العدد 4551 - السبت 21 فبراير 2015م الموافق 02 جمادى الأولى 1436هـ

تطوير البنية الأساسية لسوق العمل

جميل حميدان comments [at] alwasatnews.com

وزير العمل والتنمية الاجتماعية

جميل حميدان

(ورقة عمل للمؤتمر الثالث للهيئة الوطنية للمؤهلات وضمان الجودة) 

يتطلع الجميع إلى مواجهة تحديات المستقبل من خلال إعداد وتنفيذ برنامج عمل الحكومة بتعاون إيجابي مثمر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وما يرتبط به من برامج ومشاريع عملية وتفصيلية ترسم توجهات العمل التنموي خلال السنوات المقبلة. ويبرز ملفا «التعليم والتدريب» و«الاقتصاد المعرفي» كملفين مهمين مرتبطين ببعضهما بصورة واضحة، حيث أن التعليم والتدريب الجيدين ينتجان كوادر جيدة يحتاجها ويطلبها سوق العمل ويستوعبها بيسر وسهولة، كما أنه يسهم بشكل كبير في تحقيق المستوى المعيشي اللائق للأجيال القادمة والداخلين الجدد في سوق العمل، وأنا على ثقة بأن هذان الملفان سيكونان من أبرز الملفات في الخطة التنموية التي ستشهدها المملكة خلال المرحلة المقبلة.

ولعل المبادرات التي تطلقها وزارة العمل بالتعاون مع مجلس التنمية الاقتصادية والجهات المختصة الأخرى مرتبطة بالاقتصاد المعرفي عبر إعادة رسم قواعد وأساسات بناء الموارد البشرية الوطنية لضمان قدرتها على مواكبة التنوع الآني والمرتقب في القاعدة الاقتصادية، ومواجهة تقلبات سوق العمل وتغيراته السريعة.

إن ما يهمنا من هذه المقدمة هو التعرف والتفاعل مع التجارب الناجحة لتقليص الفجوة بين المهارات وتلبية احتياجات سوق العمل، وكيفية استفادة مملكة البحرين من مختلف التجارب، وكيفية بناء استراتيجيات لحماية سوق العمل منالاختلالات الهيكلية عبر عمل تكاملي لمختلف الجهات والهيئات المؤثرة في سوق العمل.

عندما انطلقت استراتيجية اصلاح سوق العمل في وقت مبكر بتوجيه كريم ومباشر من سمو ولي العهد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء حفظه الله، تركزت الجهود على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، مما انعكس بشكل واضح على معدلات النمو الاقتصادي، وحاجة السوق إلى أيدي عاملة ماهرة ومتمكنة مهنياً. وفي المقابل، فإن عزوف المواطنين من خريجي الثانوية العامة عن الانخراط في التعليم والتدريب المهني بالنسب المطلوبة، وتوجههم إلى التعليم الأكاديمي بنسب كبيرة، أسفر عن نقص واضح في تلبية احتياجات الشركات والمؤسسات للعمالة الوطنية الماهرة، مما فرض الحاجة إلى معالجة هذا النقص عن طريق فتح المجال أمام استقدام العمالة الوافدة، ومنح المزيد من التسهيلات لاستقدامها لمواجهة الحاجات المتزايدة دون إهمال المبادرات الرامية إلى تأهيل وتحفيز الأيدي العاملة الوطنية وزيادة قدرتها على المنافسة واثبات الذات.

وقد كانت مملكة البحرين واعية تماماً للمخاطر التي يمكن أن تنتج عن الاعتماد المبالغ فيه على العمالة الوافدة، خاصة العمالة غير الماهرة متدنية الأجر، حيث بدأ العمل على صياغة وتطبيق استراتيجية شاملة تستهدف تجنب المخاطر التي يمكن أن تنتج عن هذه المعطيات، خاصة ما يمكن أن يترتب عليه من إضعاف لقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل مناسبة للبحرينيين، وتحوّله إلى اقتصاد يخلق في الغالب فرص عمل تتطلب مهارات متدنية بأجور متدنية يعزف عنها المواطنين، وتقبل بها العمالة الوافدة غير الماهرة. وقد كان من بين أهم عناصر هذه الاستراتيجية الحد من الحاجة إلى استقدام العمالة الوافدة، والعمل بمثابرة وجدية أكبر لتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل، وتعزيز فرص توظيف المواطنين، والعمل على تبيان الصورة المستقبلية للعمل المهني والفني.

ولضمان قدرة العمالة المحلية على المنافسة في سوق العمل، وحمايتها من منافسة غير عادلة،توجهت وزارة العمل وبدعم من حكومة مملكة البحرين الرشيدة نحومساندةقدرة العمالة الوطنيةعلى تحقيق التنافسيةمن خلال برامج دعم الأجور والحوافز الوظيفية وتأهيل الباحثين عن عمل للدخول في سوق العمل بصورة غير مسبوقة من حيث التنوع في البرامج وتتابعها.

وفي هذا الإطار، انطلقت ثلاث مبادرات مرتبطة مع بعضها بصورة تكاملية عمل على تنفيذها عدة جهات رئيسية هي وزارة العمل، ووزارة التربية والتعليم، ومجلس التنمية الاقتصادية، وهيئة المؤهلات وضمان جودة التعليم والتدريب، وتمكين. هذه المبادرات هي: الاطار الوطني للمؤهلات، والمعايير المهنية الوطنية، ومرصد سوق العمل.

وتأتي هذه المبادرات ضمن أولويات العمل الوطني لمراجعة وتصحيح البنية التحتية والهيكلية لسوق العمل، وإصلاح التدريب المهني وإنشاء قاعدة قوية له وفق متطلبات سوق العمل،حيث عملت وزارة العمل وشركائها من الهيئات الحكومية على تطبيق مجموعة من السياسات والمبادرات المنبثقة عن خطة وطنية شاملة تستهدف إيجاد بيئة عمل جاذبة للكوادر البشرية الوطنية في القطاع الخاص على المدى الآني والمتوسط والبعيد من خلال لجنة تطوير التعليم والتدريب برئاسة سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء الموقر، وتأتي كجزء من استراتيجية شاملة محددة تستهدف وضع قاطرة الاقتصاد البحريني في مسار خلق فرص عمل عالية المهارة والأجر لأبناء وبنات الوطن، والمحافظة على معدلات البطالة في حدودها الآمنة. وقد تم إشراك القطاع الخاص في بناء هذه المبادرات عبر مشروع المعايير المهنية الوطنية الذي أنهى الجزء الاول منه بإنشاء 125 معياراً مهنياً وطنياً يغطي أكثر من 200 مهنة من المهن الأكثر شيوعاً في سوق العمل البحريني تحدد المهارات والمعارف والمهام المطلوبة والمرتبطة بكل مهنة، وكيفية الوصول لها، وأدائها، واتقانها وفق متطلبات سوق العمل المحلي والعالمي. والعمل جاري على تحويل هذه المعايير الى برامج (حقائب) تدريبية تلتزم بها جميع معاهد التدريب، وتخضع لشهادات معتمدة في منظومة المؤهلات الوطنية التي تشرف على تنفيذها هيئة المؤهلات وضمان جودة التعليم والتدريب، ويمكن من خلالها إلى تأسيس نظام متكامل للربط بين التعليم الاكاديمي والمهني بشكل واضح وشفاف، بحيث يشجع الداخلين في التعليم المهني على عملية الانتقال بين التعليم الأكاديمي والمهني وفق ضوابط ومتطلبات واضحة، بالإضافة الى الاعتراف بالشهادات والبرامج المهنية والفنية المحلية. وقد أفضى التعاون بين الوزارة والهيئة في هذا المشروع لضرورة بناء هذه البرامج وفق حاجة سوق العمل واتخاذ المعايير المهنية عموداً فقرياً لمشروع المؤهلات المهنية في عملية تكاملية بين المشروعين.

ومن المؤمل أن تكون هذه الخطوات والمبادرات عوامل رئيسية وأساسية لتغير الصورة النمطية للوظائف المهنية والتقنية، حيث أن هذه المهن ستكون ذات مردود اقتصادي مقبول جداً ولها مستقبل وسلم وظيفي ومستوى تأهيلي متدرج وواضح المعالم يتوافق مع تطلعاتنا وتطلعات العمالة الوطنية.

إننا اليوم نفتخر باستكمال إنجاز هذه المعايير التي غطت 11 قطاعا في سوق العمل وشارك في انشاءها وصياغتها أكثر من ألف فني وتقني من مختلف شركات ومؤسسات القطاع الخاص، حيث ستكون الشريان الرئيسي للمؤهلات والبرامج التدريبية والتعليمية الوطنية والوصوف الوظيفية، بل ستكون أساس الاختبارات المهنية التي تفضي إلى رخصة مزاولة المهنة الاحترافية. ولن يتوقف عمل الوزارة وشركائها عند هذه المعايير، بل إن عملية تجديد المعاير ستكون متفاعلة مع المتغيرات في سوق العمل، كما أن عملية تحديث المعايير وتطوير معايير جديدة ستكون دائما ضمن مكونات الخطة الاستراتيجية للوزارة للسنوات القادمة.

ولمعرفة احتياجات سوق العمل المستقبلية بشكل أكثر دقة وموضوعية، وتقليص فجوة مخرجات التعليم والتدريب، وخلق فرص عمل جديدة يتطلبها سوق العمل، وتوجيه الباحثين الى فرص العمل المستقبلية، وغيرها من التحديات، بدأت وزارة العمل بالتعاون مع مجلس التنمية الاقتصادية إنشاء المرصد الوطني لسوق العمل الذي تقوم فكرته على الربط بين كل قواعد البيانات المتاحة عن المؤهلين للعمل والعاملين في القطاع الخاص، من الجنسين، بمن فيهم الذين مازالوا على مقاعد الدراسة في قطاعات التعليم المختلفة والعمالة الوافدة التي تدخل البحرين سنوياً، إضافة للمعلومات المتعلقة بالصناعة والاقتصاد ومخرجات التعليم وغيرها من المكونات الأساسية، حيث سيكون المرصد هو الحاضن لهذه البيانات والمؤشرات التي ستكون متاحة لكل الجهات المستفيدة، ولمتخذي القرار، والمخططين والدارسين في القطاع العام والخاص لترشيد وتصحيح توجهاتهم وخططهم المستقبلية.

إن القوى العاملة كما هو معروف دعامة أساسية يعتمد عليها في أي اقتصاد، لذلك فإن الاستخدام الأمثل للموارد البشرية، والعناية بما تمتلكه من مهارات هو الذي يسهم بقدر كبير في رفع الإنتاجية وإحداث ما يتم التطلع إليه من تنمية وتطوير، ومن هنا تأتي أهمية رصد المؤشرات التي تعكس أوضاع سوق العمل وضرورة العناية بتقصي البيانات والمعلومات التي تستند إليها تلك المؤشرات. لذا، فإنه مما ينبغي مراعاته عند تأسيس المرصد الوطني للقوى العاملة ألا يكتفي فقط بأن يكون محوراً يربط بين قواعد البيانات المتاحة من الجهات الأخرى، وإنما يمتلك بالإضافة إلى ذلك نظام معلومات مكانية يشمل جانبي العرض والطلب للقوى العاملة أوالكفاءة في أداء هذا السوق، فوجود هذا النظام هو ما سيجعل لمؤشرات المرصد القيمة الفعالة في رسم السياسة الصائبة واتخاذ القرار المناسب.

الجدير بالاهتمام أن مشروعي المعايير المهنية والمرصد الوطني يتناغمان ويتكاملان مع المبادرات التي تقوم بها هيئة المؤهلات وضمان جودة التعليم والتدريب وبالخصوص منظومة المؤهلات الوطنية، حيث تعتمد هذه المنظومة على وضع نظام متكامل لتصنيف المهارات والقدرات، وبيان مستوياتها وشهاداتها، وإصلاح الخلل في الاعتراف بالمؤهلات المهنية، والتي بقت لفترة طويلة تفتقد لآلية اعتماد واعتراف لفتح جسر بينها وبين المؤهلات الأكاديمية التي تخضع لمعايير ومستويات مقرة ومعروفة.ومع إنشاء المنظومة تحددت معالم هذا الربط والاعتراف بالمؤهل المحدد الذي يرسم بالتزامن مع نظام المعايير المهنية ومشروع مرصد سوق العمل معالم سوق العمل المستقبلي المنشود.

إقرأ أيضا لـ "جميل حميدان"

العدد 4551 - السبت 21 فبراير 2015م الموافق 02 جمادى الأولى 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً