العدد 4382 - الجمعة 05 سبتمبر 2014م الموافق 11 ذي القعدة 1435هـ

فلتأكلوا... عليكم أن تأكلوا التفاح!

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

هذه الجملة لم أقلها أنا وهي ليست دعوة مني لأحد بل قالها وزير الزراعة الألماني كريستيان شميت كدعوة منه للأوروبيين! هو قال ذلك في تصريح لإذاعة «دويتشلاند فونك» الألمانية يحث فيه الأوروبيين على تناول الفواكه: «فلتأكلوا! عليكم أن تأكلوا – التفاح - يجب عليَّ أن آكل، يجب أن نأكل جميعاً وفي كل صباح، بل وخمس مرات في اليوم بلا توقف».

دعوة الوزير الألماني جاءت عندما تكدَّست أطنان الفاكهة الألمانية والأوروبية (وفي طليعتها التفاح الألماني عالي الجودة) بعدما فَرَضَت روسيا حظراً «على واردات الغذاء من الغرب» شَمِلَت «اللحوم والأسماك ومنتجات الألبان والفاكهة والخضراوات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى» كرد من روسيا على عقوبات اقتصادية غربية فُرِضَتْ عليها بسبب موقفها من الصراع الدائر في أوكرانيا.

لا أدري كم سيلتهم المواطن الألماني من التفاح أكثر مما يأكله الآن وهو 18 كيلوغراماً سنوياً، باعتباره رمزاً للمقاومة ومحتوياً على «واحد وخمسين فيتاميناً ومادة غنية ومعدنية وأنزيمية مفيدة» حسب معهد التغذية الألماني قبل عدة سنوات، لكن ذلك بالتأكيد ليس حلاً واقعياً؛ فالموضوع لم يعد مجرد صراع على تفاح مُتكدِّس أو ألبان باتت حازِرَة.

لقد أصبح الموضوع الأوكراني بوابةً لإبراز العضلات الغربية والروسية، بعدما تطورت الأحداث إلى ما يُشبه حرباً باردة، مرةً بالعقوبات ومرةً أخرى بدعم أطراف متصارعة على الأرض. هنا، أمامنا ثلاث نقاط أساسية كي ننظر إلى حقيقة العقوبات الغربية والروسية المتبادلة وبالتالي النظر إلى مُجمَل الصراع القائم:

الأولى: وهي تتعلق بالاقتصاد. فالعالم اليوم يحوطه اقتصاد مفتوح، ينطوي على مداخيل فلكية يتوجب أن تمر في دورة خيارات ما بين الاستهلاك أو التوفير أو الاستثمار. وأمام هذه المعادلة تصبح التبادلات التجارية ركناً أسياسياً في تقدير وتقرير المصالح الاقتصادية والسياسية. وأمام هذا الخط الممتد من التشابك يصبح الأمر معقداً وخطيراً، والإخلال به مكلف جداً لجميع الأطراف.

قبل أيام كَتَبَ أحد الخبراء الاقتصاديين بوزارة الخزانة الأميركية وهو كينيث أوستن، دراسة مهمة في مجلة «جورنال أوف بوست كينيزيان إيكونوميكس». جزء من حديثه كان منصبّاً حول كيفية تعزيز الدول لصادراتها، بقيام البنوك المركزية بمراكمة عملات الدول المصدِّرة لاحتياطات العملة.

أوستن يرى أن تعزيز ذلك يعني أن تتوخى البلدان تقليل الاستهلاك في مقابل تكثير الإنتاج القومي، في ظل معادلة عالمية متوازنة تقوم على زيادة الإنتاج من قِبَل مُراكِمِي العملات مع استهلاك أقلّ من منتجها، الأمر الذي يعني إلزام الدول التي تتدفق منها العملات أن تُقِلّ من إنتاجها مع استهلاك ما يزيد عن ذلك الإنتاج وبالتالي حدوث عجز تجاري، وهو ما يسلب العديد من الدول قرارها في الإنتاج وفي منسوب الاستهلاك.

هذا الأمر يعطينا مشهد الاقتصاد العالمي على حقيقته. كما أنه يجعل الكثيرين يرون أن العقوبات الغربية على موسكو والعكس، هي في جوهرها مزدوجة التأثير على الجانبين وليس على روسيا فقط. لذا، بدأ الحديث علناً الآن في ألمانيا صاحبة الـ 30 في المئة من ناتج إجمالي منطقة اليورو، من أن الأوضاع في أوكرانيا والعقوبات ضد روسيا جعلت الاقتصاد الألماني يتباطأ، وينحدر من قوي إلى متوسط. هذه هي أرقام وقراءات الساسة الألمان.

الثاني: بدا أن الخلاف الغربي الروسي قد دفع موسكو إلى إعادة تعريف ذاتها أمام الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، بالإعلان عن تغيير في عقيدتها العسكرية. فحسب إدارة المفتشين في وزارة الدفاع الروسية فإن العقيدة العسكرية لروسيا يجب أن تعتبر الولايات المتحدة خصماً رئيسياً محتملاً لموسكو، وكذلك حلف الناتو المتمدد شرقاً نحوها، وبالتالي ضرورة وجود شروط بشأن «توجيه ضربة استباقية من قبل قوات الردع النووي».

هذا يعني أن الجيوش الروسية والأجهزة الاستخباراتية التابعة لها سيكون لوحداتها وعملياتها وقواعد الاشتباك الخاصة بها مفاهيم جديدة أكثر مباشرة، مع تنسيق وثقة أقل مع الغرب، وفي الوقت نفسه إقامة تحالفات رئيسية وفرعية دائمة وطارئة مع أطراف عديدة. هذا الأمر يمكنه أن يضر كثيراً بالتوازن الدولي، عندما تقرّر موسكو تقوية أطراف دولية وإقليمية ليست على وفاق مع الغرب، سواءً بالسلاح أو بالمعلومات، وبالتالي إشعال جبهات تحت أرجل الخصم.

الثالث: إذا كان الغرب قد عقد العزم الآن (الآن فقط) على محاربة تنظيم «داعش» في العراق وسورية، والإجهاز على خلاياه النائمة في أوروبا والولايات المتحدة، فهذا يعني أن نجاح هذا الإجراء متوقف على إقامة تحالف دولي للبدء في مايكروحرب ضد الإرهاب. ولأن موسكو هي إحدى أقوى الدول عسكرياً واستخباراتياً، ولديها علاقات متينة مع الدول المبتلاة بـ «داعش» (سورية والعراق) فإن إشراكها يصبح أمراً بالغ الأهمية.

لقد تحدث وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مقال له في «نيويورك تايمز» صراحةً قبل أيام، بأن ذلك التحالف المناهض للإرهاب يحتاج إلى استخدام «أدوات سياسية ودبلوماسية وإنسانية واقتصادية وقانونية وتنفيذية واستخباراتية لمساندة القوة العسكرية». هنا تظهر الحاجة إلى روسيا صاحبة الـ 17 مليون كيلومتر مربع. لكن كيف تستقيم تلك الحاجة المتعددة الأوجه مع المتطلبات اللازمة لإنجاحها في ظل توتر سياسي معها، وعقيدة عسكرية تؤمن بالخصومة أكثر منها بالشراكة؟

هذه النقاط الثلاث هي لُبُّ المشكلة الغربية مع روسيا، وليس الأمر متعلقاً بالتفاح أو غيره، حتى لو أكَل الأوروبي طنين منه يومياً!

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4382 - الجمعة 05 سبتمبر 2014م الموافق 11 ذي القعدة 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 1:48 م

      مصائب

      مصائب قوم عند قوم فوائد

    • زائر 4 | 1:48 م

      مصائب

      مصائب قوم عند قوم فوائد

    • زائر 3 | 7:31 ص

      الي بيته من كزاز ما يرمي الناس بالحجاره

      اتركوها، تشد ظفائرها، وتنزل حملها الدامي، سيكون خراباً، العالم الغربي بحاجةٍ إلى درس غير في التخريب.

    • زائر 2 | 5:24 ص

      هي كذلك

      ضريبة الخصومة

    • زائر 1 | 3:03 ص

      وينهم عن البحرين

      خلهم يصدرونه الينا بلاش اذا زايد عندهم

اقرأ ايضاً