العدد 4161 - الإثنين 27 يناير 2014م الموافق 26 ربيع الاول 1435هـ

هل تكون الثالثة ثابتة؟

محمود القصاب comments [at] alwasatnews.com

.

بعيداً عن التوقعات أو التكهنات، وبعيداً عن أسلوب الرجم بالغيب، لا أعتقد أن هناك اثنين في هذا البلد يختلفان على أن العام الماضي كان بالنسبة إلى أوضاعنا السياسية والاجتماعية والأمنية، كان عاماً مثقلاً بالأحداث والتطورات السلبية؛ وأن الجوانب الأمنية كانت تمثل الركن الأساس في هذه التطورات.

وكذلك لا أظن أن هناك من يعتقد أو يرى أن العقلية الأمنية قد استطاعت أن تسهم أو تساعد على فتح آفاق أية تسوية سياسية للأزمة التي تعصف بالبلاد منذ ثلاثة أعوام، وذلك راجعٌ بالأساس إلى أن هذه العقلية لا تمتلك أفقاً سياسياً جامعاً، لذلك بقي الوضع السياسي يعاني حالةً من الجمود والشلل، والدوران في ذات الحلقة المفرغة، وبالتالي استمرار القضايا والملفات التي كانت وراء تفجر الأزمة سواءً ما تعلق منها بقضايا الإصلاح السياسي والدستوري، أو تلك المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان، إضافةً إلى الملفات الأخرى الخاصة بقضايا الفساد والتمييز والتجنيس السياسي ونزاهة القضاء، وهو وضع كما نرى في حالة استمراره وتراكم تداعياته وإفرازاته السلبية، يحمل في طياته قلقاً كبيراً على مستقبل بلدنا، خصوصاً في ظل وجود حالة من التعبئة غير المسبوقة من الشحن السياسي ووطأة الاستقطابات الطائفية، سواءً المتولدة من النزاعات السياسية الداخلية، أو تلك الفائضة من صراعات المنطقة.

لكل هذه الأسباب والمعطيات، فإننا نرى أن العام الحالي سيكون محمّلاً بتركة ثقيلة تحتاج إلى جهود استثنائية وعاجلة، بعد أن أصبح بلدنا أمام منعطف خطير، قد ينزلق معه (لا قدر الله) إلى مواقع أكثر اضطراباً، سياسياً وأمنياً واجتماعياً، لتتعمق معها حالة الاستنزاف التي بات يعاني منها على مختلف المستويات. الأمر الذي يؤكد قسوة الواقع الراهن، وحجم المرارات التي تثقل كاهل المواطن وتصيب وجدانه وضميره، وفي المقدمة منها ذلك الشرخ الخطير الذي أصاب النسيج الوطني، ويهدّد وحدتنا الوطنية، بعد أن طفحت التوترات المذهبية على السطح، مرتدية ألبسة وأقنعة مختلفة، وصار من المؤكد أن مثل هذه الانقسامات والتوترات لم تعد تكفي معها الخطب والمواعظ الأخلاقية مهما صدقت نوايا أصحابها، إنما علاجها يبدأ بخلق معطيات سياسية واجتماعية جديدة تصحح الاختلال في موازين القوى بين مكونات المجتمع، وهو اختلال مزمن للأسف وينطوي على تراكم من مشاعر الغبن والظلم وغياب الحد الأدنى من العدالة والمواطنة المتساوية، إضافةً إلى تهميش واستبعاد الكثير من الكفاءات الوطنية لدوافع سياسية أو طائفية، الأمر الذي يستدعي إعادة الاعتبار إلى كل هذه الكفاءات والطاقات المعطلة، والعمل في اتجاه إعادة صهرها في بوتقة وطنية جامعة.

إننا هنا نبحث عن بارقة أمل – ولو ضئيلة – وسط هذه العتمة السوداء، ومن بين هذه الخلافات المستفحلة بين القوى السياسية والمجتمعية أمل في أن نرى بلدنا وقد وضع أقدامه على «سكة» الاستقرار والأمان والاطمئنان عند كل المواطنين، ومغادرة حالة الاضطراب والقلق والعنف التي يغرق فيها يوماً بعد آخر، وهو ما يجعلنا نتساءل بحرقة عن أي وطن ينتظرنا في المستقبل المنظور، إذا ما استمر حبل الأحقاد الطائفية متروكاً على غاربه؟

ليس لسكة الأمان والاستقرار التي نتحدث عنها هنا سوى اتجاه واحد فقط، وهو تعديل بوصلة المواقف وتصحيح مسار السياسات الراهنة، وانتهاج طريق الحق والعدل، وطريق الحكمة والاعتدال، بدل طريق الظلم والتسلط والقهر، أو طريق العناد والتصلب، الذي يجعل المواطن يغرق في يأسه وقلقه وهو يرى مطالبه في الحرية والكرامة والعيش الكريم، ويرى أحلامه بمستقبل أفضل تنهار وتتحطم تحت معاول الاستبداد والكراهية والانتقام.

ولا يجب أن يفهم من هذا القول بأننا نقف بالضد من استقرار وأمن بلدنا، إنما الذي نرفضه هو تغليب الجوانب الأمنية التي تستبعد وتطرد الجوانب الأخرى المتعلقة بالحريات والحقوق، وتتجاوز كل المحظورات والمحرمات، مثل استمرار حملات الاعتقال العشوائية ومداهمة البيوت، دون أذونات قضائية، وتصاعد وتيرة المحاكمات وقسوة الأحكام التي تصدر عنها، ناهيك عن غيرها من الإجراءات والقرارات التي يفترض أن قيم ومبادئ حقوق الانسان لا تسمح بها وتحرمها، بل وتدعو إلى محاسبة مرتكبيها.

إن كل هذه المخاطر التي تتجمع نذرها في سماء بلدنا يجب أن تكون دافعاً لجميع القوى والأطراف للسير في اتجاه المصالحات السياسية والتوافقات الاجتماعية، وهي اليوم مع انطلاق جولة جديدة للحوار على يد سمو ولي العهد تكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة بسبب طبيعة الظروف الخطيرة والاستثنائية التي تمر بها منطقتنا، قبل أن تجد السلطة والقوى السياسية والمجتمعية أن «الفتق قد اتسع على الراتق» كما يقال، وتجد نفسها مضطرة إلى قبول نقل الداخل إلى الخارج، أو نقل الخارج إلى الداخل –لا فرق – المهم أن يدرك الجميع انه ليس هناك حلول دون تنازلات متبادلة من كافة الأطراف، بالأخص السلطة السياسية، للوصول إلى توافقات وطنية شاملة وعادلة عبر مفاوضات جادة وعملية بعيداً عن أي مماطلة أو تسويف. مفاوضات تقوم على أساس معادلات ومواصفات جديدة غير تلك التي حكمت الحوارات الفاشلة السابقة، بعد أن اقتنع وتأكد الجميع من عجزها وعقمها، واستحالة قدرتها على إنتاج أية تسوية سياسية، وبالتالي التيقن من صحة ما كانت تطالب وتدعو إليه القوى الوطنية الديمقراطية المعارضة.

نحن اليوم أمام فرصة جديدة، من أجل أن تعيد السلطات الرسمية والقوى الموالية النظر في مواقفها وحساباتها الخاطئة، وأن تتخلى بصورة نهائية عن فكرة أو إمكانية استئناف أو التئام جلسات الحوار مرةً أخرى بذات المنهجية السابقة، الأمر الذي يتطلب تغيير مسار الحوار ليكون قادراً على إحداث اختراق مهم يزيل معه الجمود والحواجز بين جميع الأطراف المشاركة، وإعادة بناء الثقة المفقودة.

ولاشك أن بناء هذه الثقة تبدأ من تحديد مسئولية كل طرف، وخصوصاً السلطة السياسية التي عليها أن توفر البيئة السياسية والأمنية والإعلامية المساندة للحوار. فالقوى المعارضة تقدّمت بالعديد من المبادرات والمقترحات المتوازنة والعملية، مثل اعتماد أسلوب المسارات الثنائية ورفع مستوى تمثيل الحكم، والتمثيل المتكافئ للقوى السياسية، ووضع خارطة طريق واضحة المعالم، والبنود. وقبل ذلك تقدّمت بمشروعها السياسي القائم على أسس سليمة ومرتكزات ديمقراطية، وصولاً إلى تحقيق العدالة والمساواة والشراكة الوطنية وتكريس مبدأ التوازن في كافة مؤسسات الدولة، مع توفير الضمانات والاطمئنان للجميع وتهدئة المخاوف التي تنتاب البعض، من التغيير والإصلاحات السياسية التي لا مفر منها.

لقد كان الفشل والإخفاق عنوان الحوارات السابقة، في المرة الأولى والثانية، ترى هل نحسن التصرف وننجح هذه المرة؟ إنه الأمل الذي يتطلع إليه ويرجوه شعبنا. وعلينا أن لا نخدعه أو نخذله هذه المرة أيضاً... ولتكن الثالثة ثابتة.

إقرأ أيضا لـ "محمود القصاب"

العدد 4161 - الإثنين 27 يناير 2014م الموافق 26 ربيع الاول 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 1:22 م

      لامتغير ايجابي في المقدمات لينتج عنه مخرجات ايجابية ولو تكرر هذا الطرح الفاشل العقيم مائة مرة

      لاشئ جديد في المقدمات بل كل ما هو موجود يسير بصورة سيئة جدا ولا شئ جديد في المقدمات يلتمس منه المخرج من هذا النفق المظلم للمرة الثالثة او العاشرة او المائة انما هناك وجود حالة متكررة من الطرح الفاشل القيم بدون مقدمات ايجابية فكيف يتاتي النجاح لمخرجاتها انما هذا شئ محال ، انها فرقعات هوائية ناتجة من الضغط الدولي والحقوقي والاممي والوضع الاقتصادي المزري التى وصلت اليه هذه البلد المنكوب، بما يسمى بلغة المال والاقتصاد DEAD CAT BOUNCE !!!!!!!

اقرأ ايضاً