جنون العظمة!

مريم الشروقي

كاتبة بحرينية

جنون العظمة مصيبة تفتك ببعض الناس، فيحسب نفسه خالدا مخلّدا مخوّل السلطة لا يطاله أحد، وللأسف جنون العظمة لا يصيب الاّ تلك النفوس الكارهة الحاقدة، التي لا تعرف طريقا للراحة النفسيّة، بل انّ راحتها في ايذاء الناس والتعالي عليهم، ففي داخل ذوات تلك النفوس الاحساس العظيم بأنّهم آلهة يُعبدون من دون الله!

وتجدهم في بعض الأحيان يعايرون الناس على ما صنعوه، وتحوم حولهم كلمة: «عطيتك، سويتك، سويت لك، اشتريت لك، أحسنت لك... الخ»، ونسوا أنّ الله خالق السماوات والأرض أعطى وسوّى وأحسن ولم «يعاير» عباده أبداً.

لجنون العظمة أسباب، فقد تكون الأسباب وراثية، وقد تكون نفسية، ونحن نركّز على العنصر النفسي اليوم، لشدّة المبتلى عند البعض لحبّهم لذواتهم وتعظيمهم لها، اذ يظنّون أنّهم وصلوا الى أعلى الأفق وامتلكوا كلّ شيء، ونسوا قول الشاعر:

اذا تمّ شيء بدا نقصه

ترقّب زوالا اذا قيل تمّ

وحتى نسهّل الموضوع عليكم فانّ لجنون العظمة أعراضا، تحتاج إلى معرفتها ودقّة تفاصيلها، ولكن أهمّ ما توصّلنا إليه في مجنون العظمة أنّه ثرثار أخرق، لا يعرف متى يتكلّم ومتى يصمت، ويعاند في الكبيرة والصغيرة، فقوله منزّه من الأخطاء والباقون قولهم في التراب.

مسكينٌ هو ذاك الذي نقصده، فأنفه مرفوع على الناس، ومتعالٍ دائماً أمامهم، ومشيته شبيهةٌ بمشية الطاووس، وهناك من يصدّق «نفخته» و «كشخته»، ويتبعه في كل صغيرة كبيرة، ولكن هناك من يرون بقلوبهم وبعقولهم فلا يغرّنهم هذا «المتبختر»، لأنّه هش وضعيف، ولا يستطيع المجابهة دون أتباعه!

ولعلاج مريض جنون العظمة فانّنا نحتاج الى هزّه بطريقة حضارية، فهو أقل من الجميع، وان حاول بماله وجاهه تمثيل العكس. وهو أضعف من الجميع كذلك، لأنّه دائماً مستقوٍ على البشر بمن حوله، فمعيار الرجولة عنده بهؤلاء الذين ينافقونه طمعاً في ماله أو جاهه.

ولابد لنا من الحذر في التعامل مع مجنون العظمة، فقد يدمّر نفسه ومن حوله من دون أن يشعر بعظم الدمار، ولا تهمّه الخسارة أبداً. فهو يظن أنّه ناجح لا محالة، وفائز على الجميع لا خلاف في ذلك، وينسى ويتناسى أنّه مجرّد بشر لا أكثر ولا أقل، وانّه سيعود في يوم من الأيام الى التراب، من دون جنون عظمته ولا ماله ولا جاهه! وجمعة مباركة.

العدد 3772 - الجمعة 04 يناير 2013م الموافق 21 صفر 1434هـ

التعليقات (15)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم