العدد 66 - الأحد 10 نوفمبر 2002م الموافق 05 رمضان 1423هـ

المشهد الجامعي في رمضان وهوَّة التراجع

يعيش المجتمع الإسلامي طيلة أيام شهر رمضان الكريم أجواء خاصة مفعمة بالإيمان والعبادة والتأمل والتجديد، وتفضي ممارساته العبادية في اتجاه تغذية الجانب الروحي وصفاء النفس والسمو بها درجات عليا عن لوثة الماديات والطبقات التي تتراكم خلال انغماس الفرد مع التيار اليومي المليء بالتناقضات والتقلبات والاتجاهات المعاكسة التي حين يأتي الشهر الفضيل تتناغم وتتحد وتعرف طريقا واحدا هو التوجه إلى الخالق العظيم وعبادته ومعرفة الذات وخباياها (معرفة النفس من معرفة الخالق).

والجامعة - بيت العلم - هي إحدى مؤسسات المجتمع التي يتأثر أفرادها - بشكل أو بآخر- بحلول شهر رمضان المبارك وتتعزز داخل هذا الكيان قيم ومفاهيم وممارسات هي من صلب العملية التعليمية التي يحث عليها الإسلام الذي يأمر الفرد المسلم بأن يجتهد في التحصيل العلمي من «المهد إلى اللحد». والمشهد الذي يجدر بنا مراقبته ومتابعته هو الحال ما قبل وما بعد قدوم الشهر الفضيل لمجتمع الجامعة والتغيرات التي تحدث قبله وأثناءه وبعده لأفراده من الأكاديميين والطلبة، وكأننا بصدد التقاط صورة فوتغرافية لحظية إلى الجامعة تجمد الزمان والمكان لثلاثة أوضاع (قبل أثناء بعد) الشهر الفضيل تسلط الأضواء على الاتجاهات الروحية والسلوكية لدى الطلبة ومدى ارتباطها بالجو العام العلمي والاجتماعي والثقافي في الجامعة، وهو مشهد لا يمكن فصله عن التوجهات خارج الجامعة وما يعيشه المجتمع من تأثر وتغيرات تحدث في هذه الفترة.

حدوث التغيير بوجود المؤثر لا يعني بقاءه واستمراره في جميع الأحوال، إذ بزوال المؤثر هناك احتمالية أن ترجع الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقا وهو ما يعكسه الكثير من التجارب الحياتية اليومية. وبقدوم شهر رمضان ينتفض البعض ويعلن حال الاستنفار المؤقتة لتزيد حصة العبادة اليومية والاحساس بالمسئولية الدينية وهي أمور طبيعية ومطلوبة إذا كانت جزءا من وعي وادراك الفرد واجتهاده لتثبيت معتقداته وايمانه ولتهذيب تعامله وسلوكه مع الآخرين وتدفع به إلى اليقين والكمال، وغير طبيعية ومستهجنة اذا رأينا بعد ذلك النقيض والمهول إذ بانتهاء شهر رمضان تحل تدريجيا الحال السابقة المناقضة للأولى تماما وتعود (حليمة إلى عاداتها القديمة).

والمشهد الجامعي الذي يتقد بالحركة والنشاط والسعي الدؤوب إلى الرقي بأفراده علميا وثقافيا يعيش هو الآخر - من وجهة نظري- هوة التراجع والمأزق المعرفي الذي هو امتداد للحال الثقافية المتأصلة في المجتمع، ومعالمها بينة في وجود الشخصية المزدوجة التي تعيش النقيضين على فترات قريبة، فمثلا هناك الطالب الذي يحرص على اظهار شخصية محببة وملتزمة دينيا طيلة الشهر ويقلع عن عادات غير محببة ثم بعد فترة قصيرة من انتهاء الشهر تراه يعود إلى ما كان عليه. وهناك الطالبة التي تغير من نمط لباسها طيلة أيام شهر رمضان ثم لا تستطيع أن تلتزم بما عاهدت به نفسها فترجع الموضة واللباس السابق، وهذه الأمثلة تطرح اشكالية «ماذا نريد...؟! ولماذا نفعل...؟!». وهي ليست معادلة «اليمين أو اليسار» التي لا تدع مجالا للوسطية، ولسنا بصدد اعطاء دروس في الأخلاقيات تتصدرها حكم «كونفشيوس» أو «أفلاطون» أو بقصد الترهيب أو الترغيب، بقدر ما تطرح الاتزان والعقلانية في غياب المؤثر، والابتعاد عن السطحية في التفكير وخصوصا اذا علمنا أن الجامعة مؤهلة في المجتمعات الحديثة لإحداث التغيير الايجابي في المجتمع. ونحن - المسلمين - لدينا الشهر الفضيل الذي يحمل معاني ودلالات وقيما روحية لابد من احرازها في مضامينها العظيمة وليس التأثر الآني الوقتي، فلابد من اغتنام الفرص.

ومثل هذه الظاهرة المستفحلة عن انقلاب موازين الأفكار والسلوك لدى الأفراد في وقت معين بسبب وجود مؤثر يؤدي غيابه إلى «هوة التراجع» لم تدرس وتعمق من الناحية العلمية الأكاديمية بشكل كاف يتعرض للأسباب والمؤثرات التي أدت إلى ظهورها وانتشارها، وتعبر عن انتكاسة ذاتية حقيقية للأفراد الذين يكونون الجماعة. وهي غير مستغربة من أن تنتقل إلى داخل الجامعة وبالكيفية الموجودة خارجها إذا لاحظنا أن الطلبة متأثرون ببئيتهم في المجتمع. علينا أن نتذكر أن الأمم التي بنت أمجادها وحققت رقيا ثقافيا ومعرفيا كان أفرادها وقبل كل شيء صادقين مع أنفسهم

العدد 66 - الأحد 10 نوفمبر 2002م الموافق 05 رمضان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً