العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ

ارنست غلنر: القومية ليست ظاهرة طبيعية

السؤال المركزي الذي يحاول الباحث الانجليزي ارنست غلنر الإجابة عنه من خلال دراسة القومية يتمثل فيما يلي: هل القومية ظاهرة طبيعية منغرسة في الخلق الإنساني؟ أم هي ظاهرة تاريخية؟

يقول غلنر إن الدعوى التي يقوم عليها تحليله هي كون القومية حالة ثقافية تؤسسها الدولة الحديثة وليست ظاهرة طبيعية. ويعرف الكاتب القومية بأنها مفهوم يدعي أصحابه أن التماثل الثقافي يمثل الرابطة الاجتماعية الأساسية، فكلما تكونت - على حد زعمهم - مبادئ للحكم تأسست شرعيته على أساس الاشتراك الثقافي للجماعة القومية. وفي مقابل هذا الطرح يرى أن الظاهرة القومية هي اختراع تاريخي اوروبي. فالبشرية من وجهة نظره مرت بثلاث حقب رئيسية هي حقبة الرحل، الحقبة الفلاحية، الحقبة الصناعية. وينتهي إلى خلاصة مفادها أن المرحلة الصناعية هي التي أنتجت الحال القومية. فهي ولدت حالا من الفوضى بعد تحطيمها للبنى التقليدية وصنعها بنى اجتماعية جديدة وثقافة جديدة قائمة على آلية الدمج والاستيعاب والتهميش والاستبعاد مما يجعل الطبقة الحاكمة أو البيروقراطية في حاجة إلى صهر مركبات المجتمع في قالب ثقافي وقيمي موحد، وهذا القالب هو الاطار القومي الذي انصهرت ضمنه المجتمعات الاوروبية الحديثة. كما أسهمت البيروقراطية وحركة الاصلاح الديني في شكلها البروتستانتي في انتاج الفكرة القومية.

وعند هذا الحد يبرز الكاتب إمكانية أخرى في علاقة العقيدة بالقومية تتمثل في علاقة الاسلام بالقومية العربية. إذ أن عملية التحول من وجهة نظره هي بصدد الوقوع في عالم الاسلام كما تشكلت سابقا عند الغربيين، مع فارق رئيسي أنها وقعت في الغرب تحت الشعار القومي بينما في العالم الاسلامي تقع تحت شعار الاسلام. فالاسلام في نظر غلنر دين متميز إذا ما عرضناه على الفكرة العلمانية الشائعة والتي تقول ان التصنيع يمحو الدين وينهيه. إن هذا الامر إذا أمكن قبوله بالنسبة إلى الأديان الاخرى فإنه لا يصح إطلاقا على وضعية الاسلام، فهو دين حداثي إلى حد مدهش على حد تعبيره وإن لم يكن منتجا للحداثة، فهو يدعو إلى الوحدانية مع تركيز على القيم الأخلاقية وعلى العلاقة المباشرة بالإله والتساوي بين كل البشر.

يبشر غلنر بعالم ما بعد المرحلة القومية، ويرى أن مقدماته بدأت تبرز. وهو عالم يتحدى التحيزات الجغرافية الضيقة وليس من حل أمام العالم إلا القبول بواقع هذا التنوع والتداخل أو الدخول في حروب تصفية عرقية لا نهاية لها.

من الواضح من خلال اللغة التي يستعملها غلنر أن الفكرة القومية شر يجب التخلص منه، وأنها تمثل انحرافا في مسار التاريخ ما كان يجب أن يقع، إذ كان من المفروض أن تنتج المرحلة الصناعية كونية من التعايش بين بني الانسان لا الظاهرة القومية التي أدخلت أوروبا في عدة حروب مأسوية، ولذلك فإنه عبر في كتابه الاخير الذي صدر في 1998 بعنوان «القومية» عن نوع من الأمل في تجاوز هذه المرحلة الصعبة التي مرت وتمر بها البشرية

العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً