العدد 3547 - الأربعاء 23 مايو 2012م الموافق 02 رجب 1433هـ

إيران ولعبة الصورة والخطاب

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

جوار الدول مع بعضها يفرض عليها أن تفهم بعضها جيدًا. فالفهم، يؤدي قطعًا إلى تلمس ما يُقلق وما يُسكِّن من هواجس. بالتأكيد، ليس الفهم المقصود مُنحَصرا في إدراك المصالح والظروف، ومقدار الصداقات والعداوات مع الإقليم والعالم فقط، وإنما فهمها نفسيًا ايضا. فالدولة ليست مجرد أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية، بل هي قبل كل شيء، مجموعة من الأفراد تديرها، وفق نمط وثقافة، مرتبطة بموروث قديم، تمتزج فيه مشاعر وعلوم ورغائب وأفكار.

وبما أننا نعيش في محيط عربي صرف، تقابله دولة غير عربية، هي إيران، فإن فهمها لنا، وفهمنا لها يصبح ضرورة، مادامت الجغرافيا، تجبر الجميع، على أن يكونوا متجاورين، حتى ولو كرِهُوا تلك الجيرة. اليوم، لا تمضي ساعة دون وجود توترات واستفزازات على ضفتَي الخليج العربي. واستمرار مثل هذه التوترات يؤدي عادة إلى شرعنة استخدام وسائل الدفاع عن النفس، أمام غلواء الطرف الآخر، لينتقل الصراع، من سياسات ناعمة، إلى دبلوماسية قاسية، وصولاً إلى نزاعات مسلحة ايضا.

أعود إلى مسألة فهمنا للدول، وبالتحديد لإيران. فقبل أيام (وإكمالاً للفكرة) تحدثت عن تصريح لرئيس غرفة التجارة والصناعة والمناجم في إيران، محمد نهاونديان، وعن تعليقه على محادثات بغداد، بين بلاده والغرب بشأن الملف النووي، والتي جرت أمس الأربعاء. وكان الرجل، قد تحدث عن تلك الجولة من المفاوضات قبل بدئها، بطريقة هندسية مع مجموعة من المقترحات السياسية، تتضمن دعوته القائمة، على تبادل المنافع الاقتصادية بين الطرفين، كمدخل لتسوية سياسية وثقافية شبه نهائية وممتدة.

غرابة التصريح، هو في كونه صادرا عن رئيس غرفة التجارة والصناعة في إيران، وهو منصب غير معني كثيرًا بمسألة تفاوضية، بحجم الملف النووي، سوى من المدخل الاقتصادي الخاص بالعقوبات، إلاَّ أن كل متابع للشأن الإيراني في تفصيلاته، يعرف، أن السياسيين في إيران، لا يتم قياسهم بما يتولَّونه من مناصب في الدولة، بل بما يمثلونه هم بشخوصهم الوازنة داخل النظام، عبر المهمَّات الحساسة غير المرئية، التي يقومون بها خارج مُسمَّياتهم ومناصبهم.

فصاحب التصريح كان قد لعِبَ دورًا رئيسيا في التفاوض السري مع الإدارة الأميركية السابقة بزعامة جورج دبليو بوش في العام 2007، بتكليف من هاشمي رفسنجاني، لتسوية العديد من الملفات العالقة بين واشنطن وطهران، إبان عهد أحمدي نجاد، وقاد مباحثات مباشرة غير معلنة (في العاصمة واشنطن) مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس في ذلك الشأن، رغم أن نهاونديان، كان غريمًا لنجاد كونه إصلاحيا، إلاَّ أن التكليف كان أكبر من الرئيس.

الشيء نفسه ينطبق على صادق خرازي (إبن أخ وزير الخارجية الأسبق كمال خرازي في حكومة محمد خاتمي) المحسوب على الإصلاحيين، الذي كُلِّف في فترة ما للغرض التفاوضي ذاته ولكن في أوروبا، في حين، أن أعلى منصب تولاه، هو مساعد وزير الخارجية. وربما الحال ينطبق على محمد جواد لاريجاني (شقيق رئيسَيْ البرلمان والقضاء) حين قاد مفاوضات مع الأميركان، على رغم أن منصبه لم يزِد حينها عن رئيس معهد الفيزياء والرياضيات في طهران، أو مستشارًا لرئيس القضاء لا أكثر!

هذا الأمر يجب ألا يغيب عن أحد من المتابعين، لكي نفهم الإيرانيين جيدًا. لأن هؤلاء (المسئولين المغمورين إعلاميًا)، وعندما يتحدثون، تعلم أنهم هم مَنْ يدير لعبة السياسة، ويُسيِّر مفاصل الدولة في داخل إيران. فهذه الدولة، لا يُصدِّق أحد مطلقاً أن مَنْ يديرها هو رجل سبعيني، يأمُّ الناس في الصلاة، ويرتقي المنابر وفي يده سَبحَة، وعلى جبينه ثفِنَةً قاتِمة، وإنما دولابها هم مجموعة من السياسيين غير المرئيين، من أمثال نهاونديان (الخصم) وخرازي (الإبن) ولاريجاني (الأخ) والمستشارين في مراكز الدراسات والبحوث وأضرابهم.

كما أن جزءًا من اللعبة التي تستخدمها إيران، قائمة على استخدامها «المقاربات السياسية/ النفسية». فطهران، تدرك، أن الآخرين، لا ينظرون إلى الدولة الإيرانية ككتلة صمَّاء، وإنما بوصفها مجموعة من التقاطعات، والتناقضات في مجال السياسة والفكر، ما بين معتدلين ومتشددين، ومدنيين وعسكريين. وهذه النظرة، متأسسة أصلاً على رغبة إيران في ذلك. فهي ورغم الهجمة الشرسة على الإصلاحيين بعد انتخابات العام 2009 الرئاسية، فإنها مازالت تحتفظ بكادر منهم لاستقدامهم في ساعة زمنية تتطلب أن يكونوا موجودين فيها، أو حين تريد أن تتحدث بخطاب مختلف. دققوا في شخوص الإصلاحيين جيدًا، ممن احتفظ بهم النظام ولم يحرقهم إلى اليوم: محمد رضا عارف، على آهني، محمود دعائي، مجيد أنصاري وغيرهم كثيرون، فمتى ما أراد أن يُنعَّم في خطابه جاء بهم، ومتى ما أراد أن يتنمَّر جاء بغيرهم.

أيضًا، لكل متابع للسياسة الخارجية لطهران، سيرى أن الإيرانيين، يتبعون دائمًا (بالتوازي مع ذلك المسلك) سياسة نثر الغبار، القائمة على إغراق ساحة الحدث بالتصريحات العامة، والاختزالية، والديماغوجية، التي قد لا يفهَم منها شيء، سوى الإنشاء والتصعيد، لكن الحقيقة، هي أن المراد منها ليست هي في حد ذاتها، وإنما ما تريد تمريره طهران من خلال تلك التصريحات من صفقات ومشروعات من وراء الستار. وجدنا ذلك في العديد من الملفات التي واجهت إيران خلال الفترة التي أعقبت العام 1989م، كالملف العراقي والأفغاني، ومسائل الطاقة النووية.

أمر أخير يمكن الإشارة إليه في هذا المقام، وهو أن غموض المواقف الإيرانية، نابع من كون طهران تحرص كل الحرص على أن تبقِي أغلب ملفاتها مفتوحة، وغير محسومة بالكامل، لكي لا تقطع وصلاً بينها وبين خطابَيْ التشدد والاعتدال. وحين تضطرها الظروف لأن تغلق ملفاً ما، فإن المرء حينها سيكتشف أن الأمور مختلفة تمامًا عما كان يعتقد.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3547 - الأربعاء 23 مايو 2012م الموافق 02 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 24 | 1:33 م

      ردّينه على طير ياللي !!

      ولّين، بعده ما طاب!!

    • زائر 22 | 6:27 ص

      الواقع والخيال

      لماذا لا نسمي الاساليب بأسمائها فأسلوب الايراني في التعامل مع جيرانها هو اسلوب جس النبض فهي تمارس هذه العمليه لتتاكد ان ضحيتها اصبحت تحت السيطره قبل الانقضاض على عليها وهو الاسلوب نفسه الذي تمارسه الدول الاستعماريه بلا ريب فأن قاومت الضحيه بشراسه فحتما ستبر ر كلامها على انهاتقصد شئ اخر

    • زائر 20 | 5:21 ص

      القصد

      لست في وارد الدفاع عن الكاتب ولكن ما قصده باعتقادي هو أن الشخصيات الدينية في إيران مثل احمد جنتي وكاشاني لا يمكنهم ان يديروا الحكومة والدول من دون ان يكون هناك طاقم وفريق فاهم وواعي للسياسة والمفاوضات فهم العدو

    • زائر 19 | 3:29 ص

      سنابسيون

      اخي الكاتب ليس ايران فقط من تستخدم شخوص لإظهار الشده وشخوص اخرى إظهار اللين في كل دول العالم هذا يحدث فالكل يتلون ويتغير متى اراد

    • زائر 18 | 3:15 ص

      دوله السبحه

      أستادي العزيز أيران قائمه على رجال الدين الطعنين في السن أصحاب ألسبحات فموئسس الدوله رجل في الثمانين من عمره وهئولأ ننظر أليهم على أنهم أعجاز ... وهم في الحقيقه عباقرة السياسه

    • زائر 17 | 2:47 ص

      سياسة قائمةعلى مصلحة إيران وشعبها

      هذه السياسة ممزوجة بالخبرة و الحكمة والتراث الثقاف ه خيرا تنبع من مصلحة إيران أولا وأخيرا ولييست قائمة على المصالح الشخصية الضيقة ........

    • زائر 12 | 2:20 ص

      شكرًا

      مشكور على الطرح
      ولكن لا اتفق معك فيما طرحت.....

    • زائر 10 | 1:54 ص

      الرجل الثاني في المفاوضات

      مقال آخر هو الرجل الثاني في المفاوضات وهو علي باقري!!!!!

اقرأ ايضاً