لعلها ميزة أخرى تضاف إلى ميزات هذا الشهر الفضيل، إذ تتغير فيه أساليب الحياة لتطول جوانب كثيرة، مادية ومعنوية بشكل شمولي متفرد. فالقوالب التي تعودنا عليها في كيفية قضاء الوقت تتغير وتتمحور بما يتناسب والشهر الفضيل. ويجد البعض أنفسهم منساقين للقيام بأمور لا يقومون بها طوال العام، ولا يعلمون أهي ظلال الشهر الكريم تنساب إلى ساحات حياتهم أم هي العادة التي تفرض نفسها عليهم؟
وهذه التغييرات تطول الشباب أيضا، وترسم لهم طريقة جديدة نوعا ما مختلفة عما تعودوا عليه طوال العام، ويصبح للأمسيات نفحة رمضانية خاصة، ترتدي أثوابا مختلفة بين عالم الذكور وعالم الإناث. ولنتعرف على العالم الشبابي بشقيه قمنا باستطلاع للرأي نتعرف من خلاله على شكل تلك الأمسيات، وكيف يقضي الشباب أوقاتهم في رمضان.
الآنسات أولا !
بما أننا نعيش في مجتمعات ذكورية، فإن الأنشطة والممارسات التي تقوم بها الإناث يغلب عليها طابع التمحور حول البيت والأسرة والعلاقات الاجتماعية. ولكن تغيرت الحال عما كانت عليه في السابق، على رغم أننا ما زلنا مجتمعات ذكورية، فما عاد هناك للزيارات العائلية النسائية وجود كبير وواضح كالسابق، وعلقت سلامة الحدي (21سنة) بقولها عن هذا الموضوع: «بالفعل لم نعد نشعر بدفء العلاقات الاجتماعية في رمضان كما كانت عليه في السابق. وبالنسبة إليّ فإنني طالبة في الجامعة وغالبية الوقت أقضيه في الدراسة، وما يتبقى لي من وقت أقضيه في مشاهدة التلفزيون. ولربما العادات والتقاليد المرتبطة بالزيارات تغيرت مما تسبب في اختفائها أو قلتها. فمثلا لنزور أحدى القريبات لابد من أخذ موعد مسبق وتحديد وقت وموضوع الزيارة وسلسلة من البروتوكولات والإيتيكيتات المملة والتي لم نكن نحتاج لها في السابق، في وقت لم تكن فيه مشاعرنا وأفكارنا معلبة ومحفوظة في الثلاجة».
وعارضتها أمل البنعلي (21سنة) بقولها: «على العكس تزداد الزيارات العائلية في رمضان، ولربما يحاول الناس في هذا الشهر تعويض الوقت الفائت طوال العام والذي لم يصلوا فيه بعضهم البعض، فيصلون أرحامهم طلبا للأجر، ويظهر هذا واضحا في «الغبقات» الرمضانية التي تجمع الفتيات لتبادل الأحاديث والسؤال عن بعضهن بعضا. وتوافقها في الرأي خولة القرينيس، وترى أن للزيارات دورا كبيرا في إضفاء لمسة على الأمسيات، خصوصا ان مثل هذه العلاقات الاجتماعية تعاني من الضعف خلال العام، لانشغال الناس بهمومهم اليومية ومشكلاتهم التي لا تنتهي في حياة صاخبة وسريعة الوتيرة كالتي نعيشها اليوم. وغالبية الفتيات يوثقن علاقتهن بالتلفزيون في رمضان، ذلك أن غالبية الأنشطة والأماكن موجه للشباب، مثل المقاهي والخيام الرمضانية. في حين لا توجد أماكن خاصة بالفتيات تمكنهن من ممارسة أنشطة رمضانية مغايرة لما تعودن عليه.
وعلى ذات الجانب قالت فاطمة رشيد (16سنة) إن طابع الحياة في رمضان معروف، فغالبية الأوقات نقضيها في المطبخ مع الوالدة لتعلم فنون الطبخ وتقديم المساعدة في إعداد وجبة الفطور، ومن ثم متابعة البرامج والمسلسلات التلفزيونية بعد أداء صلاة التراويح، وأخيرا الذهاب للتبضع في الأسواق ولكن بصورة متقطعة، خصوصا في النصف الثاني من رمضان حيث يزداد الإقبال على الأسواق مع اقتراب العيد، وبالتالي يزداد الازدحام في الشوارع والمحلات أنفسها، ويصبح من الصعب القيام بعملية التسوق في ظل التكدس البشري الحاصل في الأسواق، وفيما يتعلق بمجمع السيف فإن الإقبال على المجمع لا يؤثر فيه رمضان أو غير رمضان، إذ له شعبية كبيرة بين الناس ويمكننا أن نقول ان المجمع ملاذ لكثير من الشباب الذين يرغبون في قضاء أوقاتهم في التسكع أو التبضع أو أي أمر آخر.
وأكدت الفتيات أن غالبية الأنشطة - إن لم تكن كلها - أنشطة ذكورية لا تتحمل الوجود الأنثوي، وتحجم رأيه وتؤثر فيه. لذا أصبحت أنشطة الفتيات مقصورة على الغبقات والولائم والسعي الحثيث نحو تجهيز ملابس العيد واكسسواراته ومستلزمات الأناقة الحديثة.
للفتيان رأي آخر!
يقوم الشباب بالأنشطة نفسها تقريبا ولكن بقدر متفاوت من الزخم والتكرار. وغالبية الشباب حصروا ممارساتهم في الخيام الرمضانية والمقاهي الشعبية والمجمعات والأسواق، خصوصا الشباب الدارس الذي يجد في مثل هذه الأماكن متنفسا يخفف من ضغط الدراسة وشبح الكتب والبحوث. قال مهند النعيمي (20سنة) بهذا الخصوص: «كوني طالبا جامعيا في النظام المسائي فإنني لا أجد وقتا كثيرا لأقضيه بعيدا عن الحرم الجامعي، لكنني أذهب بعد المحاضرات المسائية إلى أحد المقاهي أو الخيام الرمضانية، لتغيير جو الدراسة الخانق، وأنا لا امكث في المقهى أو الخيمة الرمضانية أكثر من ساعة إلا ربع، نلعب الشطرنج أو الألعاب القديمة (الكيرم، الدامة، الورق) ونتسامر مع الأصدقاء ونتبادل أطراف الحديث».
من جانب آخر، يمارس صلاح آل خليفة نشاطا متميزا مع عدد كبير من أصحابه. قرابة 60 شابا يشكلون فرقا في دوري رمضاني لكرة القدم لا ينتهي إلا في الأيام الأخيرة من الشهر الفضيل، وقال آل خليفة: «نحاول أن نقضي أوقاتنا الرمضانية في أمور مفيدة. فإلى جانب الصلاة وقراءة القرآن نلعب كرة القدم ونمارس رياضات أخرى أيضا. وأنا صراحة لا أوافق الشباب على الجلوس لساعات وساعات في المقاهي لتناول الشيشة والتدخين ومشاهدة التلفزيون لساعات وساعات. وأنا من الممانعين لوجود ما يسمى بالخيام الرمضانية التي لا تمت لرمضان بصلة، فلو كانت رمضانية بالفعل لكانت خيام ذكر وعبادة لا خياما للهو والترفيه والغناء. أتمنى من الشباب أن يتوجهوا إلى الخيام التابعة للأندية أو الجمعيات والتي تقدم لهم وجبة ثقافية تغنيهم عن الشيشة وتوابعها».
ومن جانبه أكد وليد سيّار على ذلك التوجه الشبابي قائلا: «نقضي جل الوقت في دوري كرة القدم هذا أو ذاك. يضاف إلى ذلك مجالس العائلات التي يجتمع فيها الصغير بالكبير، ويصل فيها الفرد رحمه برؤية أقربائه وأصحابه. وأحيانا نحضر مجالس وحلقات الذكر في المساجد والجمعيات الدينية. وأضم صوتي لصوت آل خليفة في أنه يتوجب على الشباب أن يكونوا أكثر وعي وتفهما فيما يتعلق بالمقاهي والخيام الرمضانية، وليسأل كل شاب نفسه ماذا استفاد وماذا خسر من جرّاء جلوسه لساعات وساعات في تلك الأماكن».
على الهامش
يبدو أن القوالب التي تنصب فيها ممارسات الشباب من فتيان وفتيات مفصولة بخط المبادىء الذكورية لمجتمعنا. وبالتالي تضطر الفتيات لقضاء أمسياتهن الرمضانية بين وضع تصورات العيد والزيارات العائلية والولائم والغبقات، فيما يقضي الشباب أوقاتهم بين الرياضة والخيام الرمضانية والمقاهي بدءا من الشعبية وانتهاء بمقاهي الخمس نجوم! ولكن تستحوذ الصلاة والذكر على مكان كبير من وقت شبابنا من الجنسين، في عودة واضحة لتوثيق العلاقة الربانية والاستزادة من فضائل شهر رمضان الكريم
العدد 66 - الأحد 10 نوفمبر 2002م الموافق 05 رمضان 1423هـ