أسهمت تقنية المعلومات في بلورة التطورات العسكرية للصواريخ البلاستية وأنظمة الرادارات والغواصات وأقمار التجسس وإفراز ما يسمى بـ «حرب المعلومات». وغيرت التقنية المعلوماتية التكنولوجيا العسكرية المعاصرة تغييرا جذريا في مجال الاستراتيجيات والتكتيكات المستخدمة في المعارك. وحسب الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية البريطاني بول بيفر، نقلا عن مجلة «الوسط» إن التكنولوجيا العسكرية في السنين المقبلة ستكون أكثر حنكة واكثر خفية واقل كلفة. وستكون الأسلحة الجديدة ذات قدرات وذكاء كمبيوتري أفضل وبأسعار معقولة وتتطلب صيانة أقل، وسيكون استخدامها أسهل إضافة إلى قابليتها للعمل في كل مكان وزمان وفي مختلف الظروف.
والميزة الجديدة لجيل المعدات العسكرية المستقبلية هو التمويه والخفية. ويعتقد هذا الخبير «أن أوسع مجال لتطوير المعدات العسكرية هو المجال الجوي. إذ يعتقد كبار الضباط الأميركيين أنه بحلول العام 2025 سيصبح 50 في المئة من سلاح الجو الاميركي مكونا من طائرات لا يقودها طيارون. وستكون هذه الطائرات عالية الكفاءة وهادئة جدا بحيث يصعب على القوات المعادية اكتشافها».
ويحبذ كثير من القادة العسكريين إضفاء الخصائص الشبحية (عدم قابلية أجهزة الرادار على اكتشاف الوسائل العسكرية) التي هي ميزة بعض الطائرات على السفن الحربية والدبابات والمعدات العسكرية الأخرى. إما عن طريق الطلاء (صبغ) الطائرات والمعدات العسكرية بمادة تمتص إشارات الرادار أو تغيير الرموز الإلكترونية بشكل يبهت عاملي الرادارات ويخدع حتى الخبراء منهم.
وقد زودت التقنية الشبحية الخفية جيلا جديدا من الطائرات الأوروبية كـ «يورفايتر 2000» ومنافستها الفرنسية «رافال». كما ان التقنية الشبحية التي طبقت بنجاح على طائرات «إف 117» ستنقل بحذافيرها إلى صناعة جيل جديد من السفن الحربية لمساعدتها على خداع أجهزة الرادار والتحكم بحجم هيكلها وسرعة مناورتها.
إن سهولة ويسر الاتصال على الأرض والفضاء مكن من تطوير الاستخبارات ومشاركة معلومات آنية لتوزيع الأدوار وأخذ القرار والسرعة في تنفيذ الأوامر. ولذا أصبحت حرب المعلومات حقيقة قائمة بعد زيادة القدرة والانتشار الواسع للمعالج الصفري في الكمبيوترات، وتطوير تقنية المجسسات (Sensors) وسرعة التجاوب في العمل والاتصال في توفير طاقة كبيرة للمعارك، إضافة إلى التطور الكبير في التقنية الرقمية وإفرازاتها في الولادة العملية لما يسمى بخطوط البث العريض (Broadband) مع تقدم تقنية الألياف الضوئية (Optical Fibeَّْ) في نقل معطيات ومعلومات الكمبيوتر الصوتية والمرئية. ويشكل امتلاك هذه القدرة هيكل إدارة أي أزمة بحسب تقدير الخبير العسكري الفرنسي هنري كونز المسئول السابق عن التنسيق في قضايا التسلح لدول حلف الناتو. فالصراعات المستقبلية سواء كانت اقتصادية أم عسكرية، ستكون مسبوقة دوما بأزمات بين الدول المتنازعة وبتوترات داخلية تتعلق بالأزمة، وسترتبط مؤشرات هذه الأزمات بصراعات إعلامية حادة ومتفاقمة تشبه القصف المدفعي الذي يسبق نشوب الحرب ويمهد لها.
كما توجد عدة طرق لاستخدام الحقيقة الافتراضية للتخطيط لمناورات المعركة من قبل اختصاصيين في الحرب المعلوماتية في تعطيل كمبيوترات العدو. وحسب مجلة «تايم» فإن البنتاغون يدرس تطورات حرب المعلومات السرية التي تم إنجازها في السنين القليلة الماضية، ويحلل النتائج لمعرفة كيفية الاستفادة من هذه التقنيات للحروب المستقبلية.
ويتداول المراقبون الحديث هذه الأيام عن قدرة أميركا على إنتاج وتطوير أسلحة السوفت - وير (Sorftware Weapons) لاستخدامها في حروب المستقبل. وقد اثبتت اسلحة التكنولوجيا الحديثة، كما أظهرت حرب الخليج الثانية، قدرتها المروعة على قتل الكثير من الناس. وتعتقد واشنطن أن بالإمكان خوض حروب المستقبل بدون أية خسارة بشرية وذلك باستخدام حرب المعلومات (Information War) والحرب غير المميتة (Nonlethal Waْ). وستكون ساحة المعارك المستقبلية في فضاء السيبر من قبل فرسان السيبر المالكين لمهارات السوفت - وير وغيرها من التقنية الحديثة والمسلحين بفيروسات وقنابل وديدان إلكترونية للهجوم على كمبيوترات العدو. وتوجد عدة طرق، كما يبدو، لاستخدام السيبر في التخطيط لمناورات المعارك من قبل الاختصاصيين في تعطيل الكمبيوترات للحروب المعلوماتية. وتبحث وكالة الأمن القومي الأميركي مع المؤسسات العليا كالدفاع والقوى الجوية والبحرية في الطرق المتعددة لكيفية شل كمبيوترات العدو بواسطة فيروسات مزروعة. والنوع الآخر من التجارب هو زرع الفيروسات والقنابل في أنظمة الكمبيوتر وأجهزة الاتصالات الإلكترونية وتفعليها عند الحاجة. وتجري بحوث أخرى في محاولة للمزج بين البيولوجيا والإلكترونيات لخلق ميكروبات تكون قادرة على تعطيل الأجزاء الإلكترونية المكونة للكمبيوترات.
وهناك بحوث تكنولوجية جديدة في الولايات المتحدة يتم استخدامها من قبل القوات العسكرية بعد تعطيل أنظمة الكمبيوتر وانهيار حركة البلد. وتتضمن هذه البحوث اسلحة غير قاتلة لضرب البلد كستخدام «Slicٍََِّّّ» والتي هي عبارة عن مزلق عملاق تطلى به الشوارع وسكك الحديد ومدارج الطائرات وغيرها. وهذا الطلاء العملاق، كما يسمى من قبل الأميركيين، لا يسمح بثبات العجلات أو عربات السكك الحديد أو اقدام البشر. ويعني بمعنى آخر تدحرج أو تزلج البشر نحو الكارثة (الهاوية). والنوع الآخر من هذه الأسلحة ما يسمونه «Stickums» والتي هي عبارة عن بلمرات (لدائن) لاصقة جدا تمكن من لصق الشاحنات إلى الشوارع وعربات القطار إلى سكك الحديد وأقدام البشر على الأرض وغيرها. أي الثبات وعدم تحريك أي ساكن.
هناك اعتراض حول إمكانية استخدام أميركا لهذا النوع من الحرب في المستقبل والسبب هو أن أساسات هذه الحرب تقوم على كمبيوتر وجهاز إرسال فقط. والاثنان متوافران في كل مكان. ولهذا فإن البلد لا يحتاج إلى أن تكون لديه قوة كبيرة أو قدرة مالية ضخمة من أجل تطوير هذه التقنية الضرورية لحرب المعلومات. ويوجد اعتقاد بأن البلدان الفقيرة ستكون قادرة بسرعة على اقتناء هذه التقنية وتطبيقها في حرب المعلوماتية أكثر من البلدان المتقدمة. والتخوف نابع ليس فقط من الحرب المعلوماتية وإنما من شل الاقتصاد والحركة في المجتمع لعدم قدرة أميركا أو البلدان المتطورة الأخرى في صد هجوم من هذا النوع. ناهيك عن احتمال توجيه مثل هذه الضربة من قبل مجموعة عدائية صغيرة قد تشل استعدادات أميركا للعمليات العسكرية
العدد 25 - الإثنين 30 سبتمبر 2002م الموافق 23 رجب 1423هـ