العدد 3562 - الخميس 07 يونيو 2012م الموافق 17 رجب 1433هـ

وباء السرطان وألعاب الكبار

علي محمد فخرو comments [at] alwasatnews.com

مفكر بحريني

من بين كل عشر زيارات لتقديم العزاء في وفاة أحدهم سيجيبك ستة من أقارب المتوفَّى بأن سبب الوفاة كان مرض السَّرطان بكل أنواعه وتجلياته. لا يقتصر هذا الجواب على المسنَّين وإنما يشمل الشباب، بل وحتى الأطفال. كما لا يقتصر على بلد عربي خليجي دون الآخر، فنحن أمام وباء سرطاني يعمُّ الجميع.

ظاهرة الازدياد الكبير في أعداد المصابين بشتَّى أنواع الأورام الخبيثة وغير الخبيثة في جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي وفي العراق أشير إليها في كتابات خجولة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، أي مباشرة بعد الحشد الهائل للأسلحة ولأساطيل الجو والبحر في أرض ومياه وأجواء الخليج كردٍّ فعل لجنون اجتياح جيوش العراق الشقيق لدولة الكويت الشقيقة، ثمّ ما تبع ذلك من استمرار الوجود العسكري الأميركي المكثَّف في منطقة الخليج لحصار العراق ومعاقبته ثمَّ غزوه واحتلاله.

بعض من تلك الكتابات، بما فيها الصحف الأميركية والأوروبية، عزا جزءاً من تلك الظاهرة إلى استعمال الجيوش الأميركية لليورانيوم المخصَّب وللفوسفور الأبيض في أماكن وأوقات مختلفة طيلة العشرين سنة الماضية وللتلوث البيئي الهائل من جرَّاء حرق العشرات من آبار البترول في الكويت. ولأن العوامل المسبّبة للسرطان مركَّبة وبالغة التداخل فيما بين بعضها البعض فإنه من شبه المؤكد وجود عوامل أخرى غير التي ذكرنا، من مثل التلوث الصناعي والغذائي والعادات الغذائية والسلوكية الخاطئة والضُّغوط النفسية المريعة التي رافقت تعقَّد الحياة المجتمعية في هذه المنطقة وغيرها.

أمام هذا المشهد الصحي ـ البيئي ـ الاجتماعي المعقَّد، وبعد مرور عشرين سنة ، ومع استمرار التواجد العسكري الأجنبي في كل بلدان الخليج العربية، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، تواجد الأسلحة والمناورات ومخازن الذخائر السريَّة غير المعلن عن أنواعها... أمام هذا المشهد ينتظر الإنسان أن يجد محاولة بحثية مشتركة، متعدٍّدة الأطراف والمستويات والتخصَّصات، تقوم بها مجتمعة وعبر العديد من السنوات مؤسسات الصحة والبحوث والبيئة وكليات الطب في جميع بلدان مجلس التعاون والعراق وذلك من أجل رسم خارطة بيئية ـ صحية ـ مجتمعية لأسباب ومسار ظاهرة وباء السرطان من جهة ولاقتراح ما يمكن فعله من قبل الدول مجتمعه من جهة أخرى.

لقد حاولت عن طريق شبكة الإنترنت التفتيش عن مثل هكذا دراسة، على الأقل على مستوى مجلس التعاون، فلم أجدها. وهذا شيء محير ويطرح الأسئلة.

هل السبب هو عدم توفُّر الأموال اللازمة لإجراء مثل هذه البحوث الكبيرة المكلفة؟ الجواب بالنفي، فدَخْل دول مجلس التعاون وحدها من عائدات الثروة البترولية والغازية السنوية يقدَّر بألف بليون دولار، وما يضيع من ثروات العراق بسبب الفساد وغياب الشفافية وانتشار اللصوصية والانغماس في الصراعات الطائفية يقدَّر بعشرات البلايين. ثم إن للأزمات المالية العولمية نصيب الأسد من ضياع عبثي للثروة. وكمثل موجع للقلب فإن الصحف تحدثت أخيراً عن جهة خليجية اشترت منذ بضع سنوات أسهم إحدى الشركات في أوروبا بنحو سبعمئة وخمسين مليون يورو، وكان سعر السهم الواحد نحو سبع يوروات.

اليوم وبسبب الأزمة اليونانية الاقتصادية الحادة هبط سعر السهم إلى أقل من ربع اليورو الواحد وأصبح ما كان يساوي سبعمئة وخمسين مليون يورو يقدّر بتسع وعشرين مليون يورو. وحتى لا نظلم تلك الجهة فإنه مثلٌ من مئات الأمثلة الأخرى، في كل دول مجلس التعاون، على المستوى العام والخاص، سنة بعد سنة، دون استيعاب للدروس ودون فكاك من ظاهرة الابتذال في التعامل مع ثروة مؤقَّتة ناضبة.

هل السبب هو طغيان السياسة والمال على كل ما عداهما في منطقة الخليج العربية بكاملها؟ أغلب الظن أن هذا جزء مهم من الجواب.

من لديه الآن وقت لقضايا الإنسان العربي الصحية والتربوية التعليمية والثقافية التي تسمو بمستواه الجسدي والعقلي والروحي؟ هذه قضايا يجب أن تنتظر حتى تنتهي جهات المسئولية والقيادة من المعركة الطائفية العبثية بين مذهبي السنة والشيعة محلياً وإقليمياً، من الصراع العربي ـ الإيراني على كل شيء وعلى لا شيء، من حل مشكلة الإرهاب الحقيقي والمتوهَّم، من صرف الوقت والأموال والجهود لمنع حراكات الربيع العربي من الوصول إلى شواطئ الخليج العربي وبالتالي الانشغال المبهر بأوضاع ليبيا وسورية والعراق واليمن ولبنان والسودان وأوضاع ما بعد الثورات في تونس ومصر، من إنقاذ المؤسسات الاقتصادية والتجارية والمالية الغربية المتعثّرة من الكساد والإفلاس، وفي الداخل من الاستمرار في جنون المضاربات العقارية والمالية وفي بناء المدن لاجتذاب الأغراب والمغامرين وغاسلي الأموال على حساب الهوية العربية والإسلامية.

الواقع أن المجلَّدات لا تكفي لقائمة الجنون والعبث والتجاوزات، فهل لنا أن نطلب من الجهات المعنية في دول مجلس التعاون والعراق، إن سمح لها وكانت قادرة، أن تقوم بمشروع بحثي وعلاجي لدراسة وباء مرض السرطان الذي أشرنا إليه، فلعلًّنا نقلِّل من عدد الجنازات التي يبكي أصحابها على أطفال أبرياء وشباب في مقتبل العمر ليس لهم دخل في ألعاب الكبار الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ثمّ نسوا شعوبهم.

إقرأ أيضا لـ "علي محمد فخرو"

العدد 3562 - الخميس 07 يونيو 2012م الموافق 17 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 7:06 ص

      الحقائق العلمية ليست مبهمة

      ليس سرا أنه لا يخلو جسم انسان من الخلايا السرطانية. فلا يبدو سر السرطان حكرا على جسم الانسان، بل يطال كل ما له علا قه بالانسان أيضا.
      فان نطقت كلمة سرطان بالعربية أو بالانجليزية تجد العربي ينقط أولها "سر" ولاحقها طان، هوالكامن في كل الاشياء لتدميرها ذاتيا. أما في الانجليزية فتنطق بالسر آخرها canser.
      فهل أثبت العلم يوما ما أن جسم الانسان خال من الخلايا السرطانية؟
      وهل من الممكن استثناء الاقتصاد والسياسة من ذلك؟
      فأيهما أولى بالدراسة الموضوع أم مادته؟

    • زائر 4 | 3:37 ص

      حكومات دول تشاغلت بنفسها ... فقط

      في الحقبة الأخيرة ما يدهش أن دول المنطقة - بالذات- لم نرها تفكّر بحال شعوبها،اندفعت بلا هدف ولا اتجاه ،لأنها رأت الأمم المتحررة تندفع فحسبت أن عليها أن تندفع فحسب ،وستكون في انتظارها النجاحات المحتومة،من أين؟! والخنوع والنكوص في كل مغامرة نراه ينعكس بهلع إنهزامي على الطابع الإقتصادي والصحي والعلمي وغيرها من القطاعات لا بل وتتواتر المعضلات وبدون علاجات والتي تهدّد بالأخطار والويلات . وتحياتي لكم ... نهوض

    • زائر 3 | 3:06 ص

      شكرا دكتور وملخص الكلام في كلمتين تعطيان الصحة

      اكل الانسان يجب ان يكون بقد ما يحتاج من طاقة
      هذا السطر البسيط يعطينا مختصرا مفيدا لو اتبعناه منذ الصغر لعشنا في صحة والف خير.
      فمعظمنا لا يراعي مسألة كمية السعرات الداخلة للجسم وكمة السعرات المستهلكة فلو ان اي انسان
      حاول فقط ان يقارب بين الدخل والصرف في هذا الامر لحصل على نتائخ باهرة ومبهرة جدا.
      عن نفسي لقد رأيت ذلك في بعض الاشخاص الكبار الذين عرفتهم بصحتهم وراقبتهم في مأكلهم فرأيت انهم يقتصروا على حاجة الجسم فقط مهما كان الاكل لذيذا فإنهم لا يعبئون بذلك بالمرة

    • زائر 2 | 2:16 ص

      الفساد

      كل ما يحدث في دول الخليج من تخلف وخداع لسبب واحد... الفساد وعدم قدرة الشعوب محاسبة حكوماتها .... قوانين وضعية جلها موجهه لحماية الحكومات قبل محاسبتها

    • زائر 1 | 12:48 ص

      طابت جمعتك يا دكتور

      مما لا شك فيه ان حالات السرطان و انواع السرطانات في الخليج خاصه وفي المنطقه العربيه عامه ورائها عده اسباب كما تفضلت في مقالك ومن اهمها التلوث البيئي وتناثر المصانع التى تنفث الموت بين السكان وغياب ضوابط السلامه والدراسات البيئيه واتخاذ وضع النعامه واداره الظهر عن موضوع التلوث الصناعي الجدير بلاهتمام اننا نستورد الكثير من بلاد الشام والاردن تحديدا الذي يعاني من اهتراء مفاعل ديمونه وتسرب الاشعاع للتربه والمياه الجوفيه فهل فكرت وزاره الصحه عمل فحص اشعاعي على وارداتنا من الفواكه والخضار؟؟ديهي حر

اقرأ ايضاً