العدد 3745 - الجمعة 07 ديسمبر 2012م الموافق 23 محرم 1434هـ

مصر والإسلام السياسي

عبدالحسين شعبان comments [at] alwasatnews.com

كاتب عراقي وحقوقي عربي

أثار ما أقدم عليه الرئيس المصري المنتخب «ديمقراطياً» محمد مرسي بإصدار إعلان دستوري جديد يوم 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 جدلاً واسعاً على الصعيدين الشعبي والقانوني، وخصوصاً أن قوى المعارضة اعتبرته إجراءً غير ديمقراطي من حيث الشكل والمضمون، وخطوة خطرة لعودة الاستبداد.

وتنادت القوى والشخصيات الوطنية المعارضة للتوقيع على بيان تلاه نقيب المحامين المصريين سامح عاشور نيابة عنهم اعتبروا الإعلان «جريمة» ويمثل «انقلاباً» على الشرعية واستحواذاً غاشماً على سلطات الدولة. ولحقت بهذا الاجراء استقالات لنواب الرئيس بينهم سمير مرقص وعمرو الليثي وأيمن الصياد، مستشارا الرئيس لشئون الإعلام، ومحمد عصمت سيف الدولة مستشار الرئيس للشئون العربية، وسيف عبدالفتاح، مستشار الرئيس للشئون السياسية.

صحيح أن عهد الرئيس مرسي يختلف عن سابقيه وإنْ كان لايزال في بداياته، وكل بداية صعبة كما يقال، لكن المكتوب يُقرأ من عنوانه أيضاً. كان يمكن استثمار عوامل الاختلاف وهي موضوعية وذاتية لمصلحته لا ضده، فالاختلاف بينه وبين الأنظمة السابقة جوهري، ولاسيما سياقات وصوله إلى السلطة الذي يأتي في ظرف تاريخي داخلي مختلف وعبر صندوق الاقتراع وهذا أولاً؛ وثانياً أنه جاء في ظل موجة الربيع العربي وفي ظروف دولية وعربية وإقليمية مختلفة أيضاً؛ وثالثاً أنه رئيس فاز بانتخابات ديمقراطية ولم يأتِ على ظهر دبابة؛ ورابعاً فهو يمثّل عمقاً لحركة شعبية واسعة، لكن انتخابه شعبياً لا يعطيه الحق ليتصرف خارج نطاق اللعبة الديمقراطية التي تشمله مثلما تشمل الآخرين، في إطار قواعد وقوانين لابدّ من مراعاتها، الأمر الذي يضع قراراته بما فيها الاعلان الدستوري، أقرب إلى الدساتير المؤقتة والقرارات الثورية التي تعرّضت إلى نقد شديد بما فيه من جانب حركة الاخوان المسلمين، ولاسيما تلك التي عرفتها الثورات في الخمسينيات والستينيات عقب الانقلابات العسكرية.

ولهذا فإن محاولة جمع السلطات بيد واحدة تُفسّر الرغبة في تجيير نتائج الانتخابات الديمقراطية لغير قضية الديمقراطية التي تتطلب فصل السلطات لا جمعها تحت سلطة واحدة، ومن جهة أخرى أنها عملية استبطان لرغبةٍ في الهيمنة بحجة الظرف المؤقت والانتقالي. وإذا افترضنا حسن النيّة كما حاول الرئيس مرسي أن يعطي مثل هذا الانطباع في مقابلته التلفزيونية بُعيد اندلاع أحداث ميدان التحرير اعتراضاً على صدور الإعلان الدستوري، فإنه سيكون أقرب إلى السذاجة السياسية، وربما يعكس قلّة الحكمة بحكم ضعف وانعدام الخبرة والدراية الإدارية بشئون الحكم والدولة، فما كان يصلح لفترة من الزمن قد لا يصلح لغيرها وكلّها أمور غير مقبولة. وعلى أقل تقدير فهذه القراءة الخاطئة ستقود إلى نتائج ضارة قد لا تحمد عقباها، ولاسيما على الرئيس وتياره السياسي، فالماضي أصبح ماضياً ولا يمكن استعادته.

وحتى كتابة هذه السطور فإن الرئيس مرسي لم يتراجع عن قراراته وطلب من المعارضة الحوار، لكن لغة التصعيد اتخذت أبعاداً جديدة، بارتفاع منسوب العنف والتراشق السياسي وحملة الاعتقالات وغيرها، كما شهدت القاهرة ومدن أخرى تظاهرات حاشدة واجتماعات متنوّعة، بما فيها لنادي القضاة، حيث أعلن المستشار عبدالمجيد محمود رفض قرار إقالته وقرر التوجه إلى القضاء لحسم الأمر.

لم يخطر ببال كثيرين أن الرئيس مرسي سيتخذ مثل هذه الخطوة التي أعادت إلى الأذهان الصلاحيات الكبيرة التي تمتع بها الرؤساء السابقون، وخصوصاً أن الرئيس أدّى القسم على الاعلان الصادر في 11 أغسطس/ آب 2011، أي بعد انتخابه رئيساً في 30 يونيو/ حزيران، ولاسيما الفقرة الخاصة باحترام استقلال القضاء، الأمر الذي يعني بصدور الإعلان الجديد والخطوات التي اتخذها بإقالة النائب العام، نسفاً لأسس النظام الديمقراطي الوليد، وخصوصاً بمنح نفسه سلطات تجاوزت سلطات جميع الرؤساء السابقين، فضلاً عن جميع الدساتير والإعلانات الدستورية السابقة.

لعل قرارات الرئيس مرسي كانت أقرب إلى الضربة الاستباقية، فقد كانت المحكمة الدستورية تريد النظر في 2 ديسمبر/ كانون الأول في ثلاث قضايا: الأولى في شرعية منح سلطات لرئيس الجمهورية في الإعلان الدستوري الصادر في 11 أغسطس الماضي بعد انتخابه، والثانية احتمالات المطالبة بإلغاء الاعلان الدستوري وإعادة العمل بالاعلان الدستوري المكمّل الذي سبق للمجلس العسكري السابق أن أصدره (عشية الانتخابات الرئاسية وتحت ضغط مطالبة القوى السياسية المعارضة). أما الثالثة فكانت تدعو إلى إعادة النظر في بطلان الجمعية التأسيسية وعدم شرعية مجلس الشورى، وهو ما دفع بها إلى مناقشة بنود الدستور الجديد «المقترح» أن يتم الاستفتاء عليه قبل مناقشة موضوع شرعيتها.

وكان احتمال إصدار مثل هذه الفتاوى القانونية يعني إثارة أزمة دستورية وسياسية قد تعصف بالعملية السياسية وتؤدي إلى الإطاحة بالشرعية القائمة التي يمثلها مرسي نفسه، ولهذا حاول الرئيس الاسراع بتجهيز إعلان دستوري جديد يوضع ضمن مواصفات تحصّن «شرعيته» ضد السيناريوهات المحتملة، ويحمي نفسه إزاء أية مساءلات قادمة، لكنه لم يحسب حساب الشارع، ولاسيما أنه يتعامل مع ثورة لاتزال في حال الفوران ولم تهدأ بعد، ولاتزال تتجاذبها قوى مختلفة، ولم تحدّد بعد توجهها بحكم طبيعة القوى التي تمثلها.

وكان الرئيس مرسي قد تدرّج في الوصول إلى هذه الخطوة الاستباقية، ففي أغسطس الماضي استردّ سلطة التشريع من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الذي قاد البلاد خلال الفترة الانتقالية). ثم وضع يده على السلطة القضائية وأنهى دورها في الرقابة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وعند إصدار الاعلان، سعى لتحصين نفسه بأثر رجعي منذ توليه السلطة 30 يونيو/ حزيران 2012، الأمر الذي أثار ارتياب الحركة الوطنية والتيارات الشعبية والمدنية التي اعتبرت نفسها معارضة لحكم الاخوان وحزب الحرية والعدالة، بل واتهمته بمحاولة الاستدارة بالبلاد نحو الدكتاتورية السابقة.

ربما لم يفكّر الرئيس المصري أو سواه من الذين وصلوا إلى السلطة، أن زمن ما يسمى بالشرعية الثورية قد انتهى أو توقف أو أصبح في رحم الماضي، وخصوصاً حين انتهكت الثورات الدساتير التي سنّتها، بل أهدافها ومبادئها وتحوّلت إلى دكتاتوريات سافرة، الأمر الذي لا يمكن فيه التفكير بالعودة إلى الماضي واتباع الأحكام الاستثنائية والقرارات الثورية التي عرفتها مصر بعد ثورة يوليو/ تموز والتي كرست سلطات وصلاحيات تكاد تكون مطلقة للرؤساء.

فكيف يسمح حاكمٌ منتخبٌ ديمقراطياً أن تكون قراراته نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرّض بقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء، وتنقضي جميع الدعاوى المتعلّقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية؟ وكيف يكون من حقه تعيين النائب العام من دون المساس باستقلال القضاء؟

وإذا كان القضاء في الظروف الاعتيادية والسلمية إحدى دعامات النظام الديمقراطي، فإن البلاد ستكون بحاجة أشد إليه في فترة الانتقال والتحوّل حيث يضعف أو يتصدّع حكم القانون، وقد نسب إلى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عندما كانت لندن تدكّ بالقنابل أن سأل: وماذا عن القضاء؟ وعندما عرف أنه بخير علّق إذاً بريطانيا بخير، الأمر الذي يحتاج في الظروف العصيبة إلى عدالة انتقالية لكشف الحقيقة كاملة والمساءلة عمّا جرى، وليس بروح الانفلات أو الانتقام أو الثأر، وإنما بهدف جبر الضرر وتعويض الضحايا والتأسيس لإعادة بناء وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، بما يحول دون تكرار الانتهاكات والخروقات. ولهذا يصبح أي حديث عن حماية واحترام حقوق الإنسان من دون وجود قضاء مستقل مجرد سفسطة ودعاية سياسية.

إن التحدي الذي واجه الإعلان الدستوري لا يخص مصر وحدها، إنما يخص كل جماعات الإسلام السياسي، فهل يمكن تجاوز عقدة النظام الشمولي والاحتكام إلى الديمقراطية وقواعدها، أم أن الرغبة في الهيمنة واحتكار السلطة السياسية والاستئثار بها سيكون الهاجس الأكبر لقوى ظلّت مخلوعة ومقموعة على مدى سنوات؟

إن هذا السؤال سيواجه تونس واليمن وليبيا وسورية، إضافة إلى مصر وجميع البلدان التي شهدت ربيعاً عربياً أو ما يشبهه.

إقرأ أيضا لـ "عبدالحسين شعبان"

العدد 3745 - الجمعة 07 ديسمبر 2012م الموافق 23 محرم 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً