العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ

التشكيلي عباس يوسف:الشكل غابة... انه فعل الجمال الخالص...

في لقاء مع «الوسط»

اجرى الحوار: جعفر الجمري 

18 سبتمبر 2002

الطريق إلى مرسمه محفوفة بالهواجس... وتكاد لا تصل إلى حيث يقبع هناك متدبِّـرا وساهرا على فِتَنِه... وحين تصل تكون في انتظارك هواجس اثنين من رفاق الكشف والتجربة... عبد الجبار الغضبان وخليل الهاشمي... والمكان لا يشي بدقة على رغم أنّ ما يصدر عنه هو في الصميم منها...

التشكيلي عباس يوسف واحد من الغاضبين والساخطين على حالات السذاجة والغباء المستشري على مستوى الذائقة البصرية ويصر على أنّ المواهب في الحدقات والنظر متعددة... «الوسط» التقته فكان هذا الحوار:

* حين يتوغل الفنان في التجربة... هل يقترح أشكالا أم مضامين؟ أم الاثنين معا؟

- عن أي الأشكال تتحدث؟ أي الأشكال نبغي ونرتجي؟ نحن التائهون في شكل الشكل، ما انفكت رؤانا تبحث عنه هو التائه بنا ونحن المولعون به شكل صورة يمثل وضع حياة، ديمومة استفهامية واستفزازية تأخذنا إليه وهو الذاهب بنا ونحن الراحلون إليه الشكل شكل... حالة... وضع، فلا الشكل بلا مضمون وإلا كيف تشكّل وصار كيانا؟

ربما نتفق أو نختلف في تفسير الشكل وتتباين الرؤى ضمن رقعة الاختلاف الشاسع لكن ثمة اتفاق على وجوده - كما اسلفنا القول أن شكل «راق» هو مضمون مرتبط بمدى وعي وثقافة وخلفيات مبدعه رغم التباين العميق القائم حول مفهوم المضمون أيضا، إذا ما أريد التنظير... سواء من الجانب الاجتماعي أو الجمالي أو النفسي... في المحصلة النهائية بتصوري أن الفنان الذي يشتغل بهذه الصورة وضمن هذا السياق والوعي هو يسعى لتحقيق مضامين فنية وأخلاقية وجمالية ونفسية واجتماعية لا ينبغي اطلاقا استبعاد الجانب الثقافي والفكري - وأهميته - الذي يستند عليه وإلا أصبح غثاء وزبدا - دون معنى...

إذن الشكل ليس دلالة واضحة سهلة القراءة والتفسير أو انه رؤية سطحية تبحث عن الجاهزية والمباشرة، تقدر على هضمه وقراءته.

الشكل قائم بمضامينه. على رغم اختلاف التفسيرات والقراءات التي تدور حوله وتتصدى له. فالفنان الباحث في الشكل بصورة جادة وأصيلة وصادقة هو دون شك يبحث في المضمون... يبحث عن المضمون أيضا.

* التعبير عن النموذج التجديدي القائم على أسس حداثية واضحة من أوليات الفنان المعاصر. هل استطعت أن تحقق مثل ذلك التعبير؟

- ربما أكون مخطئا إن قلت أن مشروع النموذج التجديدي لم يكن وليد هذا العصر لأنه مشروع قائم أساسا على البحث والتجديد منذ زمن وإلا ماذا يعني ظهور كل المدارس الفنية الحديثة التي أخرجها نوابغ الفنانين العظماء ضمن مشاريعهم وبحوثهم الجادة التي أوصلت لنا كل هذا النتاج الفني والحضاري والإنساني العظيم.

ضمن هذا التصور المتواضع أفهم ما حولي وعليه كأي مخلوق يشتغل في حقل الإبداع أحاول بناء فضائي الفني والذي إن حاولت الكلام عليه لن أقدر على فصله عن مشروعنا الفني الثنائي أنا وعبدالجبار الغضبان هذا الذاهب ببعده وفعله وجماله إلى فضاءات تبحث عن المدى في بحثها وتجربتها وتجريبها لكوننا ما زلنا نحاول مد خيوط لسد ثغراتها وتجاوز قصورها.

ربما بصورة وبأخرى لا أمتلك الشجاعة والقول إني حققت مثل ذلك كون فعلي الفني ما انفك يبحث في مخاضه الذاتي... يحاول تطوير أدواته الفنية وبنائها البناء السليم المنطلق من مبدأ وقناعة أن هذا الفضاء الذي أنا فيه بحاجة إلى غربلة وبحث وتجريب مستمر، بتصوري هكذا حالي وأنا أقابل المعدن واللون والحمض والورق وجبار والمرسم أيضا.

* هنا في البحرين تجارب تكاد تكمل نصف قرن... هل ثمة فكر حداثي تجديدي له رؤيته الواضحة تجاه قضايا الفن والتاريخ والتراث كما هو الحال لدى «جماعة بغداد للفن الحديث»؟

- ما جاءت به جماعة بغداد للفن الحديث وما دعت إليه وما أعقبها من جماعات فنية أخرى ظهرت في العراق فيما بعد كجماعة البعد الواحد - منظرها شاكر حسن آل سعيد - لم تأت وليدة صدفة ولم توجد نتيجة عشوائية وتخبط، بل هي نتاج فكري وحضاري متراكم تصدى له كوكبة عظيمة من الفنانين والمبدعين وعليه بنت أفكارها وصاغت رؤاها، ولا ننسى الوضع القائم في العراق في تلك الفترة حيث الأحزاب السياسية والنشاط الفني والثقافي كان في أوجه وما واكبه من حركة نقدية فاعلة وترجمة موازية والأفواج الكبيرة من الفنانين الذين درسوا في الخارج وما جاءت به من خبرات فنية وجمالية استفادت منها الأجيال التي أعقبتهم، لأن الأوائل منهم وظف كل مكتسباته في خدمة تراثه وهذا ما قدمه على سبيل المثال جواد سليم في نتاجه الفني البارز.

هنا تصعب المقارنة وتكاد تنتفي أصلا لأن المقارنة بعيدة جدا. عموما المنتج الفني التشكيلي فردي محض وما الجماعات الفنية الا تعبيرا عن مواقف ورؤى حول قضايا فنية وجمالية.

في البحرين لم تتشكل تلك الجماعات الفنية البتة وحسب معلوماتي الشحيحة أيضا لم تظهر بوادر لمثل ذلك بحيث أخذت على عاتقها تبني فكر معين أو وجهة نظر حاولت التنظير لها من منطلق فكري أو جمالي مرجع ذلك ايضا إلى ان الحركة الفنية هنا في البحرين تعد جديدة عهد وزمن إذا قيست بأقطار عربية أخرى كمصر والعراق وسورية مثلا. صحيح تشكلت جمعيات فنية لمّت الفنانين تحت رايتها وأقامت المعارض الجماعية لها لكنها لم ترتق للمستوى الذي جاءت به تلك الجماعات الفنية وهذا بتقديري لا يقلل من شأن الحركة التشكيلية في البحرين ومن مستواها الفني الذي وصلت إليه ويرجع الفضل فيما هي عليه إلى اجتهادات ومثابرات فردية محضة... مبادرات شخصية أخذت على عاتقها البحث والتجريب بغية التطوير ورفع المستوى الفني من هذه التجربة الفردية التي تصب في النهاية في التشكل العام للحركة الفنية في البحرين وما هي عليه الآن.

* يكاد الجمهور المتتبع للحركة الفنية التشكيلية يعيش اغترابا عميقا يفوق بمراحل الاغتراب الذي يعيشه جمهور القصيدة الحديثة كيف تنظر إلى زاوية ذلك الاغتراب؟

- مسألة ما يسمى بالاغتراب بتصوري هو كذبة كبرى. فعن أي اغتراب نتحدث دون الرجوع إلى الاسس والقاعدة. اي الجمهور يا صديقي تتحدث عنه، جمهور ليس له علاقة بالخط ولا اللون، جمهور فقير لا حول له ولا قوة، مَنْ علمه ومن وضع له البرامج والخطط التربوية والتثقيفية القائمة على منهجية علمية سليمة تسعى لتفتيح الرؤية وتنمية الذائقة الفنية والجمالية. أعتقد ان هذه النقطة التي أشرت إليها ليست مبررا قاطعا لما أسميته بالاغتراب القائم.

لأن الانسان عليه بناء ذاته وتطوير وتدريب مخيلته والرفع من مستوى ذائقته الجمالية والفنية لأن ذلك ليس مرتبطا بزواية واحدة فقط وهي تذوق العمل الفني والتفاعل معه نفسيا وجماليا بل إنه يتعدى ذلك لأنه على علاقة بأمور حياتية يومية يتعايش معها الانسان ويشتريها ويستهلكها كاختيار الملابس... وقطع أثات المنزل وشكل وطراز السيارة التي يركب ... الخ

الاغتراب معشعش فينا ومن نقاطه الرئيسية في تصورنا هو الخوف من الاقتراب من كل ما هو جديد بدعوى الجديد المقبل من هناك ما هو إلاّ هدم وتجن علينا .. على موروثنا وتراثنا وثقافتنا هذا إن لم يوضع في خانة الخيانة والمؤمرات. لن تكون القصيدة الحديثة بكل تجلياتها وعنفوانها وما وصلت إليه من مستوى أوفر وأحسن حظا من اللوحة الفنية - المعاصرة - حقيقة انها مسألة جدا خطرة رغم الدراسات والابحاث والمشاريع التي تصدت لقضية الاغتراب بالدراسات والتمحيص ووضع الحلول والمقترحات والتصورات الجادة إلاّ انّ هذا الاغتراب مازال صامدا ... إنها مسألة ليست بحاجة لتنظير كثير. هي بحاجة إلى فعل صادق يرى في التجديد حفاظا على القديم وسندا له... إنها مسألة متعلقة بالمناهج التعليمية بالأساس. ومن هنا يمكن قياس مدى تحقق ذلك... كم هو نصيب القصيدة الحديثة في مناهجنا التعليمية؟

تسألني عن الاغتراب... نحن غربة واغتراب أيضا.

* الثقافة الحديثة فتحت لكم آفاقا جديدة على المعرفة الانسانية وهو ما جعل الوعي الثقافي مكثفا وقائما على دعائم من استقلالية الذات الابداعية... إلى أي مدى انعكس ذلك على اعمالكم الاخيرة؟

الثقافة الحديثة ليست الا مجموعة من المعارض المتراكمة وكي اشعر بوجودي وكياني وانتمائي لهذا العصر لابد من متابعة النتاج الفكري والانساني لبناء هذا العصر في اقل تقدير ماله علاقة بحقل اشتغالي ومجال اهتمامي فبالرجوع إلى الوراء ترى ان ما سبقنا من أمم رغم بعد المسافات وتعسر المواصلات وضيق الحياة إلا انها كانت تمد جسور التواصل فيما بينها، فما بالنا ونحن نعيش هذا العصر الذي يسمى فيه العالم - قرية صغيرة - وعليه لا مناص لنا إلا بالتفاعل مع جديد المعرفة... مع كل فكر حداثي شريطة فهمه واستيعابه... محاورته ايضا كي لا نقع في ورطة النقل والتقليد العشوائي الأعمى لأن لكل مجتمع شروطه وثقافته ايضا... إذن كيف نستفيد من هذا الفكر والمعرفة الانسانية الكونية ونبني ونصوغ افكارنا ونبلور نتاجنا ضمن رؤى تؤمن بالحاصل من تطور وتقدم على جميع الأصعدة سيما الابداعية منها والتي دون شك أنها لا تنفصل عن جميع مفاصل الحياة.

* حين نتكلم عن «الهوية» فإننا بالضرورة نضعها في ما لها من سياق تاريخي يأخذ انساقة في التشكل والتكوّن والتطور والوضوح. هل ثمة هوية يمكن تلمسها في الأعمال التي تقدمها... أم أن ثمة تفتيتا لهذا المفهوم في التجارب الفنية الحديثة؟

- عندما نتحدث عن الهوية - كمصطلح قسري- سوف لن نخرج من تيه يتربص بنا وحين نتطرق إليها من زواياها الضيقة... المتحجرة خصوصا القائمة منها على الانغلاق... الواقعة في براثن الإقليمية والقومية بصورة سمجة وساذجة المعولة على الانغلاق الصّادة لكل بصائص النور التنويرية سنقع في الكارثة دون علم... الهوية ليست مادة أو سلاحا نحارب به...

أنا أفهم الهوية بشكلها الواسع والشمولي والكوني باعتبار أني مخلوق أنتمي لهذا الكون وهذا لا يمثل لي مشكلات على الاطلاق وهذا لا يعني بالضرورة نفي جذوري أو التخلي عن كل المكتسبات التي شكلتني في البدء.

بتصوري أن جل الصنوف الإبداعية تعمل على كسر كل هذه الحواجز والمسميات الضيقة بالفعل، تعمل على تفتيتها وإعادة صياغة وبناء أشكال أهم وأرقى من مثل تلك المفاهيم البائدة وإلا ماذا يعني هذا التحاور والتعاطي والتبادل القائم بين الثقافات الحضارات المختلفة... ألم يستفد بيكاسو من الحضارة الافريقية مثلا...

لم يعد الشاعر ناطقا رسميا باسم قبيلته واللوحة الفنية ليست بيانا تعبر عن فكر ضيق الأفق أو عن جماعة ما...

القصيدة واللوحة هي لسان حال الحب والخير والجمال للإنسانية جمعاء هكذا قال الصديق الجميل الشاعر قاسم.

* هل الفن تحايل على الأشكال والمضامين الجاهزة؟ هل هو محاولة لاجتراح اللامرئي؟

- الفن هو جزء وعنصر مهم من تكون حياة المبدع والفنان هو بالضبط كالماء والهواء لاستمرارية حياته وبقائها...

حتى تقضي على مبدع... فنان... امنع عنه هواءه وماءه فالفنان والمبدع الأصيل... لا يرتضي جاهزية الحلول والمضامين بل يمقتها ويحاربها في أقل تقدير داخليا ويرفضها... الفن هو الغوص في الشكل وسبر أغواره ودراسته وتمحيصة لاستخراج مدلولاته ومراميه والاشتغال عليها والتفاعل معها روحيا... الشكل ليس بهرجة وهروبا ليس حبلا مشدودا نعلق عليه غسيلنا... إنه كسر وتحطيم للمغلوط من المفاهيم والخاطئ من الأفكار هو اجتراح - لما تفضلت به - للا مرئي وهذا الفصل بحاجة إلى بصيرة تنفذ إليه... تحفر في خفاياه، فمن يشتغل على الشكل ومعناه وفيه وإليه لا يدع للمضامين البارزة أن تقرب صوبه... الشكل غابة... الشكل مبنى ومعنى إذا ما نظرنا إليه بصورته الحقيقية البناءة الخلاقة... إنه فعل الجمال الخالص. الشكل تحطيم للشكل

العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً