العدد 3943 - الأحد 23 يونيو 2013م الموافق 14 شعبان 1434هـ

الوطن: أفق... بتعريف بسيط أيضاً: أن تفرح

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

حين تتحوَّل الأوطان إلى سجون مُغلقة على الاستفراد والانتهاكات والتعذيب واستلال الأرواح، يتخذ الذين في الخارج، الشوارع والميادين أوطاناً وبيوتاً لهم؛ ليسمعوا صوتهم للذي ينتشي ويتلذّذ ويشعر بنصْر استثنائي بكل تلك الممارسات التي لا أفق يدل على نهاية لها.

حين يكون الاستبداد هو السِمَة الغالبة في التعاطي مع البشر؛ وخصوصاً في النظر إليهم بنَفَس تمييزي عنصري، وشطبهم من معادلة الوجود وتكوينات الوطن، من العبث والاستغفال الرديء أن يُطالبوا بالانحناء للعلم والوقوف صمتاً أمام النشيد الوطني؛ أو الحديث عن ولاء يتم تحديده وحصْره في أشخاص؛ بعيداً من الوطن وحقيقته، والحقوق التي لا أثر يدلّ عليها، والواجبات التي تهطل عليك كالأجل من دون شيء يقابلها.

***

الوطن: أفق. ذلك ما يذهب به خيالنا والواقع أيضاً. الأوطان التي بلا أفق يتحرك فيه الإنسان، ويمارس فيه وعبره حقوقاً لا أحد يدّعي أنه وهبها إيّاه، لا تختلف كثيراً عن إقامة في معتقل فيه ما فيه من مراحل ودرجات ما قبل الموت؛ أو إقامة جبْرية في المنزل؛ أو إقامة في قبر. كل ذلك سواء بانعدام الأفق، وبانعدام ممارسة الإنسان للدور الذي يجب أن ينهض به: تحصين الحياة مما يُفسْدها، ورفْدها بما يرتقي بها ويراكم مكتسباتها.

***

حين يذهب المفكّر العربي الراحل من أصول فلسطينية، الأميركي الجنسية، إدوارد سعيد إلى أن «في فكرة الوطن مبالغة»، وفي فكرة «أرض الوطن» كثيرٌ من العاطفية بشكل لا يروق لي البتّة»؛ إنما يتحدّث بمجاز عن حال سَعَة. أن يكون الوطن بخير وكله آفاق؛ أو أن تكون أنت على قدْر من مواجهة كل مضطرب ومعوجّ ومتهالك فيه؛ مهما استحكم القيد والحصار من حولك. تتجوّل في روحك وخياراتك وقدرتك على المواجهة، وإن كان خلاف ذلك، وطناً جامعاً مُحفّزاً على الخلق والإبداع، والإنسان على رأس رأس أولوياته؛ تتركه سياحةً وتجوالاً في بلاد الله وهو لا يعاني اضطراباً أو خللاً في التصالح مع بشره؛ لذا يوضح بعد كل ذلك: «التجوال هو ما أفضّل فعله في الحياة». تفضيل يأتي عن سعة أفق. بتوافر أفق لا انعدامه. الأوطان التي بلا أفق لن تتيح لك التحرّك حتى في مساحة دورة المياه الخاصة بك من دون مراقبة تتعدّد صورها ووسائلها وطرق دسّها للوصول إليك وإلى تفاصيلك. فلا يحدّثننا أحد عن التجوال خارج أوطان لا تخجل من تذكيرك (تهديداً) بأن وثيقة سفرك «على نفقة الدولة»!

***

لاحظوا، الأماكن التي ترعرعتم فيها، لم تعد هي الأماكن نفسها في الأوطان التي فتحتم عيونكم عليها منذ الصرخة الأولى إلى اليوم؛ ليس بفعل زحف عمراني؛ بل بفعل زحف بشري هو بمثابة الندوب على هذه الأرض وفي أرواحكم.

بشرٌ لا علاقة لهم بجغرافية هذه الأوطان. لا نتحدّث عن الذين دفع بهم الفقر للبحث عن جهات تحفظ لهم بعض كرامة وشيئاً من أبسط لوازم الحياة كخلق الله؛ بل عن أولئك الذين يتم جلبهم في مآزق ومخططات ومؤامرات؛ بحثاً عن «حلول» هي بمثابة براميل من بارود لن تستثني أحداً على المديين القريب والبعيد. عن الذين يستوطنون المكان ليكونوا جزءاً من آلة البطش والقهر ومحاصرة ما تبقى من فضاءات. عن الذين يتحوّلون إلى مواطنين بالاكتساب؛ فيما مواطنو الأرض، امتداداً وتجذّراً وانتماء دون الهامش، عرْضة للاستهداف والقنْص والتضييق في الرزق، ومحاربة وصولهم إلى الأدنى من حقهم في الحياة.

عن الذين يتم شحنهم بالغلّ والتاريخ المصطنع لمواجهة أعداء لم يلتقوا بهم، وعليهم أن ينهوا المهمّة كما أنهيت مهمات جلبهم من البيئات التي لا تخلو من تخلف وعُقد وأشياء أخرى أيضاً!

***

أكثر ما يعانيه البشر اليوم، أن تتحوّل أوطانهم إلى قبور. تحوّل الأوطان إلى قبور يشير إلى موتى وليس إلى أحياء. الحياة نفسها تصاب في مقتل. لا معنى لها بعيداً من بشر الأوطان وحياة تلك الأوطان. ثم ما هي الأوطان في معزل عن بشرها؟ بشرها الذين هم جزءٌ من رائحة ترابها ولون سمائها وطقسها؛ مهما كان جهنميّاً وباعثاً على التذمّر في الضيق والسَعة. جزء من معنى وجودهم في مجمله.

الوطن ليس شيئاً. هو ذلك المعنى الذي يفسد ويتخلخل بالتفسير والتعريف ومحاولة تأطيره في وثيقة سفر، أو انتماء لأشخاص لا يبقون للأبد، بينما الوطن باقٍ. بشر الوطن باقون. باقون بقدرتهم على تحويل الأفق المستحيل إلى واقع يُلمس باليد، ولذلك ضريبته... ضريبته الفادحة!

والأوطان في تعريف بسيط، بساطة بشره: هي أن تفرح. غياب الفرح يُنقص من الأوطان الشيء الكثير. البشر أنفسهم يشعرون أن نقصاً ما ينتابهم بغياب ذلك الفرح.

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3943 - الأحد 23 يونيو 2013م الموافق 14 شعبان 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 11:08 ص

      حب الوطن من الايمان

      ترحيل الابرياء قصرا يعتير قساوه لانه مشابه لخطف طفل صغير من حضن امه اليست الوطن هي الام للمواطنيين لمن عشق تراب واهل البحرين كيف يثبت لهؤلاء حب الوطن اذا كان في اختلاف الراي او المنهج المختلف فعلى الدنيا السلام والسلام لكاتبنا العزيز

اقرأ ايضاً