العدد 3673 - الأربعاء 26 سبتمبر 2012م الموافق 10 ذي القعدة 1433هـ

الدراما البشرية التي يتعاقب عليها أكثر من مُخرج

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

الإنسانية بكل حراكها وجمودها. استسلامها وانتفاضها. قبولها ورفضها. اختلافها وائتلافها، دراما في صورة أو أخرى. مسرحها جغرافيات وأوطان. حبكاتها وسيناريوهاتها واقع قائم. واقع سياسي واقتصادي ونفسي واجتماعي وتربوي وعبثي أيضاً. المشكلة تكمن في تعدّد مخرجي تلك الدراما. كل يأخذها ويلتقطها من زاويته.

وبالرجوع إلى الدراما من حيث الأصل فهي يونانية (dram) ومعناها يفعل - أو عمل يقام به. اليونانيون آباء الدراما... المسرح... وآباء الفعل عقلاً وإنجازاً لذلك العقل على الأرض في صور وشواهد تمتد إلى هيمنة استمرت قروناً على معظم الجغرافيات المُهمَّة والرئيسة في العالم. ذلك ما يحيلنا إلى تعريف أرسطو نفسه للدراما: «محاكاة لفعل إنسان».

وبما أن الدراما محاكاة لفعل الإنسان، على الذين يديرونها أن يكونوا في صلب الفعل لا المحاكاة فحسب. ألاّ يكونوا في صلب الأوامر الفارغة التي تدخلهم في دائرة العدم. ألاّ يكونوا متفرّجين سلبيين. وألاّ يتجاوزوا ذلك بمراحل أبعد وصولاً إلى فعل التدخل في إرادة الإنسان والتدخل في خياراته وتطلعه إلى أن يكون كما يريد لا كما يريد المُمْسك بكل تفاصيل الدراما ولو كان مقعداً في فكره ورؤيته!

الفضاء الراهن يُدار ممن يملكون أسباب القوة لا أسباب الرؤية والخلق والإبداع. من يديرون دراما العالم اليوم ويتحكّمون في كل التفاصيل مصابون بهوس إدارة كل شيء؛ بدءاً بالإنسان الذي يُهان بفعل التفنّن على أيديهم؛ وليس انتهاء بالهواء الذي لا يشك أيٌّ منا أنه أصبح ملوّثاً قبل أن تغزو الصحراء والحواضر العربية مصانع الموت البطيء بغازاتها التي تذكّرهم بالذهاب إلى الموت غير آمنين على من تركوه يمهّد نفسه لاحتضار لا مكابح توقفه.

الدراما البشرية اليوم متعدّدة الحكايات والمعالجات والاسقام في الوقت نفسه. دراما العبث باسم النظام ودراما الانتهاك باسم صوْن الحقوق ودراما البطش باسم تثبيت النظام؛ ثم هي دراما العدم باسم الوجود.

الإنسان وسط كل ذلك في استهداف وغربات. عذاباته مفتوحة على وهْم الحياة في شُحّها. كل شيء رهْن مزاج الذي يمسك بنص المصير. مصير المخلوقات في الأرض التي يحاصرون فيها أكثر من إقامتهم الجبرية في الأرحام. دراما لا تقرأ ولا ترى فيها سوى احتمال وصول إلى نفي وجود الكائن البشري الذي لا يستقيم ويتواطأ ويذعن لمزاج المُمْسك بتفاصيل وخِناق الدراما تلك.

الحيرة والارتجال والتخبّط هو الغالب في هكذا استفراد بالنص وموضوعه وأشخاصه والمكان والزمان وما بينهما من تفاصيل.

مخرجون يطلعون عليك من المجهول أو ما يشبهه. هل للمجهول شبيه؟ ألاّ تكون له علاقة بالمعلوم من تفاصيل الناس وما يرتبطون به وبضربة مجهول أيضاً يكون هو المعلوم ومن هم في اللب من الحضور والمعلوم في غياهب ما هو أكبر من ذلك: العدم بالنسبة إلى مخرج دراما لها أكثر من وقع وأكثر من خمود في الوقت نفسه!

مخرجون متورطون في الالتباس. الالتباس حتى في ملامحهم لذا تراهم لصْقَ المرايا كأنهم يرضعون التأكد من ملامحهم منها. كأنها الأرحام التي منها طلعوا. خيبة الملامح والصورة تجعل البسيط لصق ذلك الحيّز الخادع المكوّن من التراب. التراب ينظر إلى التراب. الإنسان والمرايا من طينة واحدة.

مخرجون حرفتهم استعراض الألم والعمل على تعميقه وتثبيته. ليسوا رعاة مسرح بأشخاصه. إنهم يتحكّمون إنتاجاً وحوافز كي يصل إلى ذروته. مخرجون يتوهمون أنهم مقيمون في دراما عابرة ومؤقتة.

عودة إلى المسرح. حدوده تكاد تشبه المخرج. أطراف المسرح وعناصره بالكاد تتعرف على ملامحهم. إنهم مشغولون بغصصهم ومشغولون بمحاولة النجاة من هذا المختبر السادي الذي يمارس عليهم كل صنوف تجريب الألم والذهاب إلى ما بعد اختباره.

ومن المفترض أن يكون مخرج أي دراما ملمّاً ومستوعباً وقادراً على تهيئة ظروف وأجواء ومناخات كي تتمكّن أطراف الدراما من أداء دورها كما يجب، من دون تشويش أو قلق أو خوف أو تلقين يُفقد قيمة الأداء حرارته وعفويته وصدقه وفاعليته وأثره.

ما تلحظه الأشياء قبل البشر أن المخرجين الذين نحن في صددهم لا علاقة لهم بكل تلك التفاصيل لا من قريب ولا من بعيد؛ إذ ثمة من يقوم بالأدوار تلك - في كثير من الأحيان - من الباطن، وما أدراك ما الباطن!

كأن الذين يديرون الدراما اليوم ليسوا في معزل عن تشويه عناصرها من حركة، كاتب عرض، معالجة، صراع، فن. كأننا أمام هيمنة لا حصر ولا حدّ لها تأتي في صورة تبنٍ واضح لكل ما يُفقد أطراف مواجهتها ملامحهم وتشويه مسمّياتهم.

دراما هي رهْن مخرج ارتأى أنه الخالق الطبيعي لما يريد إخراجه إلى النظّارة، ولا يهمّ بعد ذلك قيمة ما يقدّمه ويخرجه.

أكرّر، يفتقد كل منا الفعل وحقيقته في دراما طالعة من كهوف المزاج والفراغ والتباس الشك بكل حُزَم أمراضه وعُقده. حتى المزاج والفراغ والشك لكل منها جمالياته وإن كانت نادرة وتحتاج إلى عين فاحصة لالتقاطها؛ غير أن ما نحن إزاءه لا جمالية يمكن القبض عليها أو حتى توهّمها.

كأنه يُراد للبشر أن يتمّ سوْقهم سوْقاً ليكونوا جزءاً من دراما تمعن في غياب حركتهم وتجذّر استلابهم وتعميق تهميشهم؛ فيما المخرج يستوي على تلّ أوهامه.

ببسيط العبارة، لن يحدث ذلك حين ينتبه الإنسان إلى أنه لم يأت إلى هذا العالم كي يتحوّل إلى كومبارس.

يتعاقب المخرجون في هذه الدراما البشرية؛ لكن عناصرها لن توفر وقتاً في سبيل هدم حيّزها الذي يذكّر بالعدم، ويدخلها في ذلك العدم في حال استمرارهم.

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3673 - الأربعاء 26 سبتمبر 2012م الموافق 10 ذي القعدة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 8:27 ص

      فعلا التمثيل المريض متجذر في غطرستهم

      قال تعالى جل شأنه " استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" ولو لاحظنا سياق الاية وما قبلها لوجدنا نفس الصفات متأصلة فيهم هو الحلف وهم كاذبون . يعني التمثيل الذي يقومون به متجذر في سلوكياتهم لا ينفك عنهم .

    • زائر 1 | 12:10 ص

      الدراما

      تألق مستمر الى الكاتب الكريم في كتاباته الهادفة العميقة في معانيها القوية في رسائلها...

اقرأ ايضاً