العدد 4170 - الأربعاء 05 فبراير 2014م الموافق 05 ربيع الثاني 1435هـ

عريسٌ سُنِّي وعروسٌ شيعية وعاقِدٌ إباضي

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قبل أيام، شاهدتُ مقطعاً مُصوّراً لمراسم عقد زواجٍ في عُمان، يتحلَّق فيه جمعٌ من الناس حول بعضهم. مَنْ بَعَثَه لي، ذَيَّل الرسالة بالقول أن العريسَ سُنِّي، والعروس شيعية، والعاقِد لذلك الزواج (كما يظهر في المقطع) هو المفتي العام لسلطنة عُمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وهو أحد كبار علماء الدين المسلمين، المشهود لهم بالعلم والاعتدال والتواضع، وتؤول إليه زعامة المدرسة الإباضية في عالم اليوم.

سألتُ بعدها أخاً من عُمان بشأن المقطع المتداول، وكيف أنه أصبح يُتندَّر به لفرادته عند كثيرين، فقال لي، بأن ما رأيتَهُ لا يُعتبر أمراً غريباً في عُمان، فنحن لا ننظر لهذه الفروقات المذهبية. فقريبي (إباضي) مُتزوّج من سُنيَّة. وهناك سُنِّي من محافظة، مُتزوجٌ فتاةً شيعيةً من محافظة أخرى. ويضيف: قبل يومين، حضرتُ زواجاً لأخ لي وهو إباضي متزوِّج من فتاة سُنيَّة. أسعدني ذلك التأكيد، وأعطاني أملاً أن عالمنا العربي والإسلامي لايزال يمتلك النموذج الجيد للتعايش والتصاهر.

لكن، أمام ذلك الأمل، ومع أمثولة الزيجات المختلطة المشار إليها، تنتابني نوبةٌ من التفكير والحسرة، على عموم المسألة الطائفية، التي ابتليت الأمة بها، فأتساءل: كيف تنقلب سليقة البشر، والمعادلة السليمة، لتصبح القاعدة استثناءً، والاستثناء قاعدة، عندما تستعر جنون الطائفية، وتهبّ جائحتها؟ كيف ينسى المرء كل شيء: إنسانيته، اجتماعه، سلمه الأهلي، ليُصبح رافضاً لأغياره في الدين والمذهب، ماقتاً لدمائهم ومُستحلاً لها، لا يُوقف جموحه شيء؟ وفي الوقت الذي ينسى فيه كل تلك العناوين الأصيلة في حياته، ينسى أيضاً أنه في معركة بلا هدف ولا قيمة ولا نصر؛ لأنها خالية من أي قيمة وجوهر.

وعلى مرِّ التاريخ، لم توجد معركة «طائفية» واحدة، أنتَجَت فتحاً علمياً للبشر، ولا معركة واحدة قَضَى فيها خصمٌ على خصمه حتى المحو، ولا معركة واحدة كان لها شرف الخلود، ولا معركة واحدة كان لها حق المشروعية. كلها حروب عَدَميَّة سوداء، يدفع فيها الناس من لحومهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، ثم يندبون حظهم حسرةً.

عندما نُدقق في المسألة الطائفية، ومتجاوزين الحديث عن مسألة الدماء المتعاكسة في التصاهر كما بدأنا القول، سنجد أنها تضرب أساس النشأة البشرية، وأصل الوجود وضوابطه وقوانينه الصارمة. وللتدليل على ذلك، دعونا نذكر الآتي طبقاً لما جاء في كتاب أصل التفاوت بين الناس، للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو. فهو يقول بأن الناس لم يبدأوا «بتقدير بعضهم بعضاً مُبادلة، ولم تكد فكرة الاعتبار تتكوَّن في نفوسهم حتى زعم كلٌّ وجودَ حقٍ له في ذلك. وصار يتعذر إنكار ذلك على أحد من غير عقاب، ومن هناك أنشيء أول واجبات الأدب حتى بين الهمج، ومن هنا صار كل خطأ إهانةً؛ وذلك لأن المُهَان، كان يرى في الشر الذي ينشأ عن الإهانة، ازدراءً لشخصه أشدّ إيلاماً من الشر نفسه غالباً».

هنا، لنا أن نقيم تصوراتنا حول الموضوع. فمن هذا المنطلق الذي ذكره روسو حول العلاقات الإنسانية، فإن الطائفية تعني أنها ضد تقدير الناس لبعضهم. وضد الاعتبار المتكوِّن لنفوسهم. وضد أصل وجودهم. وضد اعتبار العقاب عقاباً. وضد أول واجب أدبي. وهي ضد اعتبار الخطأ إهانة، ومع الشر الناتج عنه. وهي ضد الألم الإنساني، ومُشجِّعة على الازدراء. وهو ما يعني أنها نقيض تام للإنسانية وللأخلاق والقيم.

هذا الأمر يعطينا انطباعاً شبه يقيني، بأن المسألة الطائفية هي حالةٌ غريبةٌ عن البشر وذوقهم. والصحيح، أن المحطات الكثيرة من التاريخ، لم تشهد اعتبار هذا الأمر شيئاً عادياً. وفي الحقب القريبة الماضية، لم تكن الطائفية حاضرة في الرأي العام العربي والإسلامي. وربما كانت بداية نشوئها هي اختلاط الحالة السياسية بالحالة الدينية.

يقول عادل درويش في أحد مقالاته بشأن المسألة الطائفية: «سأل طالبٌ عربي في جامعة لندن قبل اثنين وخمسين عاماً زملاءه (المصاروة) عمّا إذا كانوا شيعةً أم سنة. تساءل اثنان من الإسكندرية في استغراب: يعني إيه؟ باستثناء الأزهريين وأكاديميي الفقه وتاريخ العصور الوسطى، لم يكن المصريون، في خمسينات وستينات القرن الماضي، سمعوا بسؤال لا يستوعبونه».

بل أكثر من ذلك، فهو يشير إلى أن الزوجة في مصر كانت «تتلقّب باسم زوجها». ويذكر أن «سيفتلانو الإيطالي الذي تحوّل إلى الإسلام ليتزوج الجارة (أبلة سميحة) فأصبحت مدام زابيتللي (أم سامح زابيتللي)، وتلميذاً أبناء عمومته مسلمون، وأبناء خاله يهود، يونانيون أرثوذكس، وآخر بنات خالاته كاثوليك أو عماته روس».

كان هذا هو الجو التصاهري والتعايشي السائد في السنوات الخمسين الماضية. وربما كانت مصر هي الأكثر تصدُّراً، فهي تضم ثمانية ملايين مسيحي وخمسة عشر مليون صوفي، وستة ملايين من السادة الأشراف. لكن الحالة غير الطائفية كانت هي الأصل في المغرب العربي وإفريقيا والعراق والشام وعموم غرب وجنوب شرق آسيا، قبل أن تُفسده الأنظمة الفاشلة والسياسيون البلهاء.

هنا، من المفيد أن أختم مقالتي بقولٍ ثمين للسَّمَرقندي، دوَّنه في بستان العارفين، يقول فيه: ينبغي للرجلِ أن يكون قوله للناس لَيِّناً ووجههُ مُستبشراً مُنبسطاً مع البَرِّ والفاجر، والسّني والمبتدع، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَولاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخْشَى) وأنت لستَ بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله بِلِيْن القول مع فرعون.

وعن طَلحَةَ بن عُمير: قلتُ لِعطاء: إنك رجلٌ تجتمع عندك أناسٌ ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجلٌ فِيَّ حِدَّةٌ، أقول لهم القولَ الغليظ. فقال: لا تفعل، إذ يقول الله (وقولوا لِلنّاسِ حُسْنًا) فيدخل في هذه الآية اليهودُ والنصارى، فكَيفَ بالحنيف (المسلم)».

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4170 - الأربعاء 05 فبراير 2014م الموافق 05 ربيع الثاني 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 22 | 8:01 ص

      فتنة الدوار؟

      فتنة الدوار هي مطالب بحرية الرأي ؟؟
      فتنة الدوار مطالب للعيش بكرامة؟؟
      فتنة الدوار هدم المساجد ؟؟
      فتنة الدوار اعتقال الاطفال؟؟
      فتنة الدوار طلب الاسكان الي يصير له عشرين سنه ومطالبة بتعديلة؟؟
      فتنة الدوال اهي مطالبة بحل مشكلة البطاله والفقر؟؟
      ما ادري اذا هاذي كانت فتنه عيل نطالب بشنو ؟!!
      مو هالمطالب للسني والشيعي؟؟ مو كلنة في نفس المركب في المطالب ؟؟

    • زائر 21 | 7:49 ص

      سماحة مذهب

      فعلآ سماحة المذاهب في عمان هي التي جعلت هذا التمازج والتسامح ، ونحن في السلطنة لانطيق ذكر مناقب مذهب على أخر وهي سياسة الدولة وقبلها طبيعة الشعب المتسامح الذي والحمد لله يضرب به المثل في الأخلاق والسمو الإنساني والبساطة وعدم التكلف وهي صفات المسلم الحق .

    • زائر 19 | 6:06 ص

      انه

      انه شيعي وانتوا سنه وخوتى الله واحد والنبي محمد شلفرق بينى وبينك يا اخى الله يهلك الي فرق بينه ويصلح هاده البلد بحكومة منتخبه

    • زائر 18 | 5:58 ص

      ابو حسين

      ردا على المعلق المحترم المتكلم عن فتنة الدوار هذا يسمى الهروب من الواقع
      وتشخيص المشكلة لان فتنة الدوار هو اختلاف سياسي وهي مطالب سياسية
      قد تكون معها او ضدها فهو حق الطبيعي لماذا يقحم الطائفية في المطالب ثم
      تتكلم عن فتنة الدوار ولم تذكر فتنة التقرير المثير الذي ذكر اشخاص ومؤسسات
      وجمعيات بالتفصيل الممل ومشكلة القذف والشتم الطائفي كان موجود قبل الدوار
      والشتم والتكفير على منابر صلاة الجمعة معروف جدا فلماذا الضحك على الاخرين يا عزيزي

    • زائر 20 زائر 18 | 7:44 ص

      الرجاء الأمانة مع النفس

      مع التقيت لرأيك المحترم الا اننا لا نزال نحتفظ بذاكرتنا. نعم هناك مطالب سياسية ولكن ما جري في الدوار حول تحرك تيار محدد وطائفي بامتياز. وإذا شارك فيه بعض نجوم من يدعى اليسار بغلاف اخر، لا يمكن ان نسميه حراك وطني. اما ما ذكرته عن التقرير وسواه لا اختلف معك ، ولكن فتنة الدوار أسقطت ورقة التوت وأظهرت الأهداف واليوم ندفع جميعا الثمن ، فقط المصارحة والاعتراف بالخطأ ستعيد المودة التي نفتقدها للاسف بسبب تلك الفتنه

    • زائر 17 | 4:09 ص

      اين تلك الايام الجميلة

      نعم للاسف كنا شعب البحرين مثالا للتسامح الديني والمذهبي ، لم يتردد ايا كان في الزواج ومصاهرة اتباع المذهب الاخر . كنا نرى اطفال هذه الزيجات مخيتين للذهاب لاي مسجد ولأي مأتم يريدون ! للاسف بعد فتنة الدوار وردود الفعل صارت البحرين مثالا للطائفية بكل تلا وينها حتى اليسار التاريخي اصبح طائفيا !!

    • زائر 16 | 3:47 ص

      انا شيعي متزوج من سنية من 15 سنة

      إنني شيعي ( ي) ومتزوج من سنية (ه) منذ اكثر من 15 سنة ولدي ابنتان وولد
      اعيش في اسعد اسرة على هذه الجزيرة الصغيرة واحمد ربي انني تزوجت هذه الانسانة الملائكيق قلبا وقالبا واعلم انها سترى الكتابة وستتصل بي
      اللهم لا تحرمني منها ولا من العائلة التي انجبتها فهمل من اصول العرب لا الاعراب
      ساندتني في فقري ولما اشتد عودي اتمنى ان اجازيها
      واما ابنائي فلهم حرية الاختيار ونحن من بيت محافض لابعد الحدود وشكرا للمقال

    • زائر 15 | 3:44 ص

      حياتي

      البحرين كانت وحده وكان السنه والشيعه متعايشين حتى ايام محرم كانو السنة يندمجون مع الشيعة في مراسم العزاء وكان كل شي طبيعي لكن حاليا بعض مثيري الفتنه اهم الي يحبونهم يتكلمون باسم الشعب لا شيعي ول سني بالبحرين راضي بالي يصير، وفوق هاي للحين احنه نجوف من يسب ويشتم وشهر بناس ول أخد حاسبه ليش؟
      من مصلحة من عدم محاسبة زارعين الفتنه في البحرين؟؟!!

    • زائر 14 | 2:45 ص

      التجربة العمانية في التسامح لا مثيل لها

      عمان تعيش حالة من التسامح يجب أن تتعلم منها جميع الدول العربية والإسلامية وحتى شعوبنا بحاجة للتمعن في تلك التجربة

    • زائر 12 | 2:39 ص

      لا تعليق

      لا تعليق فسلطنة عمان نموذج للتسامح الديني ونبذ التعصب المذهبي . ففي عمان من العيب أن يسأل شخص اخر عن مذهبه

    • زائر 11 | 2:28 ص

      تعرف من السبب

      الي ركب عل منبر مسجد وسب طائفة من الطوائف مو سبب من الأسباب؟؟ وعدم محاسبتة قانونيا مو سبب من الأسباب؟؟ اتهام طائفة معينه بالخيرات بالعلم وسب وتشهير مو سبب من الأسباب؟؟ ليش كلامك يبين جنه المل لهم يد في الموضوع وأساس الموضوع محد تكلم عنه الموضوع له بدايه وبدايتة واضحه كانت سب وشتم وتشهير وفوقه تهديم مساجد مو هاي سبب من الأسباب؟؟

    • زائر 7 | 1:00 ص

      احنا احسن منهم

      العروس والعريس شيعة، ووزارة العدل اللي توثق الزواج سنة، ووزارة التربية اللي بتدرس اولادهم سنة اخوانً ووزارة الداخلية اللي بتحبسهم يوم من الايام ................ و ووزارة الاسكان اللي بتعطيهنم رقم طلب اسكان الاي ما بيشوفونه عبارة عن ............. ويش تبغون ازيد من هالتنوع ، انتم في موطن تلاقي الحضارات وتنوع ثقافي مذهل تحسدكم عليه جميع الدول

    • زائر 6 | 12:58 ص

      صبااح الخير

      مقالاتك جميله ومتميزه وأسلوبك في الطرح جميل

    • زائر 5 | 12:48 ص

      و من يشك أنَّ البحرين كانت أفضل من ذلك بكثير؟ - 2

      لقد انقلب بعض العلماء علينا إلى كهنوت سني شيعي على السواء، و لن تقوم لشعب البحرين قائمة و هذا الكهنوت ينخر فينا جميعاً.

    • زائر 4 | 12:47 ص

      و من يشك أنَّ البحرين كانت أفضل من ذلك بكثير؟ - 1

      لقد سبقنا عمان و لبنان و إيران ! بعض الدول تخلوا عن الطائفية بسبب عدم الالتزام بالدين؛ أما شعب البحرين فقد كان متسامحاً مع التزامه بالدين، لأنه شعب متسامح بطبعه و طبيعته و جبلته. مصاهرات و أخوة من الرضاعة و جيرة و صلوات مشتركة! فما الذي حدث؟ و ما هو السبب؟ و من المتسبب؟ و كيف نعيد الأمر كما كان؟
      الحل يبدأ بالحل السحري و هو "الفيتو الذي يجب أن يصدر من العلماء بحرمة التكفير و السب و اللعن. بعدها ؛ نفكر في الخطوة التالية.

    • زائر 10 زائر 4 | 1:38 ص

      مهاترات عقيمة لن تغير من الواقع شيئا

      مهاترات تدل على ضحالة تفكير مرديديها والأصول والأنساب في الكتب والمراجع وليست في الجعجعات الفارغة وشرف الانتماء والعروبة تثبته الأعمال والأفعال والارتباط القومي العربي الأصيل

    • زائر 3 | 12:25 ص

      هناك في فرق كبير

      تبغي سني عربي اصلي يكون نفس .......اللي جابوهم عندنا من بلوشستان والهولة وغيرهم وجوا اهني ولبسوا ثياب عربية ويقولون لينا رووحوا ايران على اساس انهم الاصليين واحنا الدخلاء ،، اما قرأت الامام الحسين يخاطب قتلته ( فارجعوا الى احسابكم ان كنتم عربا كما تزعمون) انهم ليسوا عربا بل عرّابي حروب وخراب ودمار، ولكن للامانة في البحرين سنة شرفاء واهل نخوة وهؤلاء اعتقد انهم السنة الاصليين وليسوا الدخلاء

    • زائر 1 | 10:36 م

      شكرا

      رائع كالعادة

اقرأ ايضاً