بعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر على حادث تسمم أهالي سترة ببكتيريا السالمونيلا، تدخل القضية في زاوية جديدة يؤدي فيها الجانب القانوني والتأميني الدور الأبرز. فبعد وفاة جعفر عبدالله حسن الذي راح ضحية التسمم، وإجهاض جنين سيدة من الحوامل الـثماني، وتماثل الباقيات للشفاء، وتعافي المصابين الـ 800، لا يزال ملف القضية التراجيدية مفتوحا، لتتسع الدائرة وتضم إليها البعد القانوني الذي يجر بدوره بُعد التعويضات المادية والمعنوية التي يطالب بها المتضررون جراء التسمم. فالخطيبان وأهالي سترة والمخبز ووزارة الصحة والمختبر وشركة التأمين، كان كل واحد منهم حلقة من حلقات القضية التي لم تشهدها البحرين قبلا بهذا الحجم وبهذا القدر من الضرر، لكن الأطراف بدأت تتقلص مع دخول الجانب القانوني لتصبح القضية قضية متضررين في مقابل جهة التعويض. أشقاء جعفر الذي فارق الحياة متأثرا بالتسمم الذي تعاون مع فقر الدم المنجلي في وضع حد لحياته، يصرون على رفع القضية إلى المحكمة الجنائية. إذ يقول شقيقه عيسى عبدالله: «لقد راجعنا المحامي ونحن في مرحلة تجميع الأوراق الثبوتية التي تدين المخبز».
رئيسة جمعية حماية المستهلك المحامية زينات المنصوري قالت لـ «الوسط» إن المتوفى فارق الحياة لسبب مباشر هو التسمم وليس إصابته بفقر الدم المنجلي الذي يعتبر سببا غير مباشر، فالإنسان باستطاعته التعايش مع مرض من هذا النوع لأمد طويل دون أن يتوفى بسبب مباشر.
وتقول: «إن الأمن الغذائي حق أولي للمستهلك لا جدال فيه، لكن أن يصل الإهمال إلى درجة أن يتوفى احد المتضررين فالأمر من الخطورة ما يستدعي الوقفة التشريعية».
وتشدد المنصوري على ضرورة تدارس أنماط صناعة الغذاء لإرساء مقاييس ومواصفات علمية تضمن سلامة المستهلك، مشيرة إلى أن المستهلك من حقه أن يعرف المعلومات كاملة عن المنتج الذي يستهلكه، والسندويتشات المسمومة كانت خالية من أدنى معلومة توضيحية بشأن تاريخ التصنيع أو عدد السعرات الحرارية.
وتزيد المنصوري: «في ظل غياب المعلومة، ووقوع الضرر، تلزم جهة الضرر بدفع التعويض حتى وإن كان الضرر غير مفتعل أو مقصودا أو صادرا عن جهل».
وتسعى الجمعية في المرحلة المقبلة إلى أن يكون لها ممثل في لجان التفتيش الصحي المعنية بالمستهلك، فيما تقول المنصوري: «لابد من زيادة كفاءة العاملين في قطاع تصنيع الغذاء الصحي وزيادة التدريب في ظل محدودية الوعي حول حقوق المستهلك وغياب مطالب المتضررين بالتعويض».
شركة جنرال اكسدنت، الشركة المؤمنة على المخبز، أعلنت صراحة أن وثيقة التأمين لا تغطي حوادث التسمم، وتكتفي بالتعويض عن الحرائق والسرقات وهذا ما يجعل اللجوء إلى القانون الخيار الأوحد أمام أهالي سترة.
خبراء التأمين في البحرين يرون أن القضية شائكة، ولا يدان فيها المخبز وحده، إذ يدخل قسم الرقابة الصحية التابع إلى وزارة الصحة طرفا في تحمل المسئولية، خصوصا إذا ثبت التقاعس الرقابي والقصور في الحملات التفتيشية.
علي سلمان الذي تضرر 20 شخصا من عائلته، ومعه آخرون، يفكرون جديا في رفع الحادث إلى القضاء لكنه يقول: «سعيت إلى توحيد الأهالي لرفع ما جرى إلى المحكمة، ولكن أهالي المنطقة لم يأخذوا قولي على محمل الجد حتى صاحب الحفل نفسه».
المدير العام بشركة البحرين الوطنية للتأمين باتريك اروين قال في تصريح صحافي سابق انه لا بد من إثبات الإهمال أولا ثم إدانة المخبز، و إلا يتعذر على المتضررين إقامة الدعوى واثبات الضرر.
ويقول سيد جميل سند من شركة اتحاد الخليج للتأمين: «إن شركة التأمين ليست المسئولة عن الضرر على اعتبار أن الخطأ ناتج عن إهمال صاحب المخبز في شئون النظافة».
ويضيف: «إن شركات التأمين تقدم خدمة التأمين ضد أضرار المستهلكين للمخابز والمطاعم في وثيقة التأمين الشاملة مقابل قسط إضافي ولكن المخبز لم يؤمن تأمينا شاملا». ويرى سند أنه بإمكان المتضررين المؤمنين على حياتهم تأمينا صحيا أو شخصيا أن يتقدموا بطلب تعويضات جراء الضرر الذي تعرضوا له ومن عداهم عليهم رفع دعوى على المخبز أو على أصحاب الحفل.
بينما يشير المحامي عيسى إبراهيم وهو أحد أبناء سترة إلى أن عددا من أبناء القرية يصرون على رفع الضرر إلى القضاء، لكن العدد الأكبر منهم متردد خصوصا وأن أهالي المنطقة «معرفون بهدوئهم وتسامحهم، إذ لم يعتادوا على قصد المحاكم للمطالبة بحقوقهم».
ويفضل المحامي أن تطرح القضية بشكل جماعي حتى تشكل ثقلا أكثر وزنا مما لو طرحت كحالات فردية. بيد أن نائب رئيس جمعية المحامين البحرينية فريد غازي أكد أن القضية ستكون أقوى لو قدمت للقضاء كل حالة على انفراد.
ويرجع غازي ذلك إلى حجم الضرر الذي يتباين من حالة إلى حالة: «فأهل المتوفى يستحقون تعويضا يختلف كليا عن المتضررين الآخرين الذين يتباينون بدورهم بين متضرر دخل في مرحلة خطرة، وبين متضرر تلقى علاجه وغادر المستشفى سريعا».
يقول: «لا يعقل أن ينظر القاضي في شكوى 800 شخص دفعة واحدة ومن صالح المتضررين أن يتقدم كل واحد منهم بدعوى منفردة».
ويطالب غازي أن يقدم المخبز المتورط في الحادث إلى المحاكمة الجنائية على وجه السرعة ليكون عبرة للمخابز والمطاعم التي تتهاون في أمور النظافة العامة والمعايير الصحية، مشيرا إلى ضرورة أن يحقق القضاء في إمكانية مسئولية أهل العريسين في تكاثر فيروس السالمونيلا بسبب سوء التخزين.
تعود زينات المنصوري لتؤكد أن قضية الأهالي «رابحة بشكل قطعي وللقاضي تقدير حجم الاضرار المادية والمعنوية الواقعة على المتضررين»، مشيرة إلى انه لا يوجد حد أدنى أو أقصى لمبالغ التعويضات.
وتظل القضية محط مد وجزر بين الأطراف المتشابكة، وللقضاء وحده الكلمة الأخيرة في مسلسل تسمم أهالي سترة
العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ