كانت وخيمة تلك النتائج التي ظهرت إثر حادث التسمم الذي ألمّ بأهالي سترة أخيرا، فتسمم حوالي 800 شخص في البحرين، ووفاة مواطن، وتعرض ثماني حوامل لمخاطر مضاعفة، ليس بالأمر الهيّن هنا.
غير أن الملف سرعان ما أغلق وطواه النسيان بإعلان التقارير الأولية حول المتسبب في هذا الحادث، ولم يعد أحد يسمع عنه شيئا، وخصوصا الإجراءات التي اتخذت في شأن المخبز الذي كشف التقرير أن ميكروب السلمونيلا كان (مقيما) على آلة تقطيع البيض.
المخبز المعني لايزال يعمل بطاقته القصوى منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، واكتفت وزارة الصحة آنذاك بتجميد عمل المخبز لفترة مؤقتة ريثما ينتهي التحقيق، وانتهى التحقيق، ولكن آلام المتسممين لم تنته، وآلام من فقدوا ابنهم لاتزال قائمة.
وزارة الصحة، بوصفها المعنية عن المحافظة على حياة الناس من الناحية الصحية، كانت المحطة التي انتقلت «الوسط» للتعرف على رأيها فيما حدث، فكان اللقاء مع مدير إدارة مراقبة الأغذية والمياه عبدالله أحمد الذي قال إن تلوث الأغذية يحدث في كل دول العالم، وحتى الدول المتقدمة لا تخلو منه، ولو قورنت البحرين بالدول الأخرى لرأينا الحوادث الخاصة بالتسمم في البحرين قليلة تكاد لا تذكر.
ويرجع مدير الإدارة الأمر في هذا الشأن إلى «الرقابة المستمرة على الأغذية، والكشف عن المخالفات التي تقع»، ولكنه يقول في الوقت نفسه ان حالات التسمم يمكن أن تحدث في أي مكان، وخصوصا في فصل الصيف.
وتخضع المواد الغذائية الداخلة للمملكة لرقابة يومية من الناحية الصحية، سواء الداخلة عن طريق المطار أو ميناء سلمان أو جسر الملك فهد، وفي كل هذه المنافذ هناك مكتب خاص بالتفتيش الصحي.
أطنان تصادر ومحلات تغلق
أحمد يقول انه جرت في هذا العام مصادرة 25 طنا متريا من الأغذية داخل المحلات التجارية، إضافة إلى فرض غرامة مالية على 1409 محلات بسبب عدم التزامها بالاشتراطات الصحية، وفي الوقت نفسه تم إغلاق 149 محلا للأسباب ذاتها.
المخبز المعني في حادثة سترة، يخضع للشروط الصحية، ويلتزم بها - بحسب أحمد - وهو محافظ على شروط النظافة بشكل عام، وفي إعداد الوجبات بشكل أساسي.
ويضيف أن هناك سياسة لتفتيش المطاعم والمخابز ومحلات اعداد الوجبات تفتيشا صحيا، اعتمادا على سجل وتاريخ المحل ومدى محافظته على شروط النظافة، فإن كانت السجلات نظيفة من المخالفات تكون الزيارات لها أقل من زيارات تلك المحلات التي تتكرر فيها الحوادث، «هناك بعض المحلات يزورها المفتش كل شهر، وأخرى كل شهرين، وبعضها تسجل عليها مخالفات ثانوية، يقوم المفتش برصد المخالفة ثم يعود إلى التأكد من تجاوز المحل لها أم لا».
أحمد يقول «ان عمليات التفتيش تراعى فيها تصنيفات المحلات، فهناك مستوى (ء)، وهو محل أو مطعم درجة أولى، وهذا لا يزار يوميا، أما المحلات المصنفة دون هذه الدرجة، والتي تحمل رموزا مثل (E) أو (F) فزياراتها مكثفة».
غير أن عدد المفتشين في البحرين لايزال قليلا نسبة إلى عدد النقاط التي تحتاج إلى تفتيش، فالعدد لا يتجاوز 45 مفتشا، يصفهم مدير الإدارة بأنهم «يعملون بتفان ليل نهار بنظام الأوقات الإضافية وتم تقسيم البحرين إلى محافظات ولكل منها مشرف صحي»، ولكنه في الوقت نفسه يعترف بأن المفتش الصحي لا يستطيع زيارة المحلات بصفة يومية «بل يزور المحل في الأسبوع مرة، أو في الشهر مرة، لأن هناك آلاف المحلات الأخرى التي تجب زيارتها وتفتيشها»، وتمنى زيادة عدد المفتشين مستقبلا، «هناك موافقة على الزيادة، والناقص الآن توافر المفتشين المؤهلين للقيام بهذه المهمة».
الإحصائات التي حصلت عليها «الوسط» حول المحلات التجارية التي تخضع للفحوصات الصحية تفيد أن هناك 6776 محلا لبيع وإعداد وتوزيع المواد الغذائية، بالإضافة إلى عدد من المحلات التي تخضع للتفتيش الصحي كمحلات الحلاقة وغيرها. وبتوزيع عدد المفتشين على هذه المحلات يكون نصيب كل مفتش 150 محلا تجب عليه زيارته، وبالتالي فإن على المفتش أن يزور محلين يوميا طوال السنة، وعليه فإن المفتش لن يستطيع زيارة المحل الواحد إلا مرة في السنة إن أراد أن يعدل بين المحلات والزيارات.
آلاف المحلات التجارية في صيف البحرين «غير السعيد» قد لا تفلح معها زيارات متقطعة من قبل العدد القليل من المفتشين مقارنة بحجم المهمة الملقاة على عواتقهم، وخصوصا أن المفتش الصحي كما يصفه أحمد ليس شرطيا، بقدر ما يقوم بدور توعوي أيضا، إذ «يقوم المفتش بتوعية أصحاب المحلات والمخابز وغيرها بكيفية إعداد الأطعمة بصورة سليمة»، ولكنه يعود إلى القول: «لا نضمن أن يلتزم صاحب المطعم أو المخبز بمراعاة هذه الاشتراطات بحذافيرها بعد خروج المفتش من عنده».
الإجراءات عند المخالفة
وبسؤاله عن الإجراءات التي تتخذها الوزارة في حال ثبوت المخالفة الصحية يجيب مدير إدارة مراقبة الأغذية والمياه : «إن كان المحل يشكل خطرا مباشرا على الصحة العامة، وثبت ذلك من خلال التحقيق والتفتيش الصحي؛ يغلق فورا، ولا يعطى أية مهلة (...) هناك إجراءات أخرى يقوم بها القسم كفرض غرامة مالية».
المدير ذاته يقول انه ليس من المعقول الاكتفاء بمجرد غرامة مالية في حال تعرض حياة الأفراد للخطر جراء تناول أطعمة تثبت مسؤوليته عن افتقارها إلى الشروط الصحية.
الإدارة الصحية تقوم - بعد غلق المحل كإجراء عقابي - بمتابعة حثيثة للمحل ذاته للتأكد من التزامه بالشروط الصحية، وفحص عدد من العينات للتأكد من سلامتها «أما المحلات العادية الأخرى - غير المطاعم فنكتفي بتوجيه إخطار في المرة الأولى للقيام بإصلاح أوضاعها إن كانت المخالفة تختص ببعض الاشتراطات الصحية التي لا تشكل خطرا على الصحة العامة».
في العادة يمنح المفتش الصحي لهذا النوع من المخالفات فرصة لتصليح الوضع، وإلا فالإغلاق هو العقاب.
كل هذه المعلومات الأولية كانت في سبيل الوصول إلى حادثة سترة ذاتها بكل تفاصيلها المعلومة، ما الذي اتخذ في شأن المخبز ذاته المتسبب في المشكلة؟
يقول أحمد: «ذهبنا إلى المخبز المعني، فوجدنا أن جميع الاشتراطات الصحية متوافرة فيه، وليس هناك أي خطر على الصحة العامة، ولكن التلوث حدث بسبب افتقار أحد أقسامه إلى الشروط الصحية، وبالتالي قمنا بإغلاق قسم إعداد السندويتشات في المخبز، وحققنا في الموضوع، والقسم لايزال مغلقا».
مدير الإدارة يتبع نظرية أن ليس هناك سبب واحد، ووحيد في وقوع أي حادث، فيقول إن السلمونيلا كان في البيض، وعلق بآلة تقطيع البيض، ولكن هذه النسبة العالقة لا تكفي لحدوث التسمم، أما ما ساعد على ذلك فهو تخزين السندويتشات لفترة طويلة في جو حار ورطب... هذان العاملان اشتركا - في رأي أحمد - في الوصول إلى هذه الحالة.
مسئولية الوزارة قائمة
شقيق المواطن الذي توفي في هذا الحادث، عيسى عبدالله لا ينفي مسئولية وزارة الصحة فيما حدث، بقوله: ان «من واجب الوزارة حماية أرواح الناس صحيا، وفي هذه الحالة الوزارة تتقاسم مع المخبز المعني المسئولية... ولو من الناحية الأدبية (...) أنا أحمل وزارة الصحة - ممثلة في إدارة مراقبة الأغذية والمياه مسئولية ما حدث وتجب محاسبة المسئولين».
عبدالله يشكك في قوة مراقبة المخابز والمطاعم ومحلات إعداد الأطعمة، ويقول: «ما يحز في نفسي كثيرا تصريحات المسئولين في الوزارة الذين حاولوا قدر استطاعتهم نفي المسئولية عن جانبهم وإخفاء الحقيقة والتستر على ما حدث... ففي الأيام التي كنا نقاسي فيها مصابنا الجلل، تلقي الوزارة باللوم على الأهالي بالقول ان اللوم يقع عليهم بطريقة تخزينهم للسندويتشات من دون الإشارة إلى المخبز الذي يبدو أنه غير مدرج على قائمة التفتيش الصحي لسبب أو لآخر».
وطالب عبدالله بفتح الملف مرة أخرى والتحقيق من جديد في أسباب الحادث دون الالتفات إلى من هو الواقف وراء ما جرى، وتقديم المخبز ووزارة الصحة إلى القضاء.
المخبز المعني بالقضية لايزال يمارس أعماله اليومية، وهو - كما يصفه أخ المتوفى - محشور في المبنى ذاته بين مطبعة ومغسلة سيارات وكراج لتصليح السيارات، يطوقه مجرى مكشوف لتصريف المخلفات والزيوت الخارجة من الكراج، وبحسب المنطق البسيط، فإن هذا المخبز في وضعه هذا مخالف للاشتراطات الصحية والتي على أساسها يسمح للمخابز مزاولة أعمالها.
ويقول: «ما أعلمه - وأنا مواطن بسيط - أن من ارتكب جرما يعاقب عليه، وأن أرواح الناس أغلى من التجارة وأرباحها، والخوف على صحة البشر أعز من الخوف على فقدان الكرسي».
تصريحات باطلة
وفي الوقت نفسه، يقول علي عبدالحسين (والد العريس) انه باشر بنفسه حفظ السندويتشات بعدما أوصلها المخبز إلى موقع الحفل (نادي سترة)، ويؤكد مجددا أن الحفظ تم في غرف مكيفة فور وصول الطلبية إلى الموقع بحلول الساعة السابعة مساء، وتم توزيع الوجبات بعد ساعة ونصف الساعة، «لم تكن الغرفة ذات مناخ حار كما ادعى البعض - بل كانت ثلاثة من أجهزة التكييف تعمل حتى الساعة الـ 12 ليلا».
ويضيف: «الكل يعلم أن ما أطلقه المسئولون في وزارة الصحة من تصريحات عار من الصحة تماما»، وبرر هذا الأمر برغبة الوزارة في إبعاد المسئولية عن نفسها وعن المخبز
العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ