العدد 3745 - الجمعة 07 ديسمبر 2012م الموافق 23 محرم 1434هـ

الشعب يريد تدخين السجائر!

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

هزَّ تفجيرٌ إرهابيٌ مدينة بإحدى الدول العربية قبل سبعة أعوام. كانت الدماء تغسل أرصفة الجريمة، والغبار واطئ يحجب النظر. أشلاء اللحم البشري يفوح منه بخار الشِّواء، والناس في هرج ومرج، وقد تقطعت وتدلَّت ملابس الكثير منهم بفعل وَهَج النيران والشظايا الطيَّارة. الأرقام الرسمية حينها أشارت إلى أن التفجير خلَّف مئات القتلى والجرحى من المدنيين.

في أتون هذا الجو الرهيب، جَالَ مراسلٌ لإحدى القنوات الفضائية على المكان. صوَّر مسرح الجريمة، ولاحظ مشاهد الدَّم. ثم التقى بالمتجمهرين، الذين هالَهَم مشهد المأساة فلم يقدروا على قول شيء، حتى ظفِر بأحدهم فسأله عمَّا رأى. قال الشاهد كلاماً غريباً! قال: «لا يوجد شيء في هذا البلد! حتى السجائر غير موجودة! نريد أن ندخن سجائر»! فأشاح المصوّر بكاميرته عنه وانصرف.

لكم أن تتخيلوا، أن أحداً يأتي وسط بركة من الدماء، ليتحدث عن رغبته في التدخين! ربما ينظر البعض إلى هذا الموقف باستغراب لا حدَّ له، لكن هذا التعجب لا يكفي إذا ما وقفنا على حقيقة أن بعض البشر، وحين تتضخم لديهم الأنانية لا يرون في هذا الكون إلاّ أنفسهم. وربما كانت هذه الحالة، دالة أوليَّة على حالات أخرى، تتعاظم فيها الأنانية بأشكالها المختلفة. إنها مصيبة.

بالتأكيد، ليس الأمر متعلقاً بذلك الفرد، من ذلك البلد العربي، ولا هي سِمَة يتطبع بها ناسه، بقدر ما هي عاهة عربية أشمل وأوسع. فالعديد من الدول العربية هي منكوبةٌ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. جوعٌ وفقرٌ وقتلٌ وانتهاكاتٌ ومظالمُ رهيبة. لكن بعضاً من الأنانيين، لا يرى كلَّ ذلك، فتراه يدلف إلى الاستمتاع بالحياة، وهو يدوس على جثث الضحايا بقدميه ويتساءل: ماذا يجري؟ لماذا كلّ هذه الجَلبَة؟ إنها حقيقة الأنانية المشوبة بالبؤس والعبودية للذة وهموم المصلحة الذاتية، حتى ولو اقتات الأغيار من البشر القِدَّ وشربوا الطَّرق.

إذا لم تكن العناوين الكبيرة للإنسانية، كالعدالة واحترام حقوق الإنسان وحفظ الكرامة والعيش بحرية ومداراة الناس والدفاع عنهم مهما كانت أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، لا تستفز مشاعر البعض عند انتهاكها، فبأيّ العناوين التي يمكنها أن توخز مشاعرهم وتحرك لديهم الحِس الإنساني؟ هذه أنفس هامدة الأحاسيس، لا قلوب لها ولا أعين.

الحقائق والمنافع هي من الأشياء التي لا يمكن لأحد اختصارها في نفسه وعياله ومن يلُوْنَهُم في الدَّم والروح؛ لأن الأولى هي نسبية، والثانية عامة. فإذا حوَّلت النسبي إلى مطلق، والعام إلى خاص، تحوَّلت إلى ذات لا يحدها مكان، وكأنك إلهٌ معبودٌ، وهو ما ينافي العقل والمنطق والذوق تماماً.

مع شديد الأسف، فإن البعض لا يكتفي بـ «عدم المبالاة» بالآخرين، بل يتجاوزها نحو استطعام الكراهية ضد مَنْ يبالي للأشياء الكبيرة، التي استنكف الكثيرون من حملها، ومن ضمنها أولئك النفر من غير المبالين. وهي قمَّة الاستهتار، وعدم الوفاء، لأدنى المناقب التي جُبِلَ الإنسان عليها بالفطرة. إنهم لا يبالون، ويستكثرون على أصحاب الهِمَم أنهم يحملون هموم الوطن والناس.

عندما نتصفح التاريخ، نجد أن دولاً عديدة، وُجِدَ فيها مثل هذا الداء. والغريب، أن مَنْ كان يفعل ذلك، هم على شاكلتيْن غايةً في التناقض. الأولى: الطبقة الأرستقراطية والنبيلة، والثانية: هم المسحوقون الذين كانوا يعملون بنظام السُّخرة في البيوت الفارهة والحقول والغابات والبحار.

وقد لاحظ علماء الاجتماع والنفس، أن الشاكلة الأولى (الأرستقراطيين والنبلاء) كانت حياتهم المرفهة والناعمة، والعيش الرغيد، وفق نظام الامتيازات الذي توفره لهم الأنظمة التسلطية، هو الذي يدفعهم ويحرّك غرائزهم نحو المحافظة على ما بأيديهم من نِعَم وخيرات، وعدم القدرة على الإحساس بالفقراء، وبالتالي، كان الأمر بالنسبة إليهم محسوساً ومرئياً، ومفهوماً كذلك.

أما الطبقة الثانية، فقد كانت مظلومةً ومسحوقةً، وعلى رغم ذلك، فقد كانت طيِّعةً حتى في القسوة على نفسها، بقبولها ما هي عليه من ظلم متحقق! وكان التحليل المنطقي، أن الأشياء المحسوسة لدى هؤلاء، والتي من المفترض أن تنبههم إلى عدم القبول بها، قد تحوَّلت من محفزات إلى مثبطات، بحكم الاستعباد، وجعلهم يقبلون بالحياة بحد كفافها.

هذان الصنفان من البشر، عادةً ما يُوَلِّدُون مشكلةً اجتماعيةً داخل منظومة التطور الاجتماعي والسياسي، وخصوصاً للمشاريع التغييرية عند الشعوب النابهة والحيّة، المستندة إلى وعي الطبقة الوسطى، أو للتحولات الديمقراطية البطيئة، داخل القوى التنويرية الصاعدة.

والمشكلة التي لا يمكن ضبطها لاحقاً هنا، هي كيف يمكن لَجْم أي انفلات تجاه تلك الشريحة. وهي في الحقيقة ذات المشكلة التي عانت منها فرنسا خلال حقبة الإرهاب، وأيضاً خلال حرب التحرير الأميركية. وربما وُجِدَت عند الروس خلال حكم القياصرة، وعند الأيرلنديين، ودول إفريقية، اشتغل لديها حس الانتقام العرقي، بعد سنوات طويلة من سيطرة الأقلية البيضاء.

الدول، معنيةٌ بتوفير الثقافة السليمة لشعوبها، كي تساعد على اجتراح استقرار سياسي واجتماعي. ومادامت «الحياة مشكلة للحكيم وحلٌ للأحمق» كما قال الإمبراطور والفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس، فهذا يعني أننا في صراعٍ مع هذه الحياة، كي لا نجعلها حلاً سهلاً للحمقى ولغير المبالين، وفي الوقت نفسه لكي لا يعيش الحكماء فيها مشكلة لا تنتهي.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3745 - الجمعة 07 ديسمبر 2012م الموافق 23 محرم 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 10 | 2:43 ص

      علي نور

      تحياتي لك .. مقال مصيب مصوب فعلا.. فالامبالاه سمه الكثير عندنا في مجتمعنا
      الا تعتقد استاذ محمد انك كصحفي ايضا عندك حالة لا مبالاه فعلا؟؟ اينك مما يجري عندنا هنا في البحرين ؟؟ الايستحق منك بضع كلمات ؟؟ اينك مما يجري في غزة الا تستحق الحديث عنها ؟؟ اينك مما يجري للشعب السوري من قبل الصهاينة ؟؟ ام تراها لا مبالاه ؟؟ سوال برسم الكاتب

    • زائر 11 زائر 10 | 5:28 ص

      الاهتمام بثورة الشعب السوري العظيم يا علي نور

      ولماذا تعتبر ثورة الشعب السوري بأنها معاناة من الصهاينة وليس معاناة من نظام الأسد المجرم!؟ أليس هذه عدم مبالاة منك يا علي نور؟

    • زائر 12 زائر 10 | 3:47 م

      ظلم السوريون النظام والجماعات المسلحة

      الأخ علي نور لم يطلع كفاية على مقالات الكاتب، وهو صريح في ادانة نظام الأسد ولكنه صريح ايضاً في ادانة الجماعات الظلامية والتكفيرية وأنصار "اذبح" عل الهوية، ولايمكن أن تنظر عين إلى مايجري في سوريا ولاترى اصابع شيطانية من هنا وهناك تدس أنفها في الأزمة.. قد يكون الكاتب مقصرا بالنسبة للبحرين، ولكنه يتكلم عنها عن طريق التورية وبأسلوب.. اياك اعني..

    • زائر 9 | 1:50 ص

      اللهم الهمنا الصبر

      ما أسوأ أن يتخلى الإنسان عن إنسانيته ..

    • زائر 7 | 1:12 ص

      الفلول البائسة

      الفلول في مصر ينطبق عليهم مثل هذا الامر

    • زائر 6 | 1:07 ص

      الإنسانية في ذمة الله

      الظلم والإفتراء والنهب والتلفيق وأكل السحت والطائفية المقيته تقتل الذمم والإنسانية

    • زائر 5 | 12:41 ص

      الأنانية وعدم المبالاة

      هل تعتقد أستاذي الفاضل ان من اعتاد على صب القهوة وخدمة الأسياد ان يشعر بمعاناة الاخرين؟
      او من توارث مهنة الطبالة أبا عن جد ان يتحرك و يدافع عن حقوق أبناء وطنه ويضحي في سبيل ذلك بحياته ولقمة عيشه ؟
      لا يطالب بالحرية والكرامة الا الاحرار!!
      ولا يشعر بمعاناة الناس الا من يحمل مشاعر إنسانية !!

    • زائر 4 | 12:31 ص

      اللامبالاة

      قالوا من قبل بان اللامبالاة اكثر أمراض النفس استعصاء

    • زائر 3 | 11:43 م

      تحية

      مقالك رائع يا اخ محمد كما هي مقالاتك دائما رغم الاختلاف اتمنى لك التوفيق

    • زائر 2 | 11:41 م

      الإنسان والدين والدعوة الأنانية

      لا جنة إلا لي لا يوجد سليم العقيدة إلا انا خيرات الأرض خلقت لي وحدي وحق التصرف لي دون غيري لأنني المسلم الموحد الوحيد و يلقن جيل بعد جيل هذه الأفكار والعقيدة فتصبح انت المختلف عنه عنصر غريب في الحياة ينبغي بل يجب التخلص منه. فلا عجب ان تبرع أحدهم بتفجير مفخخة وسط بشر مختلفين معه

    • زائر 1 | 11:31 م

      اساتذ تعال لدوار السابع

      شوف نفس الناس غير مبالين ريسات وتقحص للساعه 4 الفجر والله علا ما اقول شهيد ولا توجد مبلاه للناس ولا روحهم والحكومه مي عاطيتنا وج من زمان و النائب البلدي في سبات عميق والمرور كل ما تتصل محد ارد والله تعال وشوف مهرجان عندهم الشباب

اقرأ ايضاً