العدد 3446 - الأحد 12 فبراير 2012م الموافق 20 ربيع الاول 1433هـ

السيد: «العهد الدولي» لا يبيح مخالفة القانون الدولي و«التمييز» حتى في الظروف الاستثنائية

اعتبرت الحكم بقانونية «السلامة الوطنية» مساً بجوهر الحريات

جليلة السيد
جليلة السيد

قالت المحامية جليلة السيد في تعليقها على حيثيات حكم المحكمة الدستورية برفض الطعن بقانونية بعض مواد مرسوم السلامة الوطنية: «إن من المستغرب أن يستند حكم المحكمة الدستورية بدستورية بعض مواد المرسوم التي تبرر التعدي على الحقوق الدستورية والحريات العامة إلى المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».

وأوضحت السيد في تصريحٍ لـ «الوسط» أن «المادة المذكورة تنص بكل وضوح في فقرتها الأولى على أن «في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسمياً، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي».

ولفتت إلى أن «هذا النص يأتي ضمن سياق العديد من مواد العهد الدولي التي تنص على أنه لا يجوز وضع القيود على الحقوق المنصوص عليها فيه إلا لضرورة وبموجب القانون الذي يصدر ضمن ضوابط الممارسات الديمقراطية».

وأضافت «ويؤيد ذلك ما نصت عليه المادة (31) من الدستور التي تنص على أنه لا يكون تنظيم الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في الدستور أو تحديدها إلا بقانون، أو بناءً عليه، ولا يجوز أن ينال التنظيم أو التحديد من جوهر الحق أو الحرية».

وقدمت السيد رؤية قانونية في حكم المحكمة الدستورية عن مدى دستورية بعض مواد مرسوم إعلان السلامة الوطنية، ذكرت فيها أن «حكم المحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 25 يناير/ كانون الثاني 2012 هو عمل قانوني كأي عمل قانوني آخر يخضع للتحليل والتقييم والنقد، ومن هذا المنطلق نورد في هذه العجالة بعض ملاحظاتنا عليه».

وأكملت «لم نعتمد في تحليلنا للحكم على المقتطفات المنتقاة المنشورة منه في بعض الصحافة المحلية، إذ أجرت على أسباب الحكم وحيثياته عملية تقليم واسعة اقتطعت منه مقاطع مهمة تمثلت فيما ورد فيه من تبريرات صادمة للمنطق القانوني والدستوري والحقوقي. إنما اعتمدنا في هذا التحليل على الحكم المنشور في عدد الجريدة الرسمية رقم 3036 بتاريخ 26 يناير 2012 وعدد صفحاته 17 صفحة سنشير إليها بحسب ترتيبها العددي».

وأفادت بأنه «على رغم احتوائه على نصوص تخالف وتقيد الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في القوانين المطبقة وخصوصاً قانون السلطة القضائية وقانون الإجراءات الجنائية، فإن مرسوم إعلان السلامة الوطنية رقم 18/2011 صادر عن السلطة التنفيذية وهو ما اعترف به حكم المحكمة الدستورية في الصفحة (4) منه، أي أن السلطة التنفيذية بإصدارها هذا المرسوم (بما احتوى عليه من نصوص مقيدة ومتعدية على الحقوق الدستورية) قد مارست سلطة التشريع في مخالفة واضحة للدستور ولأسس الحكم الديمقراطي الذي أرسته المادة 1/د من الدستور التي تنص على أن نظام الحكم في مملكة البحرين ديمقراطي، السيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعاُ».

وقالت: «جاء في الصفحة (5) من حكم المحكمة الدستورية أن إعلان حالة السلامة الوطنية هو عمل سياسي لا يخضع لرقابة المحكمة الدستورية. وهذا معناه أن تقرير متى تتوافر الضرورة الداعية لفرض حالة السلامة الوطنية مسألة تحكمية خاضعة لتقدير السلطة التنفيذية المطلق، وفي هذا إفراغ لمبدأ الحكم الديمقراطي من محتواه وترسيخ للحكم المطلق في ظل عدم وجود أية ضوابط تحدد أو تعرف بشكل محدد ما هي الضرورة التي تبرر فرض حالة السلامة الوطنية».

وأشارت إلى أن «حكم المحكمة الدستورية أكد في الصفحة (9) منه مبدأ سمو الدستور قائلاً إن الدستور يأتي على قمة القواعد القانونية لأنه ناتج الإرادة الشعبية التي تسمو على سائر سلطات الدولة، بما مؤداه تسليم الحكم المحكمة بمبدأ الحكم الديمقراطي وأن الشعب مصدر السلطات».

وأكملت «ومع ذلك قرر الحكم في الصفحة (10) منه، أن نظرية الضرورة تعتبر قيداً على مبدأ سمو الدستور تبيح الخروج على أحكامه في أي وقت ترى فيه السلطة توافر حالة الضرورة وإلى أي مدى تعتبره السلطة مطلوباً، أي مهما كانت درجة التقييد والتعدي على الحقوق الأساسية والحريات العامة التي نص عليها الدستور، حيث قال الحكم بكل صراحة ووضوح: «وحيث إن نظرية الضرورة تعتبر قيداً على مبدأ سمو الدستور، إذ تجد هذه النظرية مجالاً لتطبيقها في الظروف الاستثنائية، التي قد تمر بها الدولة من خلال مواجهتها لأخطار أو أزمات تهدد سلامة المجتمع والأفراد والجماعات التي تعيش في ظله، ما يوجد مبرراً للسلطة العامة الحاكمة في الخروج على تلك القيود والضوابط القانونية، المتمثلة في مجموعة القواعد الدستورية والقانونية المطبقة في الظروف العادية، ويحق لهذه السلطة – نتيجة لذلك – اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الظروف الطارئة».

وشددت على أنه «ومن الغريب حقاً أن يستند الحكم في تبرير التعدي على الحقوق الدستورية والحريات العامة إلى المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص بكل وضوح في فقرتها الأولى على أن «في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسمياً، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي».

وأردفت «ويأتي هذا النص ضمن سياق العديد من مواد العهد الدولي التي تنص على أنه لا يجوز وضع القيود على الحقوق المنصوص عليها فيه إلا لضرورة وبموجب القانون الذي يصدر ضمن ضوابط الممارسات الديمقراطية. ويؤيد ذلك ما نصت عليه المادة (31) من الدستور التي تنص على أنه لا يكون تنظيم الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في الدستور أو تحديدها إلا بقانون، أو بناءً عليه، ولا يجوز أن ينال التنظيم أو التحديد من جوهر الحق أو الحرية».

وتابعت المحامية جليلة السيد «ومعنى ذلك أن القيود على الحقوق الدستورية لا تكون مشروعة إلا إذا صدرت بموجب قوانين من السلطة التشريعية التي تعبر عن الإرادة الشعبية بحيث يحدد المواطن عبر نوابه في المجلس التشريعي المنتخب مقدار ما يفرض من قيود على حقوقه وحرياته العامة وما هي دواعي تلك القيود ومتى يمكن أن تفرض. لا أن تقرر السلطة التنفيذية القيود وتحدد متى تطبق من دون ضوابط كما يقول حكم المحكمة الدستورية، فأي تغييب للإرادة الشعبية أكثر من ذلك؟».

وقررت «وعليه فإن اعتبار حكم المحكمة الدستورية في الصفحة (8) منه أن مرسوم إعلان السلامة الوطنية (بما احتواه من تعدٍ على الحقوق الدستورية الأساسية والحريات العامة) في مرتبة القانون نفسه الصادر عن السلطة التشريعية يعد من قبيل إفراغ مبدأ الحكم الديمقراطي من محتواه وهو ما لا يليق بنظام حكم ينشد الديمقراطية أو حتى يدعيها».

وقطعت أنه «وعليه فلا غرابة بعد ذلك، أن يعتبر حكم المحكمة الدستورية أن للمذكرة التفسيرية للدستور قوة إلزامية مساوية لنصوص الدستور ضارباً بمبدأ سمو الدستور عرض الحائط، وخاصة أن الحكم المحكمة قد تجاهل حقيقة أنه لم يؤخذ رأي المواطن البحريني بأي شكل في المذكرة التفسيرية».

وفصّلت السيد «ثم عاد حكم المحكمة الدستورية مؤكداً مبدأ سمو الدستور بعد أن أهدره، ليقول في الصفحة (8) منه إن مرسوم إعلان السلامة الوطنية يمكن أن يخالف القوانين ولكن ليس له أن يعطل نصاً من نصوص الدستور، ولكنه مع ذلك لم يرَ في المادة 5/11 من المرسوم مخالفة للدستور على رغم أنها قد أطلقت يد السلطة العسكرية عبر النيابة العسكرية في القبض على المواطنين وتوقيفهم من دون قيد زمني لعرضهم على سلطة قضائية، وهو ما ينطوي على مخالفة صريحة لنصين دستوريين هما نص المادة (31) والمادة (19) من الدستور لما فيها من مساس بجوهر الحق في الحرية الشخصية وعدم جواز القبض على الناس من دون نص تشريعي وتحت رقابة القضاء».

وشرحت «كذلك لا نجد السند التشريعي أو القانوني لحكم المحكمة الدستورية حين اعتبر في الصفحة (13) منه أن النيابة العسكرية هي «شعبة مستقلة عن المحاكم العسكرية». فذلك وضع لم تتمتع به حتى النيابة العامة التي يصفها قانون السلطة القضائية وقانون الإجراءات الجنائية على أنها «شعبة أصلية» من شعب السلطة القضائية. وهذا يقودنا إلى القناعة أن حكم المحكمة الدستورية حكم سياسي مطلوب به الحفاظ على الأوضاع القائمة على الأرض بما تمثله من انتهاكات مهما بلغت».

وأشارت إلى أنه «ولعل من أكثر الأمثلة على مدى ما انطوى عليه حكم المحكمة الدستورية من إهدار للدستور ما قرره الحكم في شأن المادة 5/12 من مرسوم السلامة الوطنية التي تمنح الحاكم العسكري سلطة مطلقة في إسقاط الجنسية عن كل مواطن يكون في وجوده خطر على الأمن. فتلك العبارة الفضفاضة يمكن أن تكون أداة لإسقاط الجنسية عن كل مشتبه به أو معارض سياسي أو خلافه، في الوقت الذي تنص المادة (17) من الدستور على أن إسقاط الجنسية لا تكون إلا في حالة الخيانة العظمى والأحوال الأخرى التي يحددها القانون أي ذلك الصادر عن السلطة التشريعية الممثلة للإرادة الشعبية بحق».

وتابعت «والمثال الآخر على إهدار الحكم لنصوص الدستور هي المادة (6) من مرسوم السلامة الوطنية التي تتضمن تجريم كل مخالفة لأوامر السلطات العسكرية من دون تحديد لماهية الأفعال المكونة لتلك الجريمة وذلك يعد مخالفة واضحة للمادة 20 للدستور التي تنص على أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون يصدر عن السلطة التشريعية الممثلة للمواطنين بحق».

وأكملت «ولعل من أبلغ الأمثلة على أن حكم المحكمة الدستورية هو حكم سياسي بامتياز ما جاء في الصفحة (17) منه حيث يقول الحكم بعبارة إنشائية أقرب إلى البيان السياسي منها إلى الحكم القضائي إن تشكيل محكمة السلامة واختصاصاتها يعتبر «محققاً لضمانات الحيدة والاستقلال ولعناصر المحاكمة المنصفة كافة»، في حين أجمعت مؤسسات أممية ودولية حقوقية ومراجع قانونية ذات باع وصدقية، كما أكد تقرير لجنة تقصي الحقائق بمن ضمه من الخبراء، عدم توافر مقومات المحاكمات العادلة أو ضماناتها في المحاكمات التي جرت أمام محكمة السلامة الوطنية».

وختمت المحامية جليلة السيد بقولها: «والخلاصة فيما تقدم أن حكم المحكمة الدستورية يمثل ردة على أهم المبادئ الأساسية التي انتهت إليها تجارب الشعوب وأقرتها في صورة الإعلانات والمواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، كما يمثل انقلاباً على مبادئ الديمقراطية ودولة المؤسسات الدستورية والفصل بين السلطات، علاوة على شرعنته للحكم المطلق ومصادرة حقوق الناس في حكم أنفسهم بما يرتضونه من قوانين تصدر عن سلطة نيابة تمثلهم تمثيلاً حقيقياً»

العدد 3446 - الأحد 12 فبراير 2012م الموافق 20 ربيع الاول 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً