زار عضو المجلس البلدي في المحافظة الشمالية السيد علوي سعيد العلوي يوم أمس (الخميس) قرية باربار، والتقى الأهالي وتفقد ساحل باربار، وناقش تفاصيل المشكلة البيئية الناتجة عن المشروعات الانشائية التي تدمر البيئة البحرية وتُفقد أهل باربار ساحلهم الذي عاشوا وعاش معه أجدادهم منذ حضارة دلمون، ووعد العلوي بأنه سيرفع الموضوع المستعجل إلى المجلس البلدي ومحافظ المحافظة الشمالية وسيتابع مستجداته لإيقاف التدمير البيئي والضرر الاجتماعي والاقتصادي الناتج عن ذلك. ويشتكي 7 آلاف نسمة تقطن قرية باربار الواقعة في قلب المحافظة الشمالية من زحف جرافات المقاولين والمستثمرين على ساحل البحر المتواضع، الذي يسيج القرية من الجهة الشمالية. وتضرر ما يربو على 70 بحاراً، يشكل الصيد رزقهم الوحيد، من مزاحمة الملاك الذين اشتروا الأراضي المحاذية للساحل، ليحرموا في المقابل أهالي باربار الذين التصقوا بالبحر منذ عهود سحيقة. فيما راح باقي أهالي القرية يدافعون بشراسة عن حقهم في الاحتفاظ بعلاقتهم مع البحر الذي أصبح «جزءاً من تكوينهم» كما يرددون، مناهضين استمرار الزحف العمراني على حساب الحياة الفطرية والبساتين الخضراء. المد العمراني الذي تطاول على القرية، جعل الأهالي يفكرون جدياً في إيجاد الحلول والمخارج التي تبقيهم ملاصقين للبحر الذي يختزل ذاكرة مثقلة بالذكريات والحوادث التي مرت بالقرية منذ حقبة الدلمونيين إلى يومنا هذا.
وقف الحاج علي إسماعيل يتأمل البحر، يهمس له بالذكريات ويشكو له ضيق الحال... يعاتبه حينا ويغازله حينا آخر، فلم يجد سواه من يسمع ويصغي. قال: «كيف سمحت لهم بتقطيعك؟ وكيف رضيت لهم رمي مخلفاتهم في مياهك النقية... أتعبتني يا بحر». هكذا كان الحاج إسماعيل يناجي «ساحل باربار»، أو هكذا يسمونه... ومثله يفعل عشرات الشيوخ إذ أصبح الساحل الذي يمتد لبضع كيلومترات متواضعة ليلامس الأطراف الجنوبية الشمالية من القرية جزءا من كيانهم، هذه القرية التي يقدر الباحثون التاريخيون في البحرين عمرها بما يقارب ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، فعمرها من عمر البحرين. وبمضي العقود أصبح البحر في البقعة الشمالية لجزيرة البحرين - ومن ضمنها الساحل في باربار - جزءاً لا يتجزأ من تركيبة الإنسان القروي فيها. بالقرب من هذا البحر المتواضع، عاشت أجيال ورحلت أجيال، كانت دلمون أولى الحضارات التي تعاطت مع هذا البحر فشيدت قلعة البحرين ومعابد باربار، وبعدها توالت الأجيال حتى خرج منهم الشعراء والأطباء والمهندسون والفنانون والمبدعون، ومنهم أيضا البسطاء من صيادين ونجارين ولحامين.
واليوم... أصبح هذا الساحل المتواضع في كل شيء، شاطئا مخنوقا يتأوه بصمت، بعدما شهد - مع أهالي القرية - زحف العمران والتغيير المتسارع في البنى التحتية اللذين راحا يفتتان فيه ويقلصانه إلى درجة صار لا يملك الحول ولا القوة... كانت أمواجه الزرقاء الهادئة تراقب دنوّ تشييد المنازل والقصور من مياهه التي تلامس أطراف القرية في كل يوم لتتكسر باهتة بعد ان ترتطم بأحجار الدفن العملاقة. غادر الزهو القرية، وصار الأطفال الذين يحملون أحلامهم الصغيرة بعد نهار كل يوم مدرسي ليهمسوا بها إلى أمواج البحر المحاذي لقريتهم، يخافون من اليوم الذي تسد فيه المنازل الناشئة كل منفذ، لتفرقهم القصور عنه. الصيادون، يبلغ عددهم اليوم ما يربو على الـ 07 صياداً، كان هذا الساحل ولايزال يجود عليهم بالصيد الوفير، ليؤمن لهم قوتهم ورزق عيالهم... الآن تقلص الجرافات مرافئهم، ويخنقهم الدفن المقنن وغير المقنن إلى درجة صارت فيها أرزاقهم مهددة. الإنسان «البارباري» ولد قرب البحر، تربى ومات قربه أيضا، واليوم تقترب جرافات المستثمرين والملاك محاولة ان تردم ذاكرة تاريخ مثقلة بعبق الأصالة والماضي، ولتحاول إغلاق المنفذ الوحيد للقرية على البحر، هكذا ببساطة ومن دون مقدمات. ولم يقتصر المصاب على سد المنفذ الوحيد، بل يمتد ليطيح بالنخيل والأشجار والبساتين في مجملها، تباد الخضرة ليرتفع على أنقاضها البنيان، وهذه الحال المستحدثة أوجدت نوعا من الاستنفار في أوساط القرية الآمنة في المحافظة الشمالية.
ففي الوقت الذي ينشغل بعض الأفراد النشطين في العمل الاجتماعي والخيري في القرية في التحضير لحفل الزواج الجماعي، ينغص تهديد بقاء الساحل ملاصقاً للقرية ناشطين آخرين ينهمكون في هذا التوقيت بصوغ العرائض المناهضة للغزو العمراني الذي يستعمر البحر، ويلفون أرجاء القرية ليجمعوا التوقيعات المؤيدة لمواقفهم المناهضة لرحيل البحر عنهم... وإلى الأبد هذه المرة. القرية لم تهدأ مذ بدأت البساتين تفقد علاقتها بالبساتين، الطابوق يُصَفُّ بسرعة ملحوظة تمهيدا لوضع الأهالي أمام الأمر الواقع، حتى صار التذمر صيغة يكررها الصغار قبل الكبار. يقول المؤرخ علي أكبر بوشهري: «ميزتان ينفرد بهما ساحل الجزء الشمالي لجزيرة البحرين دون غيره من السواحل، الأولى: وجود فرضة قديمة كان التجار يستخدمونها لنقل البضائع من فرضة المنامة، لكنها أهملت حتى تلاشت، والثانية وجود مثلث بحري غني بالتكونات المرجانية». أما الميزة الثالثة بحسب بوشهري، فوجود ما يعرف بالكوكب الذي تنبع منه المياه العذبة وسط البحر، وقد يكون لهذا علاقة بزهرة الخلود التي راح يبحث عنها جلجامش في الأسطورة القديمة، ناهيك عن إن جداول المزارع العذبة تعد بيئة طبيعية جيدة لولادة نوع معين من الأسماك الفضية اللون التي تحمل على ظهرها ثلاث خطوط هلالية، هذه النوعية من السمك تعبر إلى مياه البحر المالحة بعد ان تكبر ويشتد عودها في مياه الجداول، كل هذا سيتضرر لو مس سوء ساحل باربار. ويقول: «أتذكر عندما زرت المنطقة للمرة الأولى في العام 5791، كانت قطعة من الجنة، والبساتين فيها كانت خيالية، اليوم لا أملك سوى التحسر على جزء جميل من البحرين أفقده الزحف العمراني بهجته ونظارته».
أحمد العجمي، الشاعر الذي اختار باربار دون غيرها ليبني فيها بيت العمر قرب الساحل البحري كان أكثر المتحمسين للحديث عن وضع القرية، فيقول: «هذا الساحل الصغير هو المنفذ الوحيد لأهالي القرية على البحر، له مكانة خاصة في نفوسهم على رغم قلة الإمكانات والدعم، يجاهدون للحفاظ على نظافته، يحيون فيه المناسبات والأعياد، في عيد الأضحى تتناثر السلال الصغيرة حتى تكاد تغطي الشاطئ، وفي الأحزان يستوعب البحر الهموم والألم». ويضيف: «جرافات الردم لا تهدأ والأراضي المحاذية للساحل قسمت ووزعت قسائم سكنية ابتاعها المرفهون على حساب الحياة الفطرية والبيئة البحرية وأرزاق الصيادين (...) لابد من تدخل المسئولين لوقف نزيف القرية». ويقول العجمي: «الوضع في قرية باربار يحتاج إلى وقفة إنسانية قبل النظر إلى أي بعد آخر، يجب تغليب المصلحة العامة على المصالح الفردية، ولابد من ترك الساحل على حاله إذا لم يعالج ليحول إلى متنزه كما هي الحال في ساحل أبوصبح في قرية الدراز». يعضد كلامه أحمد الشويخ، أحد أبناء القرية، إذ يقول: «مذ خلقنا لم نعرف غير هذا البحر، أصبح جزءاً من حياتنا ويومياتنا، فلا يوجد أحد من أبناء القرية يستطيع الانفصال عن البحر(...) كنا نطالب إدارة الثروة السمكية بإنشاء فرضة للصيادين، والآن تهاجمنا الجرافات لتستأصل البساتين التي كبرنا وكبرت معنا».
علي أحمد سلمان الذي امتهن الصيد صغيرا يقول: «منذ كان عمري ستة أعوام وأنا اذهب إلى البحر يوميا، كان أبي يصطحبني إلى هناك كما كان يفعل معه جدي(...) الآن غطى شعري الشيب ولم أعرف غير البحر مهنة». ويزيد: «عندما تنطفئ الكهرباء يكون البحر ملاذنا، وعندما تضيق بنا الحال ويقل المال يحتوينا، واليوم تحرق نفوسنا مخلفات البناء التي تنتشر كالسرطان على الساحل»، يصمت قليلا ليعود: «لقد ضاقت بنا الحال وسنرفع عريضة إلى الملك». علي عبدالله، صياد آخر، اصطحب «الوسط» في جولة قريبة على قاربه الصغير ليرينا زوايا ما كانت لتظهر لو لم نشهد الطرف المقابل لنرى مدى العلاقة التي تجمع القرية بالبحر. فصّل لنا: «هذه المنطقة كانت مغطاة بالنخيل، البساتين النضرة كانت تسيّج القرية، كبرنا هنا، واليوم يريدون نزع الهوية، طالبنا البلدية بتوفير إنارة منذ سنوات ولم تستجب»... علي يطرح مقترحاً: «إن لم يكن في اليد حيلة، وإن لم تتدخل الدولة لتسوية الأمر مع الملاك والاحتفاظ بالساحل من دون ان تغتاله ملكية أحدهم، اقترح لو يردم الساحل بضعة أمتار، ليتقدم الصيادون بقواربهم وأرزاقهم ويحتفظ الملاك بأراضيهم الممتدة، مع تأكيد ضرورة توفير منافذ صالحة للاستخدام ليست كالتي أوجدها أحد رجال الاعمال ليسد بها أفواه الصيادين». محمد الشويخ - مقاول بناء - يقول: «كل مالك يشتري أرضاً مساحتها 051 في 001 قدم على الأقل، لدفن من البحر ما يشاء متجاوزا الحدود المفروضة من البلدية، وأحدهم تطاول على الصيادين وأمرهم بإبعاد قواربهم عن الساحل المحاذي لأرضه وهددهم بتكسير قواربهم إن لم ينصعوا لأوامره». ويقول: «هاتفت البلدية لتأتي لمعاينة المكان لكنها رفضت مجرد المجيء وتركت البحارة يصارعون القدر على حساب أرزاقهم». ويزيد: «أحد البحارة يدعى إبراهيم عيّاد، تجاوز السبعين ولايزال البحر يمنحه القوة ليعيل أبناءه الـ 52، ومثله شيوخ كثر يشكل البحر رزقهم الوحيد».
رئيس نادي باربار محمد علي مدن طالب بأن تبقى الأراضي زراعية وان تضيف المملكة عليها لمسة جمالية، ليبقى الساحل ملاذ الطيور والأحياء البحرية والأهالي الذين لم يعرفوا غيره ملاذا ترفيهيا. مدن يؤكد ان الساحل هو هبة الله للقرية دون غيرها، لذلك فهو يرفض أن يتدخل أحد أيا كان لنزع هذه النعمة «أقترح ان تعوض السلطة أصحاب الأراضي ويبقى الساحل على ما هو عليه كما هي الحال في الدراز والبديع». ويقول: «سبعة آلاف نسمة تقطن باربار، جميعهم يرتبطون بالبحر وتجمعهم به علاقة حميمة، ويحتاجون إلى من يحول بينه وبين المد العمراني البارد».
في محطة أخرى توقفت «الوسط» عند الباب الرسمي ليعلق الوكيل المساعد للزراعة في وزارة الإسكان والزراعة سيد صديق العلوي بقوله: «إن الموضوع يحتاج إلى المزيد من البحث والتفصيل»، وذلك ما ستباشره إدارته في القريب العاجل، مؤكدا ان قرية باربار لا تقع في نطاق الحزام الأخضر الممتد من المنامة على شارع الشيخ سلمان ليصل إلى السنابس. فيما قال مدير عام بلدية المنطقة الشمالية محمد علي حسن إن موضوع التخطيط العمراني يخص وزارة الإسكان ولا يخص البلدية وبشأنه هناك القوانين التي تنظم عملية الدفن حفاظا على البيئة البحرية. ويزيد: «حتما وزارة الإسكان درست المخطط قبل ان يباع قسائم سكنية أو استثمارية بالتنسيق مع الجهات المسئولة الأخرى (...) ذلك عرف رسمي، فمن الطبيعي ان تدرس المنطقة من كل النواحي قبل التقسيم والتوزيع».
ونفى مدير عام بلدية الشمالية ان تكون هناك مخالفات لقوانين الردم، إذ قال: «لم تصلنا أي شكاوى عن مخالفات، في كل الأحوال سنبعث بالمفتشين، وستوقف إجراءات الدفن في حال المخالفة». مدير إدارة الثروة السمكية جاسم القصير أكد ان الردم لا يتم إلا بموافقة جهات رسمية عدة منها شئون البيئة والتخطيط الطبيعي والطرق والمجاري والثروة السمكية، وبالنسبة إلى الصيادين فإن «حظور» الصيد تكون مسجلة لدى الإدارة، وحتى الحكومية منها أو تلك التابعة إلى الأوقاف الجعفرية، وفي حال التضرر جراء الدفن يعوَّض الصيادون. غير أن هناك «حظور» غير مسجلة ـ يقول القصير وعموماً فإن الصيد في بحر باربار قليل وغالبية الصيادين يعتمدون على الشباك و«القراقير» في المياه العميقة. ويضيف: «لابد أن نقف وقفة واعية، فالدفن العشوائي يلحق الضرر الجسيم بالسلسلة الغذائية التي تساهم في تغذية الأسماك الصغيرة». كثر الدفاع عن الساحل العتيق ليبقى الرجاء معلقاً على تدخل كريم، وحركة واعية من قبل الجهات ذات الاختصاص والجمعيات المعنية بالبيئة والحياة الفطرية بما يحمي البحر ويحول دون الفراق أو التفريق.
العدد 42 - الخميس 17 أكتوبر 2002م الموافق 10 شعبان 1423هـ
لا حياة لمن تنادي