العدد 4127 - الثلثاء 24 ديسمبر 2013م الموافق 21 صفر 1435هـ

الصراع العربي الصهيوني... كيف استبدل بصراع مذهبي بغيض؟!

سلمان سالم comments [at] alwasatnews.com

نائب برلماني سابق عن كتلة الوفاق

منذ أكثر من ستين عاماً والقضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وحيثياتها الدقيقة تهيمن على الثقافة العربية والإسلامية، ولم تستطع أية قضية سياسية أن تأخذ العقل العربي والإسلامي بعيداً عن قضية القدس.

قبل يوم 19 نوفمبر من العام 1977 كانت الهموم والقضايا السياسية في عالمنا العربي والإسلامي تتصاغر أمام قضية فلسطين، وهو اليوم الذي زار فيه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات القدس، وهي خطوة لم تكن تخطر ببال أحد من الشعوب العربية والإسلامية، ولم تكن تتقبل طرح فكرة التفاوض مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض الأنبياء والمقدسات، فكيف تقبل بزيارة رئيس أكبر دولة عربية إلى فلسطين المحتلة.

لم يستطع أحد من المراقبين في ذلك اليوم وصف مستوى الذهول والصدمة التي أصابت الشعوب العربية والإسلامية وهم يشاهدون تفاصيل الزيارة على شاشات التلفاز. منذ ذلك اليوم بدأت الشعوب العربية والإسلامية تنقسم على نفسها، بين التخندق خلف ثقافة الرفض والمواجهة لكل الأفكار التي تنادي بالتفاوض مع الكيان المحتل، وبين ثقافة الجلوس على مائدة التفاوض مع العدو الصهيوني، وبدأت الحرب الإعلامية تشتعل بين الطرفين. وأخذت الاتهامات المتبادلة تتصاعد بينهما، فالطرف الأول يتهم الثاني بالخيانة، والطرف الثاني يتهم الأول بالتهور والمغامرات غير المحسوبة العواقب. وفي السنوات الثلاث الأخيرة خصوصاً، تحوّل الصراع من عربي صهيوني إلى صراع بين مذاهب وتيارات إسلامية، واختلط الحابل بالنابل كما يقولون، وزاد الهرج والمرج في أوساط العرب والمسلمين، وأصبح السلفي يشن الحروب الضارية على أخيه الأخواني تارةً، وعلى أخيه الصوفي تارة ثانية، وعلى أخيه الشيعي تارة ثالثة، وعلى أخيه العلوي والأباضي والزيدي والاسماعيلي تارات أخرى... بحجة أنه يقاتلهم على التوحيد، وأصبحوا جميعهم يقفون ضد أفكاره بحجة أنه يكفرهم ويخرجهم من الإسلام، حتى أصبح عنده الجهاد لتحرير فلسطين والقدس الشريف غير لازم شرعاً، وقتال الأخوة من الضروريات الشرعية. وانتشرت ثقافة قتل وذبح المسلم لإخوته في الدين والعقيدة من الأبرياء من العرب والمسلمين، من أفضل الجهاد الذي يدخل من يقوم به إلى الجنة من غير حساب والفوز بالمقام المحمود مع الرسول الأكرم (ص).

وأصبح العالم العربي والإسلامي يعيش في طواحين الحروب المدمرة، التي تأكل الأخضر واليابس وتشرد الناس الآمنين عن مدنهم وقراهم، وجعلهم فريسة لكل مستغل وطامع من الذئاب البشرية، وجعلوا الشتاء يقتلهم ببرده، والصيف يحرق جلودهم بحرارته الشديدة، وسماسرة الحروب يعيشون في الفنادق الفاخرة ويتنقلون من بلد إلى آخر، ليتجاروا بفقرهم وحاجتهم الضرورية، ويقبضون نيابة عنهم ملايين الدولارات ليجعلوها في حساباتهم الخاصة، ويتركوهم يصارعون الحياة القاسية لوحدهم. وقد جعلوا بفعلهم الشنيع الكيان الصهيوني يعيش في أمن وأمان لم يعشه طوال صراعه مع العرب والمسلمين. فلهذا نجده فرحاً مسروراً على حالنا المأساوي الذي وفر عليه دخول الحروب وتقديم الضحايا وبذل الأموال والجهود. كل ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي بسبب التشكيك في عقائد بعضهم البعض، وضعف وعيهم بمتطلبات الرسالة المحمدية وعدم اكتراثهم بعواقب الأمور. فأي حجة لديهم أمام قول الله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا» (آل عمران: 103) وماذا سيقولون للنبي الخاتم (ص) الذي غضب على المسلم الذي قام بقتل الإعرابي في الصحراء بحجة أنه كان يتظاهر بالإسلام، وقال كلمته المشهورة التي ماتزال تدوّي في آذان المسلمين «هل شققت عن قلبه»؟ فكيف سيكون حالك يا رسول الله، يا من بعثك الله رحمة للعالمين، لو رأيت حال أمتك وهي تقتل نفسها ويسيل الدم بينها، وتزهق فيها الأرواح البريئة؟

لاشك أن ما نحن فيه من مآسٍ يؤلمه كثيراص ويزيد همه علينا، ولا ريب أنه (ص) يحمّل المسئولية كاملة يوم الفزع الأكبر، كل من جرّ أمته إلى الاقتتال والاحتراب وسفك الدماء وهتك الأعراض ونهب الممتلكات الخاصة والعامة بقصد أو من دون قصد. اللهم ارحم أمة نبيك باعتصامها بحبلك المتين، واجعل بينهم التراحم والمودة وانزع من قلوبهم العداوة والبغضاء وسوء الفهم والظن، واجعلهم خير أمة أخرجت للناس... إنك على كل شيء قدير.

إقرأ أيضا لـ "سلمان سالم"

العدد 4127 - الثلثاء 24 ديسمبر 2013م الموافق 21 صفر 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً