العدد 4660 - الأربعاء 10 يونيو 2015م الموافق 23 شعبان 1436هـ

في افتقاد الأوطان... وأصلها الإنسان!

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

لا عُسْر، ولا غُربة، ولا ضَيْم، ولا وحشة تُضاهي أن يفتقد الإنسان وطنه، وهو لمَّا يبْرَحْه ويغادر حدوده.

ثمة الكثير مما يفتقده الإنسان. أي إنسان؛ لكن البدائل والشاغل ليس عَصيِّاً وإن جاء في صورة احتيال وإيهام؛ إلاَّ الأوطان بافتقادها وفقدانها لن تقوى على مثل ذلك الافتقاد والفقْد كل حيل وإيهامات الإنسان أن تجعل له بديلاً أو شاغلاً.

لا يدرِّبك الوطن على الإقامة فيه بقدر ما يُربِّيك على الإقامة فيه وفي تفاصيله، حسُنَتْ أو قبُحَتْ. يُربِّيك على أن تشبهه. على الوصول إلى جوهره كي تُضيء؛ وتكون جزءاً من ذلك الكنز المخبوء. المخبوء الذي يحتاج إلى من يمارس حرْفة النبْش كي يستجلي تفاصيله، ويقدِّم كل رائع فيه.

قد يكون أول الطريق هو؛ لكنك لن تجد نهايات له؛ حتى وأنت تشتغل على ترتيب منافيك الجديدة، وغرباتك الوافرة، ونأيك الجارح والمُمِضِّ. لن تنجو منه؛ وستفرُّ إليه هذه المرة كصيَّاد ماهر يبدو للرائي من قصيِّ المكان أنه الطريدة!

يختزله الشاعر في النص، والعاشق في الانتظار ولو كان مجازياً، والمهمَّش في العناق، والفاشل في الأضواء وحفلات الاستقبال، والعاجز في قدرات لا حدَّ لها على الجذب والإقناع؛ والأرملة في بيت ضيِّق... واسع بالذريَّة والأهل؛ على رغم غياب سور البيت، والمراهقة في نهاية لا خيبات فيها أو صدمات أو كوابيس!

ومثل ذلك الاختزال إنما يُعبِّر عن القدرة في تمثُّله واستحضاره، والتورُّط في تفاصيل ليست في حدود الذاكرة وحدها؛ بل في حدود راهن الوقت، والقدرة أيضاً على استشعار مستقبل لا ينفكُّ حضوره حتى ما بعد اختزاله في حدود النص.

وكأنما وُجدت المنافي لاختبار انفصالك عن الوطن. بل هي اختبار للحياة خارج دائرته، وفي البعيد من أفقه الذي ستصبر عليه مهما كان ضيِّقاً؛ من دون أن يَمْسَسْكَ سوء خضوع يُراد لك، ومن دون أن ينتابك تسليم بكل ما يحاصره من عبث وتجاوز وفظاعات.

المنافي التي تدفعك دفعاً كي تجد طمأنينتك؛ ولكنها تظل مؤقتة مادمت خارج رحمك الأول، وخارج الفضاء الذي منه تشكَّلت روحك، وتفرَّعت مداركك.

ربما تُتاح لك في بعض تلك المنافي، فرصة أن تقف على الفارق بين الفضاء الحقيقي والآخر الاصطناعي. ستقف على البرد الذي كنت تراه في وطنك وجه الدفء وروحه؛ فيما هو هنا متاهتك التي تُعمِّق من رجفتك التي تكاد لا تنقطع.

في المنافي أنت مقطوعٌ من شجرة الحياة؛ أو هكذا تبدو. شجرتك، جذرك، ما تتنفسه، علاقاتك، والمراتع التي تقلَّبتَ فيها، هي التي تصلك بالحياة التي تشعر بتفاصيلها ودقائقها، وخارج ذلك كله، أنت مقطوع من كل ذلك. كأنك مقطوع من الحياة لا الشجرة فحسب!

لا عُسْر ينسيك الصرخة الأولى ومهبط روحك، ولا غربة ستستبدل بها التفاصيل هناك: الوجوه، والأماكن، والزمن في انشغاله بك، وانشغالك به، ولا ضيْم سيُثنيك لتركه للذين يعبثون بالحياة، ولا وحشة ستُقنعك بصياغة المكان، بحثاً عن بديل له.

كل الحالات تلك إنما تُعيد صَوْغ روحك وصقلها، والأخذ بها إلى امتحان النأي. كل منا بحاجة إلى ذلك النأي كي نعيد اكتشاف ذواتنا التي بها نعيد اكتشاف الأوطان التي ننتمي إليها.

ومن دون الامتحان ذاك، من دون حالات اغتراب، ربما تأتي في صيغ متعدّدة، لن نقوى على الذهاب إلى المستحيل أحياناً لنكون حائط صدٍّ ضد الذين لا يُحسنون في هذه الحياة سوى الطعن في الانتماء؛ على رغم متاهاتهم التي لا تنتهي، وغموض المكان الذي جاءوا منه؛ وليس بالضرورة أن يكونوا منتمين له!

لا تفسير للوطن سوى أنه تشكُّلُك ونمو نفسيتك وروحك ومزاجك ومداركك ووعيك. هو قدرته على ربطك بحبله السري الذي منه تتنفس ومنه تبتغي سبيلك إلى الحياة.

لا أحد منا لا ينشغل بالوطن، لكن لا أحد ينشغل بتفسير الوطن الذي ينتمي إليه. كأنه بذلك ينشغل بتفسير الفضاء من حوله وهو في وطنه؛ أو تفسير الفضاء الذي لا يراه وهو خارج وطنه؛ إذ كأنه لا فضاء أساساً خارج الوطن. كأنه الفضاء الذي تبدأ به وتنتهي.

أن نفتقد الأوطان التي نعرف، نكون لحظتها إما في حدود زمن مضطرب ومختطف، وأمكنة هي في الذروة من العسْر، وشح الفضاء فيها، وإما أننا في اختبار الاقتراب منه أكثر بذلك النأي الذي كثيراً ما يكون عابراً. المشكلة أن الدرس الذي تعلَّمناه أن الافتقاد ذاك لا يحضر بذلك الإلحاح المَرضي إلا بفعل حال اختطاف للزمن والمكان، وعُسْر يطالهما من قبل من لا تجهله أرواحنا المصهورة بمواجهته ومناجزته.

في نهاية المطاف: لا نفتقد الأوطان ولن نفقدها؛ مادامت أرواحنا في الصميم من الحضور وعصَب الحس. من لا يملكون ذلك؛ أو تركوه رهن تصرُّف جهات لا مشكلة لديهم - بالمناسبة - في تبديل أوطانهم وولاءاتهم كما يبدِّلون ملابسهم الداخلية. أولئك هم غصَّة الحياة، وعالتُهَا؛ وعُسْرها الذي لن يعرف يُسْراً بذلك التواطؤ الذي يحطُّ من قيمة الحياة لأنه يحطُّ من قيمة الإنسان: أصل الأوطان التي نعرف!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 4660 - الأربعاء 10 يونيو 2015م الموافق 23 شعبان 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 11:55 م

      هكذا الوطن

      (لا تفسير للوطن سوى أنه تشكُّلُك ونمو نفسيتك وروحك ومزاجك ومداركك ووعيك. هو قدرته على ربطك بحبله السري الذي منه تتنفس ومنه تبتغي سبيلك إلى الحياة.)

اقرأ ايضاً