العدد 4053 - الجمعة 11 أكتوبر 2013م الموافق 06 ذي الحجة 1434هـ

شعبية التطرف

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

تحدثَ رجل دينٍ يهودي، في أحد دروسه الدينية قبل ثلاثة عشر عاماً فقال: «العرب صراصير يجب قتلهم وإبادتهم جميعاً. إنهم أسوأ من الأفاعي السامة». وبعد أربع سنوات من ذلك التصريح، قال في محفل آخر، نقلته بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية: «اليهودي عندما يقتل مسلماً فكأنما قَتَلَ ثعباناً أو دودة».

بعد ذلك بعام، وعندما قرَّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون الانسحاب من قطاع غزة من طرف واحد، خَطَبَ ذلك الرجل فقال: «فليقض الله عليه (أي بالموت على أرئيل شارون) إنه يعذب شعب إسرائيل». ثم دعا على الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الإبن لدعمه خطة شارون في الانسحاب من غزة.

قبل أيام من الآن، وبالتحديد في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، توفي ذلك الرجل. إنه الحاخام الإسرائيلي المزراحي (يهودي شرقي) الحريدي (يهودي أرثوذوكسي متشدد) عوفاديا يوسف، والأب الروحي لحركة «شاس» اليمينية المتشددة، عن عمر ناهَزَ الثالثة والتسعين عاماً، كما أعلِنَ في مستشفى هداسا عين كارم بـ «إسرائيل».

المهم من كل ذلك، أن جنازة الحاخام عوفاديا يوسف شارَكَ فيها ثمانمئة ألف إسرائيلي! لكم أن تتخيَّلوا ذلك! وإذا ما عرفنا أن عدد مَنْ يسكنون «إسرائيل» هم ثمانية ملايين، بينهم مليون ونصف المليون عربي، فهذا يعني أن هناك ستة ملايين ونصف يهودي يسكنونها. بمعنى أن 12.3 بالمئة من سكان «إسرائيل» شاركوا في تلك الجنازة، لذا فقد عُدَّت أكبر جنازة في تاريخ «إسرائيل»، حيث فاقت حتى جنازة مؤسس الدولة العبرية، بن غوريون الذي توفي في الحادي من ديسمبر/ كانون الأول من العام 1973!

هنا، حديث لازمٌ عن صورة التطرف. فعندما يُصبح شخص، على شاكلة عوفاديا يوسف، له من الفتاوى الدينية المتطرفة، بحق العرب والمسلمين، بل وبحق الأغيار كلهم داخل «إسرائيل»، رمزاً مقدساً، ثم يُؤبَّن بهذه الطريقة الجماهيرية الضخمة، فهذا يعني أن التطرف انتقل من كونه شذوذاً، إلى كونه قاعدة. وهذا الأمر في حقيقته يُشكل خطورة، كون التطرف أصبحَ مُجَازاً في «إسرائيل»، بل ومترسخاً على مستوى رئاسة الوزراء (بنيامين نتنياهو) وعبر الشارع اليهودي نفسه، الذي يحكم صناديق الاقتراع.

بل إن جميع قادة «إسرائيل» الدينيين، كانوا يحجُّون إلى حيث عوفاديا يوسف، لكسب ودِّه وتأييده، كان آخرها ما فعله نتنياهو ذاته، عندما أرسل إليه، طلباً في مباركته للقيام بضربة عسكرية ضد إيران، وتعطيل منشآتها النووية، وأهدافاً عسكرية أخرى.

مع شديد الأسف، فإن كثيراً من المجتمعات (والدول أيضاً)، تعتقد أنها قادرة على توظيف «التطرف» للدفاع عن القضية العامة لها، بحيث يكون مدماكاً تقبله المعركة كيفما اتفق، ما دام الخصم مشتركاً، لكن الحقيقة ليست كذلك. فالتطرف يُمكنه أن يضرب الخصم، ولكن ضربه ما يلبث أن يُصبح مزدوجاً، وفي عدة اتجاهات. والدلائل أمامنا كثيرة، وحصلت في أوروبا والشرق والشرق الأوسط، منذ بداية القرن الماضي ولغاية الساعة.

التطرف لم يؤمِن أبداً بالأولويات، ولا يؤمن بالمنظومات الوطنية الشاملة، التي يُمكنه أن يتكامل معها، بل هو سلوك منفلت في بُنيَتِه. لذا، فقد يقوم التطرف بإعادة تفسير الوطنية بصورة مجنونة، بحيث يراها وطنية زائفة وخانعة يجب إزالتها، هي بشخوصها حتى، والإتيان بنمط جديد يحاكي تطرفه، كما فعلت النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا واليابان وإسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي.

وقد جرَّبت «إسرائيل» مثل ذلك أيضاً، حين قُتِلَ رئيس وزرائها إسحق رابين، على يد متطرف يهودي في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1995. ومن المفارقة هنا حقاً، أن نكتشف بأن المجتمع الإسرائيلي في العام 2013، حيث تفصل ذاكرته عن الحرب الشاملة مع العرب زهاء الأربعين سنة، منذ انتهاء حرب أكتوبر، ما يعني لِزام ارتباطه بالحالة المدنية والسلمية أكثر، إلاَّ أنه يزداد تطرفاً وعنفاً كما نرى. بل إن عوفاديا نفسه، كان مؤيداً لمبدأ الأرض مقابل السلام في الثمانينيات، أي في أتون الذاكرة الإسرائيلية الموغِلَة في الحروب، قبل أن تتحوَّل رؤاه إلى أقصى اليمين.

كيف يمكن لذلك المجتمع أن يدفع بإقالة شارون كوزير دفاع، بعد مجزرة شاتيلا، ويُجبر حكومته على تشكيل لجنة تحقيق، واليوم لا يستطيع إلاَّ أن يتمثل جزءٌ كبيرٌ منه في ثقافة عوفاديا يوسف المتطرفة؟ هذا أمر غريب فعلاً، ويحتاج إلى تفكيك اجتماعي جاد، يمكن أن نقرأه من هذه الجنبة.

فباعتقادي، أن لمشكلة الهوية لدى «إسرائيل» دوراً مهماً في عدم حسم موقع التطرف من المجتمع الإسرائيلي. فما بين الإصرار على أن «إسرائيل» دولة علمانية، وفي الوقت نفسه دولة يهودية لا تقبل بغير اليهود فيها، وأيضاً دولة تعددية، لكنها تفصل فصلاً شديداً في مسألة الاشكيناز والسفرديم، وبين اليهود والعرب، دور مهم في أن يغيب عنها الاستقرار الاجتماعي والسياسي، والأهم، أنه يجعلها بلا مرجعيات وطنية، ولا نهايات أخلاقية وقيمية متفق عليها لكيانها السياسي والاجتماعي.

إن غياب الانسجام في الهوية، وابتعاد التفسيرات عن قواعد فهم النصِّ الوطني الجامع، يؤدي عادةً إلى تفسخ سياسي واجتماعي خطير. بالتأكيد، فإن ذلك ليس خاضعاً للمسألة الديمقراطية، بل هو يتعلق بما قبل الديمقراطية، وبأساسيات الاجتماع. إنه متعلق بالرباط الأعلى للمفاهيم، المتجاوزة لكل البرامج السياسية القابلة للتجريح.

وما دامت «إسرائيل» تعض بالنواجذ على تلك الصور المتناقضة فإن التطرف سيبقى ملازماً لها.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4053 - الجمعة 11 أكتوبر 2013م الموافق 06 ذي الحجة 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 3:49 ص

      تزوير

      الصهاينة متطرفين و متشددين صانعي الفتن و التفرقة بين الشعوب العربية و الاسلامية تاريخهم مصطنع و مزور الاوربيون مهدوا لهم ارض فلسطين لاحتلالها و للتخلص منهم و الصهانية اختارو فلسطين لموقعها الاستراتيجي و لثرواتها الطبيعية الاسرائيليين مجرمين متطرفين و جرائمهم كثيرة و جريمة مجزرة صبرا و شاتيلا ستبقى و صمة عار في الصهاينة و المقبور شارون 16 9 1982 #لبنان #فلسطين

    • زائر 3 | 3:16 ص

      التطرف مرض الطفولة كما قيل

      التطرف مرض الطفولة كما قيل

    • زائر 2 | 1:28 ص

      ليس هناك اسرائيل

      بل يهود اشكنازيم وسفارديم،يعيشون في العالم كغيرهم من الأديان....تحويل الدين إلى دولة تجمعهم،واغتصاب فلسطين بأية ذريعة،حتى بكذبة الهيكل لن يكون مآللها إلا الفشل،لهذا نرى التخبط والتعصب في اتخاذ المنحى......اسرائيل زائلة لأن تدميرها سيكون منها واليها ومن داخلها لا خارجها.....أما اليهود سواء كانوا اعرابا أم اعجاما فلهم حق كغيرهم من بشر،فهم ليسوا في موضع أدنى أو أقصى،أما الصرصور فهو تحت التراب تأكله صراصير الأرض المتطرفة مثله.

    • زائر 1 | 12:51 ص

      وهل يمكنني ان اقول انا من طائفة معينة في كل مكان

      سيقال انت عميل انت من اذناب ايران انت اوسخ من اليهود وتعبد الحجر وتستحق القتل !!!!

اقرأ ايضاً