العدد 4252 - الإثنين 28 أبريل 2014م الموافق 28 جمادى الآخرة 1435هـ

عين على الكنانة

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

بعد ثلاثة أشهر فقط من تولي محمود سامي البارودي مهام الوزارة المصرية في الربع الأول من العام 1882، حدثت أزمة خطيرة عُرفت في التاريخ بأزمة «المؤامرة الجركسية». فقد اكتشف أحمد عرابي، وهو من فلاحي مصر، وكان وزير الحربية في وزارة البارودي؛ مؤامرة دبرها عدد من جنرالات المرتزقة «الجراكسة» بهدف اغتيال رئيس الوزراء وزعماء الثورة العرابية في مصر. فقُدم المتهمين إلى المحاكمة ضمن قضاء عادل، وصدرت أحكام بنفيهم إلى مناطقهم التي استُجلِبوا منها خارج البلاد. ولما رفع الحكم للخديو لتصديقه، رفض ذلك، فنشبت بينه وبين الوزارة الوطنية أزمة ضارية، أدت إلى رفع شعارات بعزله، وكانت تلك هي الفرصة التي انتهزتها الدول الاستعمارية للتدخل.

ففي 25 فبراير/ شباط 1882 قدمت فرنسا وانجلترا مذكرة تطالبان فيها بتهجير عرابي وزعماء الثورة إلى قراهم قسراً، وإقالة البارودي ووزارته بكاملها. وقبل الخديو المذكرة الأجنبية حفاظاً على عرشه فقط، بينما رفضها الشعب كله. فقامت القوى العميلة في الداخل بتدبير مذبحة طائفية في 11 يونيو/ حزيران 1882 بالإسكندرية. وهكذا أوضحت الأحداث ومؤشراتها وتطورها أن القوى الاستعمارية قد قرّرت التدخل عسكرياً ضد الثورة العرابية.

وفي صورة أخرى وصلتنا من أرض الكنانة أيضاً، تاريخها يوم 19 أبريل/ نيسان ولكن قبل 60 سنة من الآن، من العام 1954، وكأنها البارحة. يوم كانت مصر حرة حقاً، وأثناء رحلته لتوزيع الأراضي على الفلاحين في مصر وليس مصادرتها منهم، قال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر: «إن مصر ستعمل كل ما في وسعها لتقوية القوات المسلحة، وتزويدها بالأسلحة الثقيلة برغم كل الصعوبات التي تواجهها في هذا السبيل». وقبلها كان عبدالناصر قد وضع ضمن المبادئ الستة للثورة «في مواجهة المؤامرات لإضعاف الجيش، واستخدام ما تبقى من قوته لتهديد الجبهة الداخلية، المتحفزة للثورة، كان الهدف الخامس هو إقامة جيش وطني قوى»، وأضاف يومها: «وصلتني ردود من بعض الدول بأنه يمكن أن أسلح الجيش بالأسلحة، ولكن بشروط ورفضت هذه الشروط.. فهذا هدفٌ من أهدافنا، ولن نتخلى أبداً عن مبادئنا. فوقعت مصر اتفاقية تجارية مع تشيكوسلوفاكيا من أجل تمويننا بالسلاح، وهذه الاتفاقية تسمح لمصر بأن تدفع الثمن منتجات مصرية مثل القطن والأرز، وقبلنا هذا العرض. وبهذا نحقق هدفاً من أهداف الثورة وهو إقامة جيش وطني قوي، فقامت ضجة في لندن، وقامت ضجة في واشنطن، قامت هذه الضجة من أجل استمرار التحكم.. ومن أجل استمرار النفوذ».

تلك خلاصة صورة ما يُحاك ضد مصر من الداخل وما يُخبّأ لها من مؤامرات في الخارج، طوال تاريخها، لأهميتها موقعاً، وحضارةً، وتاريخاً، وفكراً، وقراراً حراً يسعى البعض حثيثاً، بإسالة اللعاب المصري للدعم المالي الخارجي، لمواصلة اللعب عليه في تحجيم تلك الأهمية، واستقلالية القرار بعد ثورة 25 يناير التي أرعبت الصديق، والجار القريب، قبل العدو.

أما في صورة اليوم، فقد تخوّفت غرف صنع القرار الغربي- الصهيوني من أن تقع مقدرات الجيش المصري، بعد الإطاحة بمبارك دون نظامه، في يد القوى الثورية الحقيقية في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011، ولذا بدأت عملية إضعاف وإنهاك هذا الجيش من الداخل، والعمل بكل السبل دون تقويته بأسلحة متطورة روسية أو صينية، بخلاف ما يأتي بمنةٍ وإفسادٍ من سلاح أميركي. كما يتم الضرب في الخاصرة الأضعف للجيش عند الحدود مع الكيان الصهيوني في سيناء. وفي عز تحالف الغرب مع حركة الإخوان، الذين لم يستوعبوا الدرس مبكراً، بدأت فصول اللعبة. وما حكاية كتائب أنصار بيت المقدس أو كتيبة الفرقان، وغيرها ممن تستعرض علم القاعدة هنا وهناك قبل وبعد كل عملية؛ إلا ضمن اللعبة الصهيو-أميركية ذات الغطاء الإسلامي للأسف. ويكفي أن تبحثوا عمّن يموّل عادةً التنظيمات السلفية التكفيرية المتطرفة في عموم الساحة الإسلامية أمس واليوم، لنعرف من يقف وراء اللعبة برمتها، ومن يخطّط لها ومن يموّلها. ثم لنسأل بكل موضوعية، أليس هناك إسرائيليون عرب أو من المستعربين كما يقال؟ ألا يستطيعون تكوين أي فصيل أو تنظيم تحت أي اسم لضرب المنظومة العسكرية المصرية؟ ثم لماذا التركيز على ضرب الجيش، وليس الجنود والثكنات الصهيونية في سيناء أو على الحدود الدولية، أو مؤسسات وأوكار التجسس الغربية في مصر.

لأن المهم أن يبقى الجسد المصري نازفاً دون الموت، ومشغولاً بهمّه الأمني والاقتصادي، والأهم أن يبقى يمدّ يده لطلب المعونة والمال من الخارج العربي وغيره.

أليس في ذلك خير وسيلة لقتل روح وفكر ثورة 25 يناير، وحركة تمرد 30 يونيو، تماشياً مع المثل المصري «جوّع كلبك يتبعك»، ولأن هاتين الثورتين من أخطر ما حدث في مصر بعد ثورة يوليو 1952. وتأكدوا بأن هذا البرنامج سوف يستمر بهذا الشكل لإضعاف الجيش والاقتصاد المصري بهدف الإذلال، والنزف المتواصل كي لا يتكرّر أنموذج ثورة إيران، وما يحدث على الأرض وفي الفضاء والبحر اليوم من منجزاتها المزعجة للقريب والبعيد. فلا أحد يرغب في رؤية مصر القوية المستقلة في قرارها حقاً، الآمنة المستقرة اقتصادياً، كي لا يرى الغرب، ولا «اللقيطة الصهيونية»، ذاك اليوم الذي تتداعى لتجلس على طاولة مفاوضات مضنية لكبح جماح البرنامج النووي المصري! أو لوضع خطط تدمير ذاك الجيش الصامد المتحفز على حدود سيناء لتحرير فلسطين.

حقاً، إنه لسيناريو مخيف لهم، يعملون من الآن ضده ببث برنامج فيروسات خبيثة في «الهارد دسك» العربي خوفاً من أن يصبح حراً، ولتدمير كل إنجازات الربيع العربي المهضوم حقاً. والملفت للنظر، أن القوى الإقليمية والدولية، تتبادل أدوار هذا البرنامج فيما بينها داخل وخارج مصر، والهدف هم يعلمونه جيداً.

ولمواجهة هذا البرنامج الخطير، ونحن على أعتاب انتخابات أرض الكنانة، يمكن القول أن المسألة ليست مسألة صناديق اقتراع -ما شاء الله ما أكثرها اليوم إلا عندنا محرمة- لا في مصر، ولا تونس، ولا الجزائر، ولا العراق، ولا سورية، ولا لبنان، بل القضية الأهم هي أن تعي الشعوب في هذه المناطق أهمية العمل مع بعضها البعض كشبكة واحدة، وإدراك برنامج الامبريالية الدولية-الصهيونية لإبقائها فقط تلهث وراء نسق الديمقراطية الغربية المنشودة، دون مسألة التنمية وتحقيق برامجها العصرية.

فهل عينا مرشحي انتخابات الكنانة على المشروع الحضاري المستقبلي الحر بعيداً عن انتظار وصول أكياس الطحين المليئة بالفئران والسوس من وراء البحر؟

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 4252 - الإثنين 28 أبريل 2014م الموافق 28 جمادى الآخرة 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 10:45 ص

      مشروع هيمنه ..

      شكراً أستاذ محمد على هذا المقال الرائع .. الذي يلخص المشهد المصري و بنظرة إقليمية ، و حول ما يحاك لها ..

اقرأ ايضاً