العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ

تدفق الثقافات في بحر الثقافة العالمية

على رغم جهود بعض المؤلفين الجهال ومحدودي الفكر لاصطناع صراع بين الحضارات بسبب التباين الاجتماعي وحتى الحروب، فإن بامكان المرء ان يجزم بإن زمن التفرقة بين الثقافات العظيمة قد انقضى من دون رجعة، بل أنه لا يوجد زمن حدثت فيه تلك الفرقة. ومن الواضح ان الثقافة العالمية ورثت من مصادر مختلفة، شرقية وغربية معا. ومازالت تلك المصادر الثقافية تتدفق في بحر عام من الثقافة العالمية وهكذا لعشرة قرون والفرق الوحيد ان خطوط التفكير ضعفت بعد ذلك فأصبحت ابطأ تدفقا.

وفيما يخص البحث عن تقاليد الثقافات القديمة، فقد أعطى القرن العشرون افضل النتائج حتى الآن.

وساهمت الاكتشافات العديدة لظواهر غير معلومة حتى الان في تسليط الضوء على فهم الثقافة. وعلى سبيل المثال، ساد الاعتماد ان الفلسفة الاسلامية الاسكولائية هي مجرد تقليد للفلسفة الاغريقية والتي تعتبر في غالبيتها نسخة طبق الأصل من فلسفة ارسطو. وظل هذا المفهوم سائدا خلال فترة طويلة من الزمن. وكان السبب الحقيقي لذلك في الواقع ان الفلسفة التي كانت في خدمة الدين لم تدرس بصورة كافية قبل نهاية القرن التاسع عشر. وظلت الكثير من الأفكار الفلسفية غير معروفة فترة طويلة على رغم أنها كانت معروفة جدا أثناء وبعد ظهورها لعدة قرون.

ويمثل الكتاب الذي نحن بصدده مثالا لمحاولة إثبات وتوضيح نفوذ الفلسفة الاسلامية على الفكر الفلسفي القائم آنذاك، بما لا يدع مجالا للشك بأن هذه الفلسفة الاسلامية وصلت إلى الغرب من خلال الفلسفة المسيحية.

وقبل أن نفكر في اهمية ذلك النفوذ واشكاله، فإن استقامة البحث مطلوبة، ومن ثم نوضح ما يبدو مهما جدا لفهم الاختلافات المذكورة سابقا. وحاول الفلاسفة المسلمون، كغيرهم من المفكرين الاسلاميين الآخرين، تدعيم أفكار مقبولة من وجهات نظرهم قائمة على براهين مستمدة من مصدرين اساسيين في الاسلام هما القرآن والحديث بالاضافة إلى ذلك تعتبر الفلسفة الاسلامية دينية فيما يتعلق في موضوع بحثها، وهو التوحيد الخالص غير الموجود في اي دين منزل.

وتدرس الفلسفة الاسلامية وبتحليل منطقي متناهي الدقة وجود إله واحد. وفيما يتعلق بهذا الامر، فاقت الفلسفة الاسلامية جميع نظيراتها الاخرى. علاوة على ذلك، يمكن وصف لب موضوع الفلسفة الاسلامية من خلال أهم الاسماء التي كانت حلقة الوصل بين فلسفتي افلاطون وارسطو مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد والغزالي عن طريق التوفيق بينها «الفلسفة الاسلامية وسابقاتها» باتباع نسق منظم، وبالطبع اضافة عدة عوامل اخرى لكليهما حيث أصبحت الفلسفة الاسلامية مدرسة جديدة للفكر الذي يتميز بأصالته وطبيعته الفلسفية المستقلة.

ومن المعروف ان هناك ثلاث مشكلات اساسية في فلسفة أرسطو تعارض التعليمات الاسلامية، وهي فكرة الاله والعلاقة بين الخالق والكون وخلود الروح. بالاضافة إلى ذلك، قد يقول المرء ان أرسطو كان حياديا فيما يتعلق بادراك ماهية الخالق ومتوجها اكثر نحو العالم الحسي من دون انعكاس خاص على القوة الخارجية التي تحدده وتديره. ومن الواضح ان الفلاسفة المسلمين لم يستطيعوا تقبل هذا الامر ناهيك عن اتباعه.

وبمعزل عن البحث والموافقة بين الفلسفة والعقيدة تم تجنب مصطلح علم اللاهوت عمدا، وكان الفلاسفة المسلمون مهتمين به، حيث قاموا بدراسة الرياضيات والطبيعة خصوصا علم الفلك مما نتج عنه زيادة التأثير على تطور الفكر الاوروبي. واذا لم نميز الغزالي عن «باقة ورود» العلم من اسلافه والمعاصرين امثال الفارابي وابن رشد وابن سينا وعمر الخيام والكثير من العلماء والفلاسفة الآخرين، اضافة إلى اسطع لحظات الصوفية، فإن كل هذا التأثير على تطور الفكر العالمي سيصبح كليا ومتكاملا.

اما اذا قمنا بتمييز الغزالي، فإننا نميز حياته وفهم جميع اعماله. والغزالي المتمرد الذكي في كتاباته ككتاب «مقاصد الفلاسفة» نجده يظهر فهما واضحا لفلسفة ابن سينا، مع أمله بتمهيد الطريق لنجاح الفلاسفة، وأكد ذلك في «المقدمة» التي ترجمت ايضا إلى اللغة اللاتينية. وفي الكتاب اللاحق «تهافت الفلاسفة» انتقد حينها وبعنف الفلسفة المتراكمة.

ومن سجل حياته نعلم انه بدأ التعلم في مسقط رأسه «طوس» في خراسان بالقرب من مدينة مشهد الحديثة. ومن ذلك المكان ذهب إلى جرجان، وبعدها عاد إلى «طوس». وبعد فترة ذهب إلى نيسابور حيث تتلمذ على الاستاذ المعروف امام الحرمين «الجويني». وفي العام 1085م، غادر الغزالي نيسابور واصبح عضوا في «معسكر» نظام الملك الذي جمع حوله عددا من العلماء. وفي العام 1091م عينه نظام الملك استاذا في المدرسة في بغداد حيث أصبح أحد أبرز الشخصيات.

وخلال اربع سنوات درّس مجموعات من الطلاب يزيد عددها على 300 طالب. وفي الوقت نفسه درس الفلسفة وألف الكثير من الكتب. وفي العام 1095، مر الغزالي بأزمة روحية أقعدته عن التدريس. وبعد بضعة أشهر غادر بغداد لاداء فريضة الحج، وكذلك توقف ايضا عن التدريس. وقد كتب الكثير من الاطروحات حول هذا الموضوع. ويبدو انه كان - على الارجح - خائفا من الطائفة الاسماعيلية الذين اغتالوا نظام الملك في العام 1092م، وقد هاجمهم الغزالي في كتاباته.

وبقيت فترة غيابه التي استمرت حوالي عشر سنوات غامضة حتى يومنا هذا. ولكن هناك حقيقة ثابتة انه امضى وقتا في سورية ثم في القدس والخليل، ثم غادر إلى المدينة ومكة.

وفي العام 1096، عاد إلى التدريس ثانية في نيسابور. وفي ديسمبر/ كانون الاول سافر إلى طوس حيث اسس ديرا أو «صومعة» ومات في العام نفسه.

وهذا الكتاب «فلسفة الغزالي الطبيعية» لمؤلفه الشاب، يزودنا باسلوب موجز وواضح بدراسة لحياة الغزالي من الناحية التاريخية، مشيرا إلى موضوع وطرق البحث، اضافة إلى الفرضيات التي توقع ان يثبتها. كما يوجهنا الكتاب إلى مقارنته بالكتب الاخرى التي اتخذت المنحى نفسه - والتي ظهرت بعده ببضعة قرون مثل مبادئ نيوتن الرياضية في الفلسفة الطبيعية والفلسفة الطبيعية للكاتب بوسكوفتش.

وعن طريق الاسهاب المفصل في نظرية الغزالي في المعرفة والفلسفة الطبيعية، يلفتنا الكاتب إلى حقيقة قيمتها التي لم تتغير حتى اليوم، وهذا الكتاب دليل على أن ثقافتي الشرق والغرب كانتا سابقتين لزمننا من حيث ان كلتيهما تلهمان بعضهما بعضا.

استاذ الفلسفة الاسلامية - كرواتيا

العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً