العدد 3257 - الأحد 07 أغسطس 2011م الموافق 07 رمضان 1432هـ

المحاكم المتخصصة

خالد محمد كانو comments [at] alwasatnews.com

.

توافق الحوار الوطني في المحور الاقتصادي على أهمية إنشاء محاكم اقتصادية متخصصة في البحرين لكي تواكب التطور الاقتصادي الكبير الذي شهدته المملكة في الميادين كافة، حيث إننا تحدثنا باسم جمعية الشركات العائلية في البحرين في محور النظام القضائي وأكدنا أهمية تأسيس مثل هذه المحاكم التي تعود مطالبتنا بها كشركات تجارية ومهنية إلى سنوات طويلة مضت.

إن ما يبرز أهمية وجود المحاكم المتخصصة في البحرين هو التطور الاقتصادي الذي شهدته البحرين منذ نهاية الستينات، حيث بدأت تجربة تنويع مصادر الدخل مع قيام شركة ألمنيوم البحرين (ألبا)، تلاها في منتصف السبعينات قيام تجربة بنوك الأوفشور في البحرين، وما رافقها من تطور سريع في الخدمات التجارية والمالية، ثم ازدادت عمقاً في الثمانينات مع زيادة رقعة البنوك الإسلامية، كذلك انفتاح الأسواق على المشاريع العمرانية والسياحية الكبرى وغيرها، وأخيراً في التسعينات بدأت تتطور وسائل الاتصال تطوراً سريعاً أفرز تدريجيّاً مفهوم التجارة الالكترونية وجميع التعاملات عبر الانترنت. وهذه كلها نتج عنها تطور سريع في التعاقدات القانونية المرافقة لهذه الأنشطة، الأمر الذي سلط الضوء منذ ذلك الوقت على الثَّغرات الموجودة في النظام القضائي في البحرين وحاجته إلى مواكبة تلك التطورات، ولاسيما تلك المتصلة بالمستجدات والتطورات في مجالات التجارة، والبيئة والتجارة الإلكترونية، والملكية الفكرية والصناعية، وغيرها من المجالات والأنشطة التجارية والاقتصادية الحديثة.

لقد واجه قطاع التجار وأصحاب الأعمال والمهنيون والمستثمرون العديد من المشاكل الناجمة عن غياب المحاكم المتخصصة أثرت بشكل أو بآخر على تطور الأنشطة الاقتصادية نفسها. ومن أهم هذه المشاكل هي: أولاً - غياب التشريعات القانونية الكافية التي تتعامل مع القضايا القانونية الناشئة عن تلك المشاكل، حيث اقتصر التعامل معها من خلال القانون المدني. ثانياً - غياب القضاة المتخصصين في تلك القضايا، حيث إن القضاة الموجودين هم قضاة عامون للقضايا المدنية كافة. ثالثاً - غياب المحاكم الخاصة بالنظر في مثل هذه القضايا، وكانت ترفع أمام المحاكم المدنية. رابعاً - طول إجراءات التقاضي الذي قد يستمر لعدة سنوات نظراً إلى وجود الروتين والتقاعس لدى بعض العاملين في أجهزة القضاء. خامساً - صعوبة تنفيذ الحجز على الضمانات المقدمة وخاصة العقار، سادساً - غياب استعمال وسائل الاتصال الحديثة والاعتراف بحجيتها في الإعلانات القضائية، سابعاً - ضعف قانونية أحقية الدائن في احتساب فوائد تأخيرية من مدينه كتعويض له عن التأخير. علاوة على وجود ثغرات في قوانين الإيجارات تسمح بالمماطلة في تسديدها، وأخيراً: بقاء الحكم حتى بعد صدوره بلا تنفيذ لزمن طويل «أحيانًا لأكثر من عام».

ومن المعلوم أن أعمال التجارة والاستثمار تسير وفق حلقة مترابطة؛ فمثلاً إذا نتج تأخير عن تحصيل قيمة حكم في أي نزاع تجاري فإنه سيؤثر بالتبعية على بقية الأنشطة، وهذا يؤدي إلى بطء في حركة رأس المال وتتسع الدائرة فيؤدي إلى بطء النشاط التجاري ككل، ما يترتب عليه تردد المستثمر الأجنبي في الدخول في المشاريع التي تحرك الاقتصاد، ويعوق حركة المستثمر المحلي في عمله وتنخفض معه العمليات التجارية والاستثمارية.

ولا يمكن أن ننكر أن المسئولين في مملكة البحرين بذلوا جهوداً للتعامل مع هذا الموضوع، حيث سمح قانون السلطة القضائية الصادر بمرسوم بقانون رقم (42) للعام ‏2002‏ في المادة (12) بقرار من المجلس الأعلى للقضاء تخصيص قاض في المحكمة الصغرى للنظر في نوع معين من القضايا في فرع أو أكثر من الفروع الآتية: جنائي، مدني، تجاري، عمال، تنفيذ، ولكن تنفيذ هذه المادة بحاجة إلى تسريع وعزم واضح على تفعيلها في أسرع وقت.

كما وعت المملكة منذ وقت مبكر أهمية التشريعات الاقتصادية المتخصصة، حيث صدر على سبيل المثال قانون التجارة وتعديلاته واللائحة التنفيذية لقانون الشركات التجارية وقانون التحكيم التجاري الدولي وقانون شركات وهيئات التأمين وغيرها من القوانين.

وكاعتراف بأهمية المحاكم المتخصصة؛ أعلنت وزارة العدل في العام 2007 استراتيجيتها الجديدة التي أكدت ضمن بنودها أن تطور البيئة الاستثمارية في مملكة البحرين يتطلب إنشاء محاكم متخصصة للمنازعات الاستثمارية والمالية والمصرفية بما يحقق سرعة الفصل في هذا النوع من القضايا الأمر الذي يخدم أغراض التنمية ويخلق جوّاً حافزاً للاستثمار. ويتطلب الأمر صدور قرار من المجلس الأعلى للقضاء لتحديد اختصاصات هذه المحاكم ومقرها، إلا أنه للأسف يبدو أن هذه الرؤية لم يتم تفعيلها بعد.

لذلك، وبعد أن أقر الحوار الوطني أهمية تأسيس محاكم متخصصة في البحرين؛ نحن نقترح أن تباشر وزارة العدل، بالتعاون مع الأجهزة الحكومية الأخرى والقطاع الخاص ممثلا في غرفة تجارة وصناعة البحرين والجمعية البحرينية للشركات العائلية وغيرها من الجمعيات المهنية المتخصصة، بالدعوة إلى عقد ورشة عمل متخصصة تبحث هذا الموضوع وتقدم توصياتها لتنفيذها من قبل الجهات الرسمية ضمن وقت محدد، على أن تكون محاورها الرئيسية ما يأتي:

أولاً- مراجعة التشريعات القضائية الخاصة بالمعاملات الاقتصادية والمالية والاستثمارية بجميع أنواعها الموجودة حاليّاً للتأكد من كفايتها أو قد تكون هناك نواقص ما يستوجب صدور تشريعات جديدة.

ثانياً - مراجعة إجراءات التقاضي في القضايا الناجمة عن المعاملات الاقتصادية والمالية والاستثمارية وغيرها لوضع تشريعات شفافة وسلسة تسهل صدور الأحكام في هذه القضايا.

ثالثاً - تأسيس محاكم اقتصادية متخصصة تتمتع بالإمكانيات الفنية والبشرية والإدارية.

رابعاً - توفير القضاة المتخصصين في المحاكم المتخصصة، حيث يقترح في المرحلة الأولى الاستعانة بعدد من القضاة المتخصصين من الخارج لهذه المحاكم، بحيث يساهمون في تدريب الكوادر البحرينية من القضاة.

خامساً - دراسة إقامة معهد قضائي متخصص لتخريج الكفاءات القضائية والمحامين الذين يترافعون في المحاكم المتخصصة. ويمكن إقامة هذا المعهد بالشراكة مع أحد المعاهد العالمية المعروفة.

إن المستثمرين عادة ما ينظرون إلى كفاءة النظام القضائي بأنه من أهم الأركان التي تبعث الطمأنينة في نفوسهم وتزيل ما قد يساورهم من مخاوف حيال استثماراتهم وحقوقهم، وإن اتجاه البحرين نحو دعم وتطوير هذا النظام ورفع كفاءته سيكون له دور في الجهود المبذولة باتجاه تسريع عجلة التنمية الاقتصادية، وتوفير مستلزمات تطوير بيئة الأعمال والاستثمار، إذ إن توفير المزيد من التسهيلات والفرص لجذب الاستثمارات وتسهيل عملية استخراج التراخيص للمستثمرين للعمل في البحرين والعمل على تعزيز تنافسية البحرين في مجال الاستثمارات ليس كافياً من دون وجود نظام قضائي متطور وسريع وفاعل

إقرأ أيضا لـ "خالد محمد كانو"

العدد 3257 - الأحد 07 أغسطس 2011م الموافق 07 رمضان 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 6:03 ص

      فكره ممتازه

      فكره ممتازه ، نتمنى من الجهات المختصه دراستها وتنفيذها في القريب العاجل للاسهام في جذب الاستثمارات وتسريع عجلة التنمية الاقتصادية.

    • زائر 2 | 5:57 ص

      نعم موضوع جيد

      مسألة التخصص حتى في المحاكم مطلوبة
      لأن مجال متخصصيه ولا يمكن لقاضي شرعي
      أن يحكم في القضايا المدنية

    • زائر 1 | 4:03 ص

      طبعا

      الموضوع نخبوي
      ويقرأه فئه من الناس الذين يهم هذا الموضع.
      لذك لن تجد تعليقات المهم فهم الموضوع والاستفاه منه
      شكرا استاذنا .كفيت ووفيت

اقرأ ايضاً