العدد 4207 - الجمعة 14 مارس 2014م الموافق 13 جمادى الأولى 1435هـ

رسم النهاية

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

من ينهي الآخر في وطن واحد، ومن يرسم النهاية؟ وهل يفترض فينا أن نشتغل كآلة طاحنة يومياً للتحريض ضد تيار شعبي كبير بدعوى عناوين وتهم ما أنزل الله بها من سلطان؟ وهل هذا هو الحل الذي يفضي بنا إلى الاستقرار الذي نبحث عنه جميعاً وسط حقوق مشاعة، وثقافة نيل الدرجة بالكفاءة والاستحقاق؟

النهاية والتي جاءت معنى غايةُ الشَّيء وآخرُه، كانت الشغل الشاغل للمؤرخين الذين يشتغلون بالحوادث والأيام، فابن كثير الدمشقي المتوفي سنة 774هـ، وضع كتاب «البداية والنهاية»، وهو عمل موسوعي تاريخي ضخم. الكتاب عبارة عن عرض للتاريخ من بدء الخلق حتى قبل وفاة المؤلف سنة 767 هـ بطريقة التبويب على السنوات. ابن كثير يعلم جيداً أن وفاته لن تكون نهاية العالم، لذا وتوافقاً مع مسمّى كتابه، كان جزؤه الأخير يتناول علامات الساعة لغاية يوم الحساب.

لم يكن ابن كثير الوحيد الذي شغله نهاية العالم، فالمفكر فوكاياما الياباني الأصل والأميركي الجنسية، كتب عن نهاية التاريخ، إذ قرن النهاية الحتمية للعالم بالحرب الباردة، لكن روبرت كاغان وهو المفكر الرئيسي لمدرسة المحافظين الأميركية، والمنظر الأبرز للمشروع الأميركي في العراق، رآى أن نهاية العالم سيحدّدها الصراع بين المعسكر الديمقراطي والمعسكر الاستبدادي اللذين سيتقاسمان العالم. لم يحدث اتفاقٌ بشأن النهاية ولن يحدث، فالبشر ليسوا قادرين على صياغة نهاية تاريخ الأمم والشعوب، ولا العولمة هي الأخرى معنيةً بنهاية الجغرافيا.

النهاية شغلت أيضاً علماء الرياضيات بالاشتغال بنظرية النهاية، ففي سنة 1918، وضع جورج كانتور أحد أبرز العباقرة في علم الرياضيات حداً لحياته، بعد أن جُنّ تماماً لحل افتراض: هل يمكن تصميم عددٍ لانهائي بين عددين لانهائيين متتابعين؟ وتبعه العالم كيرت كودل، إذ أدلى بدلوه أيضاً في موضوع اللانهاية، وأصيب باضطرابات عقلية في أواخر حياته أدّت به إلى الموت بسبب نقص التغذية.

النهاية التراجيدية نفسها كانت مصير عالم الفيزياء ليدفيك بولتزمان أحد مؤسسي علم الفيزياء الإحصائية، أفكاره أدّت به العزلة العلمية، ثم إلى الانتحار سنة 1906.

الصافرة هي النهاية الأخرى في عالم الكرة، فمعها يسدل الستار وتبقي النتيجة هي الحكم الفاصل بين التأويل والترجيح، ومعها يكون الهدف الأخير الذي يسبقها هو من يقلب الطاولة رأساً على عقب. صفارة النهاية سريعة الخطى في حياتنا تحدث فجأةً، تنهي أموراً، يصعب على البشر تداركها وفهمها، كما حدث في مصر، حين صفرت الصافرة، فيشير أحد المصريين «أن لحظة الثالث من يوليو مرت كئيبة ثقيلة، كانت كهدف أحرز بمهارة شديدة. لم تطاوعني يداي لأصفق هذه المرة، لكنني مجدداً وقفت مبهوراً بهذا العمل الشيطاني المحكم الذي لا أشك لحظةً في أن تخطيطه وإنجازه كان نتاجاً لجهود متكاملة من خبراء على أعلى المستويات في الإستراتيجية وعلم النفس والرأي العام والإعلام والقانون وغيرها».

في مجتمعنا الصغير جداً، من يملك الصافرة، ومن يجيد كتابة النهاية؟ وهل لأحدٍ الحقّ بأن يقرّر أو يكتب نهاية الآخر أو إلغاءه من وطنه بحجة الأمن؟ والذي لا يأتي من الدولة فقط، ولا من فرض القوة، إنّما يأتي من العقد الاجتماعي بين الحكم والشعب. فنحن لسنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الصراع بقدر ما نحن بحاجةٍ إلى التعايش والاحترام المتبادل، والكلمة الهادفة والحوار والتلاقي.

لقد وصلنا إلى مرحلة رسم النهاية التي ينبغي أن لا تتخذ على إنها تكون إلغاءً أو الانقضاض على المغاير، فهي انتحار سياسي مخيف.

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 4207 - الجمعة 14 مارس 2014م الموافق 13 جمادى الأولى 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 9:24 ص

      بداية

      لكل بداية نهاية لو لم تكن نهاية لما بدت بداية وحده الله قديم الازل باقي
      ما يحدث في البحرين ما هو إلا تأكيد على هذه السنة الكونية

اقرأ ايضاً