العدد 3568 - الأربعاء 13 يونيو 2012م الموافق 23 رجب 1433هـ

سُرَّاق الحياة

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

هذه قصة حقيقية حرفاً حرفاً أرويها وقد انصرفت أحداثها منذ أربعة عقود إلاَّ ثلاث سنين. أحداث عتيقة، لكن إسقاطاتها كأنها اللحظة. أسرد الحادثة كما بَدَت لي ثم أربطها مع مصداقها الحاضر. توفي شابٌ وهو في منتصف العشرينات. صادفت الوفاة يوم السابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول من العام 1976م. خلَّف المتوفَى وراءه ولداً لم يزد عمره على خمسة أشهر وأربعة أيام. كان المصاب كبيراً على ذويه ومحبيه.

رَفَعَ الأب المِجلَد على وفاة ابنه، واضِعاً كل شيء في حياته وحياة عياله وجيرانه وأصدقائه تحت نظام الموت. بكاه بكاءً يعقوبياً، حتى كاد أن يلحق به من شِدَّة كَمَدِه. قال مَنْ رأوه على ذلك الوضع، متسائلين: كيف سيعيش إذاً وهو على هذا الحال؟ قرَّر الأب أن تُغلَق غرفة فقيده إلى يوم الدِّين، هكذا أراد. جاء إلى البيت يتكئ على عصاه، فأدار مزالِيْج الباب، فسوَّاه رتاجاً لا يقوى أحدٌ على فتحه، ثم أخذ معه مفتاحه، تاركًا الدار بكلّ حاجياتها كما هي، وكما وضعها ولده المتوفَّى ببطء، لكنه وفي الوقت نفسه، لم يحرم نفسه لحظة واحدة من تعفير خدِّه ورجليه على تراب بابها كلما مرَّ عليها صباح مساء، دون شَبَع، وكأن ابنه للتوّ ميِّت.

أدركه الجميع وهو يبكيه بحرقة، ومن بكائه، عقِلَ الكثيرون، معنى الدَّمعة. ولم ينتهِ به الأمر حتى آخر زيارة قام بها له حفيده، قبل ارتحاله بأيام فقط، وكان الحفيد حينها قد تساوى مع عمر أبيه لحظة ارتحاله، ويحمل على كتفي الأيسر، ابنه، وقد سُمِّيَ كما الراحل كي يخلَّد اسمه مقداراً من السنين، لكنه أيضاً جاء مُخلِّداً ومُهيِّجاً لحزن النائحين. حين زاره في أيامه الأخيرة، كان يتمايل من شِدَّة المرض، لكن ذلك لم يمنعه من أمرين اثنين. أن يمشي بمحاذاة حفيده خطوة بخطوة حتى مِقوَد السيارة وكأنه في وداع أخير. والثاني، أن يستمر في ذرْف دمعٍ غزير، وأنين يقطع نياط القلب على ابنه، لا يقبل التزييف ولا المراءاة.

بعد 36 سنة، أحَلَّ القَدَر ما كان مُحرَّماً في السابق. فالدار الذي كان الجدُّ قد أمر بإغلاقها، وأطاعه الجميع احتراماً لحزنه الممتد، ولحبه لابنه المغادر عنه، قد اهترأ بناؤها، وتساقط طوبها، وامَّحَت معالمها. فجُدُرُها قد تخدَّدَت، وأبوابها قد تشققت، ونوافذها قد تزجَّجَت. أما سقفها فقد دانَ لأرضها، وكأنه يريد أن يقبِّل ترابها، لا تحمله أعمدة ولا يسنده قِوام. وأمام هكذا صورة، تصبح الدار شائخة كهلة تنتظر أمر هادم سكونها، ولم يعد من خيار إلاَّ أن تبَان مكشوفة بلا أدنى قوة. لذا فهي لم تتحمل ركلة من رِجْلِ آدمي حتى انفتح بابها، رامياً معه مزاليجه وأقفاله الصَّدِئة. كانت الدار بها رهبة غريبة لا توصف. وكانت أجواؤها الأولى تنفث ظلاماً دامساً مُعتقاً، مكتوماً بغبَرة قاتمة غليظة، تكاد لا ترى فيها أرنبَة أنفك.

كانت جزء من لحظة زمنية، شاء القدر أن تحبَسَ 36 سنة. حَبَسَها الجدُّ لاعتقاده أنها كانت سبباً في أخذ ولده من بين أحضانه، فعاقبها بالحبس طيلة هذه السنين. لا أدري إن كان حكْم الجدّ عادلاً، أو أنه أصاب في اتهامه أم لا، لكن الأكيد أنها حُبِسَت، وقضت ما يتوجّب عليها قضاؤه. كلَّ من دخل الدار المفتوحة ببطء تحسَّس أجواءها. لقد كانت الأشياء لاتزال في مكانها. كلّ شيء. يكاد المرء لا يصدِّق ذلك. الرفوف تتدلى منها ملابس الفقيد، وهي مغطاة بكمية لا بأس بها من الغبار.

بعض الملابس، مازالت مطوية في مكانها. أشرطة العنق الحريرية بقيت محتفظة برونقها. الأفرشة اللِبْديَّة تغطي السرير، لكنها بدت ملتصقة بمُلاءته السفلى لحد كبير. أما الخزائن، فقد ظلت متماسكةً بأقفالها، دون تعب، وبداخلها كلّ شيء أراده صاحبه لأن يبقى مستوراً عن الأعين. أغطية، وقبعات، وأدوية، وقراطيس لا تحصى. في الجانب الأيمن من المكان، ترى سريراً لرضيع لا يتجاوز عمره الآحاد من الشهور، وقد انكبَّ على وجهه من كثرة الجهد الذي بذلته قوائمه طيلة الستة والثلاثين عاماً. انتهت.

هنا، يستحضر المرء هذه الأجواء بتفصيلاتها ليقيم الإسقاط المدَّخر، وليتذكر شيئاً واحداً: ما هو حجم الحزن والغم الذي يخلفه فقد الأحبة والخِلان؟ وإذا كان وصف الحزن من داخل بيت الراحلين بهكذا حال، فكم هو حجم الحزن الذي يهجع على أنينه مجتمع مكلوم بأسره، دخلت الحروب والأزمات بين شقوقه، فتركته في الثكل يئِن؟ تساؤل أهم: كيف يهنأ مَنْ يفعل ذلك من الجبابرة والطغاة بحق ناسهم وشعوبهم عبر سفكهم للدم، واستهتارهم بالحرمات؟ هل يدركون، أن مثل تلك القصة، تتكرر في العشرات والمئات والآلاف من البيوت والأسَر؟ هذه الحقيقة.

ما يخيف في هذا الأمر، ليس تحقق الظلم، وضياع الحقوق والحرمات فقط، وإنما تحوُّل ذلك الأنين والحزن الرهيب، إلى ميول ورغبات يتم توريثها لجيل قادم، يكون له جنوحٌ مخيف صوب الانتقام والعدوانية. فالموت هو الحقيقة الأكثر جلاءً في الكون. كثيرٌ من الأشياء قد تغيَّرت بتقادم السنين. طبيعة الحياة، أشكال الناس، أعرافهم الاجتماعية، بل حتى أشكالهم. الذي ظلَّ على حاله هو الموت في معناه وتداعياته ورهبته. وهو ما يعني بقاء النظرة إليه على حالها، والخوف منه على الأحبة ذاتها، والعواطف الفوَّارة هي هي لم تتغيَّر، وهنا أصل الخوف.

القتل لا يُنهي خصماً أبداً، بل هو يُنبِت مجموعة من الخصوم الجُدُد متأسسة على الحقد والشَّرر. وإذا ما أدركنا هذا النوع من النشء، فإننا سنفهم، أن القاتلين، يصنعون لبلدانهم مستقبلاً قلقاً، لا ينتظره إلاَّ الاحتراب. فأغلب الأزمات الحالية في العالم، هي أزمات مستولدة، تفرَّعت عن تاريخ دموي لم تتم معالجته كما يجب. نعم، هذا الواقع ليس منسوجاً من خيال ناشف، وإنما هو أمر قائم، وعلى الجميع أن يدرك تلك الحقيقة، دون تبسيط ولا مكابرة. فاستقرار المجتمعات لا يتم بالكلام الإنشائي أو بحديث الإنجاز الوهمي، وإنما بما يحفظ الأرواح والحقوق والواجبات.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3568 - الأربعاء 13 يونيو 2012م الموافق 23 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 23 | 2:12 ص

      ابدعت

      فعلا لا املك الكلمات لاصف بها مقالك
      انت انسان مبدع,اقترح عليك تاليف كتاب ساكون اول من يشتره,للعلم لم اكن من محبي القراءة لكن فعلا مقالاتك غيرتني,انا اقرا اغلب المقالات في 3 جرائد في البحرين ,اراك في المركز الاول,قاسم حسين في المركز الثاني,و هاني فردان في المركز الثالث

    • زائر 22 | 8:52 ص

      آآخ لوجد الفراق

      رحم الله جدي وجدك رحم الله أبوك خالي
      أذرفت دمع العين يابن الغالي، لا تكاد عمتك تنشف دمعتها بذكراه حتى تنهمر دموع مقلتيها مرة أخرى، انا لا أعلم حقيقة السر أخوتهما سوى القلب الصادق لمعنى الأخوة
      نفتقدك يابن الخال كثيراً

    • زائر 21 | 4:53 م

      ان سرقوا الحياة لن يسرقوا الذكرى

      نعم اذكر هذا الجد فهو لم يكن الحزين الوحيد فصديقه ايضا لازال يحمل ذكراه

    • زائر 20 | 3:14 م

      ان سرقوا الحياة لن يسرقوا الذكرى

      نعم اذكر هذا الجد فهو لم يكن الحزين الوحيد فصديقه ايضا لازال يحمل ذكراه وقد لا اكذب اذا قلت انه طوال

    • زائر 19 | 2:11 م

      ان سرقوا الحياة لن يسرقوا الذكرى

      نعم اذكر هذا الجد فهو لم يكن الحزين الوحيد فصديقه ايضا لازال يحمل ذكراه وقد لا اكذب اذا قلت انه طوال

    • زائر 18 | 1:56 م

      رحم الله والدك

      رحم الله والدك كان لي الأخ والشقيق والحبيب والرفيق فقدت بفقده سعادة الدنيا وما برحت اعيش ذكراه وصورته اللتان بقيا لي بعده ، وها أنت تنكث جراحي من جديد رحمه واسكنه فسيح جناته (علي محسن الورقاء)

    • زائر 17 | 1:34 م

      رحم الله والدك

      رحم الله والدك كان لي الأخ والشقيق والحبيب والرفيق فقدت بفقده سعادة الدنيا وما برحت اعيش ذكراه وصورته اللتان بقيا لي بعده ، وها أنت تنكث جراحي من جديد رحمه واسكنه فسيح جناته (علي محسن الورقاء)

    • زائر 16 | 1:28 م

      رحم الله والريك

      رحم الله والدك كان لي الأخ والشقيق والحبيب والرفيق بفقده فقدت جزء كبيرا من سعادة الدنيا ولم يبقى لي سوى ذكراه وصورته اللتان ما برحتا في الذاكرة ، لقد نكثت بمقالك هذا جراحي

    • زائر 15 | 10:37 ص

      حكاية مبكية

      حكاية حقاً مبكية كم هو مؤثر حزن الجد وأنينه اليعقوبي.. ذكرني بجدي رحمة الله عليه الذي من بكائه أدركت معنى الحزن والدمعة في حزنه وبكائه على يوسفه الذي رحل عن هذه الدنيا ولم يراه حتى قضى عمره بالنحيب عليه ورحل الى جوار ربه ووسدوه بجانب يوسف الذي كان يبكيه ليلاً ونهاراً ويمزج بدموع التأسف عليه طعامه وشرابه.. كم هو مبدع الكاتب في تصويره وكم هم قساة سراق الحياة اللذين تهنأ لهم الحياة باذن الله تعالى وستغرهم دماء الأبرياء التي سفكوها في يم جحيم ظلمهم وطغيانهم

    • زائر 14 | 10:19 ص

      أحسنت القول

      خلاصة قولك وزبدته في الفقرتين الاخرتين ففيهما

      الحكمة والقول الرصين

      نعم القاتل يضيف بالقتل أعضاء جدد لقائمة أعدائه

    • زائر 13 | 8:46 ص

      رحمك الله يا خالي،،

      رحمك الله وأسكنك فسيح جناته ،، ياأبا محمد ،،

    • زائر 12 | 8:25 ص

      مآسي ... وجدت في الرمال الغبراء قبراً يواريها

      تخليد للهوان البشري من العام 1976 وحتى هذا الوقت للعام 2012 جرائم ترتكب وكأنها مسلاة هينة أو عبث مأمون الجزاء،شباب نضر يقاد للموت أقبح قود،وبعدّة طرق من التنكيل اتسمت بالجبروت والفظاظة والإذلال الطافحة بالهول وبخاصة إذا أشرف على إدارتها "الطرق" رجال غاضت من قلوبهم معاني الرحمة،فهم ذئاب مسعورة في صور أناسي لا وزن لهم ولا شرف. بحق أحرف صُقلت بحرفية صادقة أُحكمت بلاغتها ومعانيها وتصويرها، شممت منها رائحة مآسي وجدت في الرمال الغبراء قبراً يواريها . وتحياتي لكم ... نهوض

    • زائر 11 | 6:34 ص

      اتمنى لو انكم تعرفون كما اعرف ،،،، يروي قصة من كاتبنا المبدع

      سلمت يا بو عبدالله ،،، ابداع لايوصف
      الله يخلي الأبن ويخلي ليه اولاده ويرحم الاب والجد
      واحنا نفتخر انهم خلدو ابن رائع مثلك

    • زائر 10 | 3:23 ص

      اين أولئك ( الكتبة ) من هذه اللغة الراقية

      هذا هو الفرق بين الوسط وباقي ما يسمى بصحف أو جرائد لدينا خاصة في فقرة ( الأعمدة ) لغة راقية تصف الوضع وتنتقده دون انتقام او تشفي او حقد يتوقد في الصدر ، لغة تدخل قلب متلقيها ، بعكس تلك اللغة ( المنحطة ) لبعض من يسمون كتبة الموغرة في الحقد وطلب التشفي والستقواء على الضعيف ، وكأن سرقة الحياة لا تكفي لأولئك المتجبرين ومن ساعدهم ولو بكلمة ، تحياتنا للأستاذ محمد وللوسط .

    • زائر 9 | 3:20 ص

      شكرا

      عجيب، حسيت روحي قاعده ويا الجد وسط الدار. وحسيت بالحزن والهم اللي كان فيه قطع قلبي.

      كيف ناس تتحمل مو بس تقتل، وتعيش وتتنفس وتاكل وهم يدرون انهم حطمو عائله بحالها؟ عائله بحالها نست طعم الاكل، نست النوم ونست الضحكه.

      بس من يضحك اخير يضحك كثيرا. الحساب يوم الحساب.

    • زائر 8 | 2:39 ص

      عجبتني الفقرة الأخيرة وهي محل للتفكير لمن لديه عقل

      القتل لا ينهي خصما وإنما يخلق خصوما جدد والسر في ذلك ان هبة الحياة التي منحها الله لعباده لم يعط لأحد الحق في سلبها من احد الا بالحق وهذا الحق
      ليس لأي شخص يقول ان لديه الحق في سلب الحياة من احد لمجرد الاختلاف معه.
      لذلك عقوبة سلب الحياة مشددة دينيا وعرفا وقانونا
      في كل مكان وللدماء حرمتها وسفكها بدون ما امر الله يورث لعقاب دنيوي قبل العقاب الاخروي

    • زائر 7 | 1:38 ص

      السكوت من ذهب

    • زائر 6 | 1:33 ص

      سلمت يداك أستاذ محمد

      تقرأ ولا تريد أنت تنتهي هذه الكتابة وإلا فلا

    • زائر 5 | 1:25 ص

      هاني

      طبيعة حيوانية في سلوك الانسان (حاكم او محكوم) تتلخص في ردود افعال من منطلق عاطفي و غريزي و حبا للأنتقام, و اشباعا لنزعة الكره و الانانية في النفس البشرية...أحسنت يا استاذ...القتل لا يصفي الخصوم بل يكاثر منهم كما و كيفا...و هو قرار خاطئ... في رأيي الوعي الحقيقي هو الطريق لخلاص الفرد و المجتمع...

    • زائر 4 | 12:54 ص

      لو يستحضر الطرف (الراقص على الجراج أو الواشي) أجواء الألم بالطرف المنكوب بتفصيلاتها ليقيم الإسقاط المدَّخر..

      الجميع يدرك الحقيقة، دون تبسيط ولا مكابرة. فاستقرار المجتمعات لا يتم بالكلام الإنشائي أو بحديث الإنجاز الوهمي، وإنما بما يحفظ الأرواح والحقوق والواجبات..

    • زائر 3 | 12:38 ص

      في العمق

      كم مرة تريدني ان أفرأ مقالك هذا سيدي الكاتب؟ هناك شيء بين السطور يدفعني ان اقرأه عدة مرات وفي اوقات متفرقة؟ الموت والحزن لا مفر للانسان منها،لكن قليل من يتعظ.
      (تساؤل أهم: كيف يهنأ مَنْ يفعل ذلك من الجبابرة والطغاة بحق ناسهم وشعوبهم عبر سفكهم للدم، واستهتارهم بالحرمات؟ ) نقطة على السطر.والختام... سلام لك مني والف تحية عزيزي الكاتب.

    • زائر 2 | 12:05 ص

      أبدعت

      اعتقدت في بادء الامر أني اقرأ قصة خيالية فيها فن جيد و لكن الإسقاط الرئيسي اكثر من رائع.
      شكرًا

    • زائر 1 | 11:39 م

      ابو صالح

      الاستاذ الكريم محمد عبدالله
      اشكركم على ما تتفضلون بكتابته دائما بلغة بليغة وافكار جديرة بالتفكر رغم اختلافي معكم في الاراء بشان سوريا والعراق

      شكرا وبالتوفيق لك ولصحيفتنا الوسط

اقرأ ايضاً