العدد 3547 - الأربعاء 23 مايو 2012م الموافق 02 رجب 1433هـ

بغداد دار السلام وراعية مفاوضات النووي الإيراني

نجلاء ثامر محمود

القائم باعمال سفارة جمهورية العراق

ونحن نسبر غور بطون التاريخ والجغرافية بخرائطها الديمغرافية وأبعادها القومية/الدينية/ المذهبية والحضارية، تترأى لنا جملة من الحقائق الأساسية، الحقيقة الأولى، يقع العراق في نقطة الاحتكاك المكاني والزماني بين ثلاث حضارات كُبرى هي العربية والفارسية والتركية. كما يقع أيضاً في بؤرة الاحتكاك بين المذهبين الكبيرين للمسلمين، المذهب الشيعي والمذهب السُّني. كذلك يقع العراق جيوسياسياً على حدود منطقة انقسمت خلال القرن العشرين من الناحية السياسية بين الولاء للغرب والعداء له.

الحقيقة الثانية، العوامل أعلاه جعلت من منطقة الشرق الأوسط تاريخياً نقطة وثوب أو ارتكاز لصراعات بين قِوى إقليمية ودولية كبيرة. وعلى هذا الأساس، فإن أي تغيير يحدث في دولة من دول الشرق الأوسط ستحف به صراعات وأزمات تتفاعل وتتعدد أطرافها على مستويين من القوى الإقليمية والدولية المرتبطة بها.

الحقيقة الثالثة، العلاقات الدولية أصبحت أكثر تعقيداً والأزمات باتت بلا حدود ولا يمكن حصرها أو تضييق نطاقها.

الحقيقة الرابعة، العزلة كمبدأ أو سياسة أمست ومنذ زمن ليس بالقريب سياسة غير واقعية، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا غير عقلانية البتة.

الحقيقة الخامسة، قرأنا ما حملته لنا حكايات الماضي السياسي ورحلة بناء الحضارات ووجدنا أن الأزمة تلد همة وعزيمة، إلا أنها في عالم توحدت فيه الفصول السياسية حتى أصبح الخريف والشتاء يعد ربيعاً، فبتنا نشهد الأزمات تلد أخرى أكبر حجماً ونطاقاً وأثراً.

الحقيقة السادسة، لا يخطئ من يرى بأن تصنيف بعض أنواع الأزمات والمشكلات على أنها داخلية، قد انتهى التعامل به من الناحية الواقعية والعملية ضمن إطار القرية الكونية وتداخلاتها وتشعباتها في ساحة الحراك الدولي.

وتسوقنا الحقائق أعلاه، ونحن نطرح مساحة دور العراق في مفاوضات الملف النووي الإيراني لتثبيت وإضافة حقيقة أخرى بعضها ما هو شاخص وآخر متخفٍ قاصداً أم غافلاً وتحديداً للمراقبين والمحللين الاستراتيجيين، والتي من خلالها سنكون بمنأى عن التنظيرات والفرضيات غير ذات الجدوى، وجوهر هذه الحقيقة أن العراق ليس طرفاً في أزمة الملف النووي الإيراني وإنما راعٍ لمفاوضاتها فقط، هذا من جانب، ومن جانب آخر أشارت مفوضة الشئون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون في رسالتها للإيرانيين قبل الذهاب لمفاوضات بغداد، إلى أنها تريد اتباع مبدأ «خطوة خطوة».

فالعراق يسوق دوره من خلال ما ألزم به نفسه بموجب مقررات إعلان بغداد المنبثق عن قمة بغداد 2012، وعلى وجه التحديد في بنوده «24-25-26» اللاتي مفادهن، أن وجود أسلحة نووية في المنطقة يمثل تهديداً خطيراً على الأمن العربي والإقليمي والدولي على حد سواء، وكذلك العمل على دعم الجهود الدولية سبيلاً لإنجاح مؤتمر فنلندا المزمع عقده في وقت لاحق من العام الجاري 2012 للحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط بمشاركة 189 دولة.

ومن الأمور التي تثبتت في بنود إعلان بغداد المشار إليها اعلاه، هو احتفاظ الدول بحقها في امتلاك التكنولوجيا النووية ذات الأغراض السلمية، وعدم الكيل بمكيالين، وخاصة أن هناك من يرفض الانضمام للاتفاقية الدولية لحظر انتشار الأسلحة الدمار الشامل ومن بينها «إسرائيل» مثالاً لا حصراً.

وعليه فإن دور واحة السلام ودارها بغداد عبر دلالات الحقائق أعلاه نجدها غير طامحة ولا طامعة لأبعد من دور الراعي هذا من جانب، وسياسة مع أو ضد هي الأخرى غير حاضرة في قاموس عراق اليوم من جانب آخر.

وحق لجميع الأذهان أن يتبادر لها تساؤل يتمحور حول مصلحة العراق في الاستضافة؟ تتقاطر الإجابة بدلالة بسيطة، أن العراق وكما أشرنا، ليس طرفاً في المعادلة، ولكن نجده في النتيجة - والعبرة في النهايات - وانطلاقاً واستناداً على ما طرحته كاثرين أشتون أن الملف النووي الإيراني بحاجة لمبدأ «خطوة خطوة»، وبذلك فإن محطة بغداد ليست «عصا موسى» - إن جاز التعبير- بقدر ما هي خطوة لتحريك المياه الراكدة منذ أكثر من سنة، وبالمحصلة إنها خطوة ستحسب لمقررات قمة بغداد بصورة عامة وللعراق على وجه الخصوص.

قصارى القول، إن تجارب التاريخ القريب وحتى البعيد تدلل على أن الأزمات ذات الأبعاد الإقليمية والدولية تحتاج من أجل نزع فتيلها جهداً وعملاً ضمن الإطار الإقليمي والدولي أيضاً، وأزمة الملف النووي الإيراني من هذا النوع والعراق أحد الحلقات الإقليمية المؤثرة والمتأثرة، وولوجه على الخط ليس بالغريب والعجيب وخصوصاً أن العراق يحمل الصفات ذاتها من حيث «التأثر والتأثير» للراعي السابق (تركيا) مع الفارق في النوايا والغايات بلاشك.

إقرأ أيضا لـ "نجلاء ثامر محمود"

العدد 3547 - الأربعاء 23 مايو 2012م الموافق 02 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 3:36 ص

      عراق جديد

      الله يوفق العراق لاستعادة دوره الكبير ويجعله بلد خير بعدما حوله الطاغية السابق الى بلد عدواني يشن الحروب. الله يحمي ويحفظ العراف الجديد.

اقرأ ايضاً