العدد 1343 - الأربعاء 10 مايو 2006م الموافق 11 ربيع الثاني 1427هـ

الروبية وقيمتها الشرائية السحرية

حسين راشد الصباغ comments [at] alwasatnews.com

لنتأمل ملياً كيف ارتفعت وتيرة مستوى المعيشة خلال الخمسين سنة الماضية وارتفاع الأسعار بصورة جنونية يجعل الإنسان يصاب بالدوار، اتذكر أنه في العام 1953 في أول سنة دراسية لي في مدرسة الثانوية بالقضيبية الوحيدة بالبحرين حينذاك كان الاستاذ الناظر محمد توفيق السيد من خيرة الكفاءات المصرية التعليمية وأكثرهم حزماً وربطاً وأخلاقاً وإحاطة بالتربية والتعليم وقس على ذلك معظم المدرسين المصريين المنتدبين للبحرين وأذكر منهم منصور الشوادفي وصلاح سالم وغيرهما. أذكر جيداً أن السندويتش أو ما نطلق عليه الروتي وفيه شريحة من الجبنة كنا نشتريه من مقصف المدرسة بأربع آنات أي خمسة وعشرين فلساً بسعر اليوم وثمن البيبسي كولا أيضاً خمسة وعشرين فلساً وكانت قد عبئت في البحرين في ذلك الوقت أي بخمسين فلساً أو نصف روبية هندية وهي العملة السائدة في البحرين كنا نحصل في فرصة الصباح في اليوم الدراسي على هذه الوجبة والشراب اللذيذ. كان مصنع البيبسي كولا يملكه عبدالله أحمدي وأصبح مشروباً شعبياً بعد أن أزاح عن طريقه المشروب الشعبي الأصلي النامليت وكان منافساً. ومن النوادر العالقة في ذهني حتى الآن أن جدتي لطيفة قد شغفت حباً ببيبسي كولا أحمدي وظلت تواظب على شرابه حتى فارقت الحياة في نهاية الخمسينات. كان شراب العم سام هو المفضل لهذه العجوز إلا أنها في أيامها الأخيرة وهي في التسعين من عمرها وقد أصابها بعض فقدان الذاكرة ولا أقول الخرف الذي حل بالرئيس الأميركي ريغان إذ غشيه الزهايمر، طلبت مني الاتصال بعبدالله أحمدي لكي يخفف من زيادة السكر في البيبسي كولا فيخفف من حدة حلاوتها فتشربها الجدة وتقول إن الولد عبدالله أحمدي سيذهب إلى الجنة سلاماً سلاماً. وفي 1963 عملت مدرساً في المدرسة الثانوية نفسها التي درست فيها براتب وقدره ستمئة وخمسون روبية أي خمسة وستين ديناراً. كان هذا المرتب كبيراً جداً بمقياس ذاك الزمان حسب مستوى المعيشة في ذلك الوقت وللروبية قيمة شرائية كبيرة قد تعادل الدينار اليوم بصورة تقريبية مثلاً نشتري علبة حليب النيدو المجفف الكبيرة جداً بتسع روبيات أي تسع مئة فلس بينما ثمن هذه العلبة اليوم قرابة خمسة دنانير، إلا أنني لم أمضِ في التدريس إلا أسبوعاً واحداً إذ عثرت على وظيفة أفضل وأعلى مرتباً في شركة بابكو للنفط إذ ندرس الإنجليز اللغة العربية الفصحى والدارجة كان المرتب ألف روبية إضافة إلى اشتراك سنوي في نادي بابكو الراقي وكان هذا النادي محرماً على البحرينيين ارتياده خلال سنوات الخمسينات ولم يسمح لهم الانضمام إلى هذا النادي إلا في مطلع الستينات من القرن العشرين وكان مقصوراً فقط على الأوروبيين وكان معظمهم إنجليز وأميركان، وإلى جانب الألف روبية مرتبي هذا كنا نأخذ أيضاً ثلاث عشرة روبية نظير المواصلات أو نكتفي بأن نركب باص الشركة الذي يتسع لمئة راكب وكان يسمى «سالم خطر» نظراً إلى سلامته وهو عبارة عن قاطرة طويلة.

وفي بابكو في قاعة المدرسين وفي الاستراحة الصباحية نستمتع بنصف ساعة من شرب الشاي وتناول أنواع لذيذة من البسكويت الإنجليزي. وما شدني في شركة بابكو هو السوبر ماركت، فعندما دخلته لأول مرة أصابتني الدهشة والسرور لأني وجدت فيه كل ما يخطر على البال من أجبان ولحوم وفطائر ليست متوافرة في دكاكين المنامة الصغيرة. وفي يونيو/ حزيران 1968 بعد التحاقي بالعمل موظفاً في دائرة الإعلام في باب البحرين كنا في استراحة الصباح نذهب إلى مطعم أمين الذي يقع قريباً من دائرتنا في باب البحرين ونستمتع بأكل التكة اللذيذة المذاق والتي لا يجيد شيها إلا الحاج أمين وكان الصحن بثلاث روبيات اي ما يعادل ثلاثمئة فلس، اما زميلنا محمد جابر الأنصاري فلا يكتفي بصحن واحد بل يزيده بصحنين وأحياناً أجاريه في ذلك فهنيئاً مريئاً له. وأول مقال كتبته في مجلة «هنا البحرين» العام 1963 كان عن الشعوبية وتقاضيت عليه أربعين روبية وخلال عملي في الكويت في الفترة 1964 - 1968 مدرساً في مدارسها الإعدادية والثانوية وسنة أخيرة معيداً في جامعة الكويت نشرت أول مقال لي نقدي وأدبي عن المرحوم الشاعر أحمد محمد الخليفة في مجلة «الكويت» التي تصدرها وزارة الإرشاد وتقاضيت عليه عشرة دنانير وهو دراسة لديوانه «بقايا الغدران» ثم نشرت عدة مقالات في مجلة «رابطة أدباء الكويت». ويظل المرحوم محمود المردي أكثر أصحاب صحفنا سخاءً وكرماً وتشجيعاً فكان ينقدني خمسة دنانير على كل مقال في صحيفته «الأضواء» في العام 1968 مع أنه كان يعاني شحاً في الموارد وصعوبة في الحصول على الدعم المالي المطلوب إعلانياً وحكومياً. ولهذا الموضوع عودة حميدة إن شاء الله.

كاتب بحريني وسفير سابق

إقرأ أيضا لـ "حسين راشد الصباغ"

العدد 1343 - الأربعاء 10 مايو 2006م الموافق 11 ربيع الثاني 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً