العدد 4267 - الثلثاء 13 مايو 2014م الموافق 14 رجب 1435هـ

خوان كارلوس راعي التحول الديمقراطي في إسبانيا

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

حل بيننا ضيفاً على مملكة البحرين، ملك أسبانيا خوان كارلوس، وبغض النظر عن أهداف الزيارة وما تمخض عنها، فإنه من المفيد التذكير بدور الملك خوان كارلوس في التحوّل المذهل من مرحلة الدكتاتورية في ظل الجنرال فرانكو إلى رحاب الديمقراطية في ظل خوان كارلوس.

لعل الحسنة الوحيدة للدكتاتور فرانكو هو أنه أدرك وقد قربت منيته، أن يعد لإسبانيا مختلفة عن إسبانيا التي حكمها كدكتاتور منذ انتصاره في الحرب الأهلية في 1936.

عمد فرانكو إلى استدعاء وريث العرش خوان كارلوس، وكان ضابطاً في الجيش الاسباني، وبدأ يعده لخلافته. الخطوة الأولى بتشكيل مجلس الدولة، حيث وضعه الجنرال فرانكو على رأسه في العام 1969، موازياً لرئاسة الوزراء التي كان يشغلها فرانكو، ودشّن ذلك تغييرات بطيئة حتى وفاة فرانكو في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975، حيث أضحى خوان كارلوس ملكاً على اسبانيا.

تمتّع خوان كارلوس بحس تاريخي، وإدراك لعمق الأزمة التي كانت تعيشها إسبانيا، والانقسام العميق ما بين فريقي الولاء للفرانكوية وحزبه «حزب الكتائب»، والولاء للجمهورية الشعبية التي أسقطها فرانكو بالحديد والنار ودعم النازية.

كلف خوان كارلوس أدولفو سواريث، وهو شخصية ليبرالية ديمقراطية، بتشكيل وزارة من التكنوقواط، لتقود عملية التحوّل الديمقراطي المؤلمة والمعقدة، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم كملكية دستورية ديمقراطية مزدهرة. وقد توفي أدولفو سواريث في 23 مارس/ آذار 2014، وحزنت أسبانيا كلها لموته وأعلن الحداد الوطني.

لم تسلم مسيرة التحول الديمقراطي من الأخطار والتحديات، ففي ذات مرة، قام جزء من الجيش بمحاولة انقلاب واحتل البرلمان، وأخذ كبار السياسيين رهائن، لكن الملك خوان كارلوس بما يملك من حكمة ومكانة، استطاع بعد مفاوضة الانقلابيين أن يفشل المحاولة، وتلا ذلك عفو عام عنهم.

سارت التحوّلات التي رعاها خوان كارلوس، وظل يضبط إيقاعها، ويستخدم نفوذه ومكانته للجم المتطرفين من كافة الأطراف: أنصار فرانكو وحزبه «حزب الكتائب»، واليساريين في الحزب الشيوعي الاسباني والحزب الشيوعي الأوروبي، وحتى في أوساط الحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي الشعبي، لإدخال إصلاحات تدريجية ولكنها ثابتة في النظام السياسي، وتعديلات دستورية من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية. وقد تم تداول السلطة ما بين أكبر حزبين، وهما الحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي الشعبي، وبذا تم التأكيد على التعددية الحزبية لكل الأطياف، لكن حزب فرانكو تبخر.

التحدي الثاني هو لا مركزية الحكم، حيث عالج ذلك عن طريق الاعتراف بالقوميات مثل الكاتلان والباسك والأندلسيين، بحيث تكونت لهم أقاليم ذات حكم ذاتي، تتمتع ببرلمان وحكومة محلية.

أما التحدي الثالث فتمثل في تطوير البنية التحتية المتخلفة والاقتصاد البدائي، وقد ساعدت السوق الأوروبية المشتركة، ثم الاتحاد الأوروبي، في تطوير البنية التحتية والاقتصاد الاسباني، حيث تم ضخ البلايين في الاستثمارات وإقامة المصانع وتحسين البنية التحتية، ما جعل أسبانيا دولة حديثة.

ورغم الحديث اليوم عن أزمة الاقتصاد الاسباني، إلا أنها أزمة نمو وستتجاوزها أسبانيا، فالاقتصاد الاسباني هو خامس اقتصاد بعد ألمانيا وفرنسا وانجلترا وإيطاليا، وحجمه يفوق حجم اقتصاد البلدان العربية مجتمعة.

أما التحدي الرابع والمهم، فهو الاندماج في السوق الأوروبية المشتركة، ثم المشاركة في تأسيس الاتحاد الأوروبي، وهو ما مكّن الاقتصاد الاسباني من الاستفادة من السوق الأوروبية الواسعة والاستثمارات الهائلة، خصوصاً أنه يملك ميزات مهمة في مجال السياحة بأنواعها، ورخص اليد العاملة نسبياً، وعلاقات متشعبة مع البلدان الناطقة بالاسبانية خصوصا في أميركا اللاتينية.

تخلصت أسبانيا من آخر مستعمراتها (الصحراء الغربية)، وتوصّلت إلى اتفاقات تفاهم مع المغرب، حيث امتدادات التراب (الاستعمار) الاسباني في مدينتي سبتة ومليلية، والتي أضحت مناطق للتعاون وليس المواجهة.

الملك خوان كارلوس، نموذج للقائد والحاكم الحكيم الذي تنازل طواعيةً عن صلاحياته كملك، وأسهم في تحويل الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية، حيث يحظى باحترام شعبه وليس خوف شعبه.

الملك خوان كارلوس إنسان نزيه، ولذلك لم يشكّل حماية لإحدى بناته التي تورّط زوجها في قضية فساد، وجرى التحقيق معها كأي مواطن، وهي وزوجها يخضعان حالياً لإجراءات المحاكمة.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 4267 - الثلثاء 13 مايو 2014م الموافق 14 رجب 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 3:29 ص

      الديمقراطية

      قال دومينيك دو فيليبان رئيس وزراء فرنسا الأسبق إن الحديث عن الديمقراطية ليس بالأمر السهل، فهناك حروب أهلية وصراعات قبلية وعرقية تدمي القلوب في عالم حديث من المفترض أنه متحضر، مستشهدا بما يجري في تايلاند وبعض البلدان الأخرى التي تشهد صراعات عنيفة. وأشار إلى أن الحروب الأهلية بدأت بالتفشي في بقاع عديدة على وجه الأرض ولم تعد مقتصرة على عالم معين أو بلد بعينه، بل ربما نشهد حدوثها في أي بلد متحضر ومتقدم، خاصة في ظل

    • زائر 1 | 1:43 ص

      عفو عام وليس تشفي وانتقام حتى تكتمل المسيرة والسير الى الامام !

      لم تسلم مسيرة التحول الديمقراطي من الأخطار والتحديات، ففي ذات مرة، قام جزء من الجيش بمحاولة انقلاب واحتل البرلمان، وأخذ كبار السياسيين رهائن، لكن الملك خوان كارلوس بما يملك من حكمة ومكانة، استطاع بعد مفاوضة الانقلابيين أن يفشل المحاولة، وتلا ذلك عفو عام عنهم.

اقرأ ايضاً