العدد 4293 - الأحد 08 يونيو 2014م الموافق 10 شعبان 1435هـ

الفقيه الكركي والشيخ القطيفي والخلاف على الدولة الصفوية

حسن سعيد Hasan.saeed [at] alwasatnews.com

اختلف مع الشيخ علي بن حسين بن علي بن محمد بن عبد العالي الكركي العاملي(توفي في 1533 م) الكثيرون. أبعده الشاه الصفوي إلى النجف وحاول البعض اغتياله. أما ما يلفت الانتباه فهو تصدي بعض علماء الشيعة لآراء الشيخ الفقهية الأمر الذي استغله بعض الساسة في مواجهتهم مع الشيخ الكركي، وكان من أبرز من عارضه في الكثير من آرائه الفقهية الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي (توفي 1543م). فما هي طبيعة الخلاف بين العالمين؟

شكل الشيخ القطيفي حالة معارضة للشيخ الكركي. اختلف معه في الكثير من الموضوعات الفقهية وخصوصاً تلك التي كانت تعنى بالعلاقة مع الحاكم. أجاز الكركي للحاكم تسلم الخراج والتصرف فيه لتسيير شئون وحاجات الناس فيما حرم القطيفي ذلك. أجاز الكركي تسلم عطايا الحاكم وحرم القطيفي ذلك. أوجب الكركي صلاة الجمعة وحرمها القطيفي. لا يبدو أنهما يختلفان في كون الحاكم الصفوي يعتبر حاكماً جائراً، لكن الاختلاف في كيفية التعامل مع هذا الحاكم الجائر. اختلاف الفقهاء لا جديد فيه، فلكل فقيه رأيه، ولكن الجديد هو موقع ونفوذ الفقيه في الدولة وفي تحديد مساراتها.

لم يختلف القطيفي مع فقيه يقبع في الحوزة، وإنما يتولى إدارة المؤسسة الدينية في دولة. الاختلاف هنا مع رأي فقهي يراد له أن يرسم صورة دولة، وبالتالي فإن معارضته لها تختلف. معارضة القطيفي للكركي في حد ذاتها، بغض النظر عن صاحب الاستدلال الأقوى والأرجح، يمكن قراءتها على أنها حالة من الرقابة العلمائية على الرأي الفقهي المتصدي في الدولة.

الشيخ الكركي، على رغم منصبه الرسمي، فقيه وله استدلالاته وآراؤه الفقهية التي قد تعارض من قبل أهل الاختصاص ومنصبه الرسمي لا يوفر الحصانة لآرائه. في المقابل، يمكن القول هنا إن انضمام الفقيه إلى الدولة، وإن جعل من اختصاصاته أكثر اتساعاً إلا أنه ظل محتفظاً بنسق تعامله الحوزوي مع أية معارضة لآرائه، ولذلك كان الرأي الفقهي يقابله رأي فقهي آخر من دون أية ممارسة سلطوية أو فوقية من قبل الكركي.

بعبارة أخرى، يحسب للقطيفي معارضته لفقيه الدولة، ويحسب للكركي أنه لم يستغل أدوات الدولة للتعاطي الفوقي والسلطوي مع معارضيه في المجال الفقهي. من جهة أخرى، يمكن اعتبار معارضة القطيفي للكركي محاولة للحفاظ على الموروث الفقهي الشيعي العام والمحافظ في مقابل الآراء المتقدمة التي سعى الكركي إلى ترسيخها وممارستها على أرض الواقع. بكلمات أخرى، يمكن النظر لمعارضة القطيفي على أنها حالة من حالات الرقابة العلمائية المطلوبة من زاوية معينة، كما يمكن اعتبارها حالة من حالات السعي إلى المحافظة على الموروث القديم في مقابل الأفكار والممارسات التجديدية التي جاء بها الكركي من زاوية أخرى.

هذا الاختلاف الفقهي والطبيعي بين الفقهاء جرى استغلاله سياسيّاً. نظراً إلى الدور والنفوذ الكبير الذي حظي به الشيخ الكركي، فقد استغلت بعض القوى السياسية ظهور الشيخ القطيفي في مواجهتها للشيخ الكركي. لذلك من غير المستبعد أن يكون تضخيم دور الشيخ القطيفي المعارض للشيخ الكركي قد تم من قبل بعض الجهات السياسية. لا جدال في أن القطيفي كانت له آراء تعارض آراء الكركي، لكن ربما ساهمت السياسة في تشجيع ودعم القطيفي في مهمته، وضمان حمايته من أي تهديد ربما يطوله من الشاه وخصوصاً في بداية نشوء الدولة. الدولة الصفوية التي وفرت البيئة المناسبة لظهور الكركي هي نفسها التي وفرت البيئة المناسبة لمعارضته عن طريق القطيفي. كان خلاف الفقهاء حديث الحوزات وصار حديث الدولة. كانت السياسة المعارضة للشاه بحاجة إلى صوت القطيفي المعارض للكركي وخصوصاً لما عرف عن القطيفي من أسلوب غير لائق في اختلافه مع الكركي. لم يكن القطيفي على خلاف مع الكركي بحدوده الطبيعية وإنما كان أكبر من ذلك. تميز الخلاف بحديته وكونه يمتد إلى مساحة واسعة من المسائل الفقهية، كما تميز، أكثر من أي شيء آخر، بالعبارات التي لا تليق. هذا الشكل من الاختلاف ربما يعود في جزء كبير منه إلى ما تدفع به السياسة.

يرى بعض الباحثين كجعفر المهاجر في كتابه «ستة فقهاء أبطال» وحسيني زاده في كتابه «آفاق الفكر السياسي عند المحقق الكركي» أن انتساب القطيفي إلى القطيف، بتوجهها الفقهي القريب من «المدرسة الإخبارية»، في مقابل انتساب الكركي إلى جبل عامل ذات النزعة «الأصولية» ربما كان له تأثيره على الخلاف بين الشخصيتين.لا يستبعد تأثير البيئة الثقافية السائدة في المنطقتين في الخلاف، لكن ربما من المفيد الإشارة إلى أن القطيفي كان قد درس على يد الكركي نفسه، كما قد تلقى العلم في النجف والحلة أيضاً، فهو ليس ابن ثقافة القطيف الإخبارية فقط. يضاف إلى ذلك أن للكركي تلامذة من البحرين القريبة في ثقافتها من القطيف وقد ساروا على خطه الفقهي، كما هو حال الشيخ يحيى بن حسين البحراني الذي كان تلميذ وخليفة الكركي في يزد. ثم إن ثقافة جبل عامل القريبة من الأصولية أنجبت من العلماء من يميلون إلى الإخبارية من أمثال الحر العاملي، ما يعني أن ثقافة البلاد لا تعني بالضرورة ثقافة العالم، وخصوصاً مع وجود المراكز العلمية الشيعية التي تجمع علماء مختلف البلدان كالحلة أو النجف أو كربلاء.

يضاف إلى ذلك، فإن القطيفي ليس الوحيد المختلف مع الكركي في بعض آرائه الفقهية، فقد اختلف معه بعض علماء إيران وبعض علماء العراق كالأمير نعمة الله الحلي الذي كان يرى الأفضلية لنفسه على الكركي.

خلاصة القول، مثَّل دور الفقيه الكركي ونفوذه في الدولة الصفوية حالة جديدة غير مسبوقة على مستوى علاقة الفقيه الشيعي بالحاكم. هذه الحالة الجديدة كان من الطبيعي جداً أن تواجه بمعارضة فقهية تناقش الآراء ومدى رجاحة الاستدلالات التي تستند إليها. في هذا السياق يمكن قراءة بروز شخصية القطيفي كمعارض للكركي على رغم عدم التغاضي عن المؤثرات الأخرى من قبيل التأثير الجغرافي على ثقافة الفقيه أو الاستغلال السياسي أو التنافس الطبيعي بين العلماء. لذلك يبدو انتساب القطيفي إلى القطيف أو للتوجه الإخباري مؤثر جانبي إذا ما قورن بعنصر التعارض الطبيعي وخصوصاً في القضايا المستجدة أو ذات الأثر الكبير. على رغم ذلك، يؤخذ على القطيفي شدة معارضته وشموليتها، وعدم لياقة تعامله مع الكركي.

بين موقف الكركي وآرائه حول الدولة الصفوية وموقف القطيفي المعارض، كيف تعامل علماء البحرين مع الدولة الصفوية؟ محاولة الإجابة في المقال المقبل إن شاء الله.

إقرأ أيضا لـ "حسن سعيد"

العدد 4293 - الأحد 08 يونيو 2014م الموافق 10 شعبان 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 5:51 ص

      اين نحن من الواقع ؟

      الناس في جلجله و العروس تبي رجل ! نبي مقالات تسلط الضوء على العلماء الحاليين من خلال امثله تاريخيه مشابهه و ليس العيش على تحليل التراث فقط يا اخي

    • زائر 3 | 4:40 ص

      أحسنت

      أكمل هذه المقالات بارك الله فيك، و اتفق مع المعلق الأول بالنسبة للنبذة.

    • زائر 2 | 11:31 م

      دروس و عبر

      من السهل البحث و الدراسة في مواقف السلف و انتقادهم. علي عكس ما يمكن إبدائه في الشخصيات المتعاملة في الامور الدينية. ما نستخلصه من المقال هو: الهالة القدسية التي يحيط بها رجال الدين و حاشيتهم ليست الا خيالا من صنع البشر.

    • زائر 1 | 11:25 م

      تسلم

      ولكن التمهيد مطلوب فنبذة عن الشيخين المعنيين في المقال ضرورة

اقرأ ايضاً