العدد 3311 - الجمعة 30 سبتمبر 2011م الموافق 02 ذي القعدة 1432هـ

برود الموت وصقيع إرهابيين في وهمهم

سوسن دهنيم Sawsan.Dahneem [at] alwasatnews.com

الموت بارد. الإرهاب يحيلك إلى جهنم يصنعها وهو في أقصى درجات برودته. بمعنى أقصى درجات موته وعدمه وتلاشيه.

أن تزهق روح الحياة من حولك، ذلك يعني أنك خارج سياق تلك الحياة، وخارج سياق أي معنى في الوجود؛ سوى معنى برودك. لا معنى لك في كل هذا؛ سوى أنك متعهد موت قبل أن تذهب إلى برودك وإلى وهمك.

ماذا يعني أن يفخخ أحدهم نفسه؛ ليأخذ في طريقه أبرياء كانوا مشغولين بممارسة أعبائهم؛ فيما الذي فخخ نفسه لا حياة له وهو في الحياة، ولن تكون له حياة بعدها، ويظل تفخيخه لنفسه احتجاجا على وجوده فيها أساسا بتوهم الذهاب إلى حياة أخرى رتب مستقبله فيها على حساب نسف مستقبل حياة عشرات يأخذهم في طريقه إلى تلك الرحلة المتوهمة والقذرة.

ماذا يعني أن ترهب بكذبك تسلحا بنصوص من وحي وهمك المرضي ومن وحي تطفلك على هذا العالم؟ بكذبك من حيث احتكار الحقيقة وتوجيهها وسلقها وتثبيتها وكأنها غير قابلة للاستجواب والمساءلة.

ماذا يعني أن يغلب إرهاب أحدهم للحياة على رهبته من تخريب وخسف الحياة؟ ماذا يعني أن يرى الجمال في إرجاع الحياة إلى حال قبحها يوم أن كانت رمادا وتضج بالوحشة بعيدا عن سكنى الإنسان؟ ثم ماذا يعني أن يذهب في الذم المطلق لكل شيء، ورؤية كل شيء في ذروة قبحه وخلله؟ أليس من القبح والخلل أن ترى الحياة تهديدا للوجود البشري؟ تساؤل يبعث على الصدمة للأحياء لا الموتى والجثث؛ وعلى النقيض من انعدام الحس لدى مفخخي الحياة. إنه سؤال وجودهم ما بعد تناثر اللحم ورائحته ومراسم الدفن والعزاء وما بعد كل ذلك بمراحل. كل ذلك بمثابة الطريق المؤدية إلى جنة وهمهم، ونعيم أوهام تم التحضير لها في التأليب على الحياة والأحياء.

زبد في المفاهيم، وزبد في القناعات الزائفة، وزبد في التخيل المرضي، ذلك الذي يطلع به علينا المحزمون بالبارود وأدوات الموت. ثم إنه لا مفاهيم ولا قناعات ولا تخيل في الأمر أساسا. كل متعهدي الموت وإرسال البشر في رحلة من دون عودة يفتقرون إلى المرجعية. يفتقرون ويفتقدون مرجعية ذاكرتهم تحديدا. تظل موصدة، مغماة، ملتبسة، ووظيفتها ألا تتذكر شيئا. التذكر يتيح للأصحاء شيئا من المراجعة. مراجعة ما يسيء إليهم. المزنرون بالموت لا يجدون ما يسيء إليهم. انهم موضوع الإساءة إلى الحياة. يسيئُهم أن يروا الحياة تنبض بالحركة، وذلك خلاف جمودهم وخلاف الهدف من آخريتهم بحسب المقاييس التي تعد في أروقة «المسح» وتكايا التحريض وكهوف التآمر ومعسكرات قنص تلك الحياة وأطرافها.

أحاول فهم واستيعاب حجم الظلام الذي يرتوون منه ويعمدون أرواحهم به - إن كانت لهم أرواح - وحجم الأفق الذي يتحركون ويتحمل ويحتمل وجودهم فيه وهم دون صفة ما بعد التراب والسقوط من أدنى؛ إذا لا يتشرف العلو بانتخابه مكانا لسقوطهم. كما أحاول استيعاب قدرة هذا العالم على أن يتسمر في حركته وتجدده ونشاطه وإبهاره بوجود هكذا نماذج ملوثة له وقاتلة ومصادرة لكل حيويته وأكبر تهديد لقيمته؛ كالغربان ينعبون مسوقين لخراب لا يمكن لهذا العالم أن يتكيف معه إذا ما نظرنا إلى الخراب الذي هم متورطون فيه، بعيدا عن خرابهم الإضافي.

لا أذهب في مغالاة وصف حين أرى إدام تلك الوحوش الدخيلة على جنس ونوع أي مخلوق على هذه الأرض، في مزيد من شواء اللحم البشري ومزيد من تكاثر العدم ومزيد من بدائية الحياة والوصول بها إلى حدود الوهم الذي يمنون أنفسهم به.

ولأن الموت بارد، يظل الذين يهددون الحياة بحضورهم أكثر من الصقيع بمراحل

إقرأ أيضا لـ "سوسن دهنيم"

العدد 3311 - الجمعة 30 سبتمبر 2011م الموافق 02 ذي القعدة 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 2:45 م

      ظلام لا ينستوعب كنهه

      كثير منا في حالة صدمة ...عقولنا صعقت مما اقترف هؤلاء...لا يريدون لنور يشع في الوجود، يقتلون النور ومصدر النور والمستفيد من النور....إنه مبعث لكائنات خلنا أنها انقرضت من الوجود، ولكنها كانت في حال الجمود وجاء وقت انفلاتها.
      تقول إحدى صديقاتي من هول الصدمة أصابني خلل في بعض أعصاب وجهي ورأسي.. تصرخ لا أستوعب لا أفهم ما يحدث...طبعا لا نفهم فطبيعتنا النورانية لا تستوعب الأحقاد والظلام

    • زائر 1 | 5:51 ص

      مقال رائع

      مقال في غاية الروعة إلى الكاتبة المبدعة دائما-حقأ إنها حياة العدم التي ينشدها أقلام التخوين والتسقيط والتجريح وكل من يساند تلك الجوارح ولو باضعف الايمان(السكوت)!!!!.

اقرأ ايضاً