدون مع بعضهم بعضاً، لينتهي الحال بالمجتمع وقد أنهكت قواه وتلوّث تاريخه وتعايشه الاجتماعي وبلوغه مرحلة الشك الذي لا يُبارح الناس.

لا يجوز أبداً لمن يتسيَّدون على الخطاب السياسي والديني أن يشحنوا الأجواء بالنفير الجماعي والفردي وكأن المجتمع في حرب مفتوحة وقذرة لا يكون فيها أدنى مستوى من الأخلاق والمسئولية الاجتماعية. بل وليعلم هؤلاء أن قدرتهم على ذلك التجييش ليست نابعة من مهارات خارقة يمتلكونها هُم حصرياً، أو من فرادة شخصية، وإنما طبيعة الانتماءات الدينية وحجم المعنويات المتدفقة منها هي النافع الأول والرئيس لهم في تسيير الخطاب والأتباع.

لاحظوا جميع الصراعات التي حدثت في بلدان قريبة وبعيدة منا. في الأماكن التي ابتلِيَت بقادة سياسيين أو دينيين قصيري النظر ولديهم خطاب وتوجيه متطرف للناس كان الاقتتال نصيب تلك الأمكنة. والمناطق التي كان قادتها وزعامتها معتدلون ولديهم وعي بالظروف وحرص على السلم الأهلي كانت النتيجة عكسية تماماً. والتجربة العراقية ما بعد الاحتلال الأميركي ليست ببعيدة عنا في ذلك.

ففي بغداد، وعندما كان خطاب القاعدة والميليشيات هو الحاكم على نصفها الشمالي، كانت النتيجة رهيبة والاحتقان على أشدِّه بين الأتباع. ولكن في مناطق الجنوب العراقي وبسبب عدم تمكين ذلك الخطاب المتطرف من المنابر والجمعيات والنشرات ومن التغلغل في أوساط الناس جعل الأمور بعيدة وبنسب عالية عن تلك التي جرت في شمال بغداد وبالتحديد في منطقتي الكرخ والرصافة، فضلاً عن ثالوث الصراع المعروف حينها. بل إن التزاوج المختلط ما بين السُنَّة والشِّيعة استمرّ في مناطق الجنوب في أتون الحرب الطائفية التي شهِدها العراق ما بين عامي 2006 و2008.

إذا كان أولئك القادة السياسيون والدينيون قادرين على التوجيه والإفتاء، فإن توجيههم وفتواهم يجب أن تكون متماثلة مع ضرورات التعايش والعض على الجروح وتسكين الانفعالات. أما الدخول في مشروعات عَدَميَّة والناس في أزمة طاحنة فهذا يعني أنهم يدفعون بالجميع إلى أشبه ما يكون بعملية انتحار جماعي. فرفقاً بهذا المجتمع وبتاريخه وبسمعته الطيبة والمشرّفة التي خَبِرناها من القاصي والدَّاني

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3166 - الأحد 08 مايو 2011م الموافق 05 جمادى الآخرة 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً