العدد 2512 - الأربعاء 22 يوليو 2009م الموافق 29 رجب 1430هـ

خروقات متنوعة في الانتخابات الموريتانية لا ترقى لمستوى الطعن في نتائجها

تقرير المؤسسة العربية للديمقراطية:

قال تقرير تقرير المؤسسة العربية للديمقراطية بشأن مشاركة فريق المراقبين والخبراء العرب في الانتخابات الموريتانية، إنه تم تسجيل خروقات متنوعة في عملية الاقتراع لا ترتقي إلى مستوى الطعن في نتائجها وصدقيتها.

وقال التقرير، الذي حصلت «الوسط» على نسخة منه أمس، إنه بمبادرة ودعم من المؤسسة العربية للديمقراطية، تشكل فريق من الخبراء العرب ضم 23 شخصية من المجتمع المدني من 12 دولة عربية، قام بمراقبة الانتخابات الرئاسية الموريتانية، التي جرت يوم 18 يوليو/ تموز 2009.

وقد ضم الفريق شخصيات تمثل منظمات تعنى بحقوق الانسان والمواطنة والديمقراطية والحكم الصالح بالمنطقة العربية، إضافة إلى خبراتهم المتنوعة من أكاديميين، ومحامين وصحافيين ومسئولين عن مؤسسات مجتمع مدني.

وتعتبر هذه ثاني تجربة بعد لبنان، يتمكن فيها مراقبون عرب مستقلون من مراقبة العملية الانتخابية في دولة دول المنطقة.

وأشاد الفريق بالسلطات الموريتانية التي قبلت بتمكين وفد عربي غير حكومي من مراقبة الانتخابات، كما يعتبر من واجبه أن يقدر التسهيلات التي قدمتها مختلف المؤسسات المعنية بإدارة العملية الانتخابية، وهو ما ساعد الخبراء العرب والأجانب على القيام بدورهم بعيدا عن الضغوط والعراقيل الإدارية أو الأمنية، وجعلهم يتحركون بحرية، ويستعملون مختلف الوسائل لتوثيق المخالفات بما في ذلك استعمال التصوير داخل مكاتب الاقتراع والاستفسار عن أي شيء يتعلق بالعملية الانتخابية.

كما قدر الفريق للمترشحين من مختلف الاتجاهات السياسية الذين استقبلوا في مقراتهم ممثلين عن الفريق، ورحبوا من جهتهم بدور هيئات الرقابة لما تشكله من ضمانة أساسية لتعزيز الشفافية والنزاهة على العملية الانتخابية.

وذكر أن المترشحين الذين تم اللقاء بهم تباعا هم أحمد ولد دادة واعلي ولد محمد فال ومسعود ولد بلخير ومحمد ولد عبدالعزيز. كما تبادل مختلف المترشحين الاتهامات، ما عكس حالة التشنج السياسي، التي سبقت الحملة الانتخابية ورافقتها، وإذ عكس ذلك السقف المرتفع لحرية التعبير في الشارع الموريتاني، وهو شرط من شروط الديمقراطية، فإن الشحن السياسي قد تجاوز في بعض وجوهه الضوابط التي من شأنها أن تحمي العملية الديمقراطية وتحول دون سقوطها في الثلب وإثارة النعرات المدمرة للأخلاقيات السياسية.


اتفاق دكار: الإطار السياسي للانتخابات

أجمعت مختلف الأطراف الموريتانية على اعتبار اتفاق دكار المدخل لمعالجة الأزمة التي واجهتها البلاد خلال الأشهر الأخيرة. كما تم اعتماده كإطار سياسي لإضفاء الشرعية على هذه الانتخابات، ما حملها أكثر من دورها الطبيعي، وأضفى عليها طابعا استثنائيا.

ولاحظ التقرير أن ذلك كله أفضى إلى الاعتقاد بأن إجراء الانتخابات من شأنه أن يشكل المخرج الوحيد من هذه الأزمة شديدة التعقيد، والتي تستوجب، في الواقع، إعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف، إلى جانب حماية المؤسسات والتمسك بالخيار الديمقراطي. وهي مهمات تستوجب إطلاق العديد من الآليات والمبادرات تكون الانتخابات النزيهة والديمقراطية جزءا منها، لكنها لا تستطيع لوحدها أن تكون بديلا عنها. وهذا ما يفسر استمرار المخاوف والشكوك المتبادلة بين المترشحين، على رغم توقيعهم على اتفاق دكار، وتشكيلهم حكومة وطنية.


الإطار القانوني المنظم للانتخابات

استند الفريق العربي لمراقبة الانتخابات في إنجاز مهمته، كما أوضح تقريره، إلى أساسين، هما: المعايير الدولية الخاصة بتنظيم انتخابات ديمقراطية وشفافة، والقانون الانتخابي الموريتاني.

وعلى رغم الضمانات الكثيرة التي وفرتها القوانين والمراسيم الموريتانية، والحقوق التي نصت عليها والخاصة بالانتخابات والترشيح وغيرها من شروط تحقيق انتخابات نزيهة وديمقراطية، فإن تلك الخطوات المهمة التي قطعت في هذا السياق لاتزال تستوجب التأكيد على المسائل الرئيسية الآتية:

- حدد القانون دور وتشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات وتمتعها بالشخصية القانونية والاستقلال المالي. كما نص القانون على أن تتألف اللجنة من 15 عضوا يتم اختارهم من بين «الشخصيات المستقلة المعروفة بالكفاءة والاستقامة والنزاهة الفكرية والحياد»، إلا أن عملية تنظيم الانتخابات بقيت من صلاحيات وزارة الداخلية واللجنة اللامركزية، وهو ما من شأنه أن يقلل من أهمية هذه الخطوة، ويفتح المجال للشك في قدرات اللجنة على الإشراف الكامل لمختلف مراحل العملية الانتخابية.

- يرى الفريق ضرورة احترام الفترات الزمنية المحددة في القانون 60 يوما قبل اعلان موعد الانتخابات و45 يوما للترشح للرئاسة، وذلك لإعطاء الفترة الزمنية اللازمة لتنظيم العملية الانتخابية بطريقة حرة وشفافة.

- لم يحدد القانون كيفية صرف المساعدة المالية الاستثنائية للدولة، ولهذا يعتقد الفريق بأنه بالإمكان توزيع 30 في المئة من المبلغ المخصص لدعم الحملات الانتخابية على المترشحين بالتساوي و70 في المئة على اساس نسبة الأصوات التي يحصل عليها المترشح شريطة أن تتجاوز 2 في المئة من الأصوات المعبر عنها.

- ضرورة تحديد سقف للإنفاق الانتخابي في القانون دون العودة للمرسوم الذي يصدره مجلس الوزراء.


الاقتراع: الحيثيات والخروقات

وأوضح التقرير، أن الفريق العربي تمكن من توزيع مجموعات المراقبين على أبرز مكاتب الاقتراع بالعاصمة (نواكشوط)، وبأهم ولايات البلاد وأبرز مقاطعاتها. وقد نجحت هذه المجموعات في زيارة ما لا يقل عن 330 مكتب اقتراع. وبعد رصد شامل لمختلف هذه المراكز والمكاتب، والتدقيق في محتوى التقارير المفصلة التي أعدها الخبراء والمراقبون وفق المنهجية التي اعتمدها الفريق، وقبل استعراض أهم الخروقات التي تم تسجيلها يجدر التوقف عند الملاحظات الآتية:

- عبر الفريق عن ارتياحه لتمكن الموريتانيين من اجتياز هذا الاختبار الانتخابي في أجواء اتسمت بالهدوء وتجنب مظاهر التشنج والعنف. كما يقدر في هذا السياق الجهود التي بذلت من أجل تنظيم الانتخابات الرئاسية في أجواء عادية، مكنت مئات الآلاف من المواطنين بأن ينتخبوا بيسر وانسيابية، على رغم الطوابير الطويلة التي عاينها المرقبون.

- كما سجل الفريق بإيجابية نسبة المشاركة المهمة التي تحققت، وذلك على رغم ارتفاع درجة الحرارة والمسافات البعيدة لمكاتب الاقتراع، وخصوصا بالمناطق الصحراوية. وهو ما دل على حدة التنافس التي عرفتها هذه الانتخابات، وكذلك حرص عدد واسع من المواطنين على الإدلاء بأصواتهم، ووجود رأي عام يبحث عن تمثيل حقيقي لتطلعاته والدفاع عن مصالحه.

- ورأى الفريق أنه على رغم الجوانب الايجابية التي رافقت العملية الانتخابية يوم الاقتراع فإنه سجل مجموعة غير قليلة من الخروقات والتجاوزات الانتخابية. وعلى رغم أن ذلك لا يؤثر جوهريا على صحة الانتخابات ونتائجها النهائية فإنه ورغبة من الفريق العربي في تطوير التجربة الانتخابية باعتبارها ركيزة اساسية للبناء الديمقراطي في موريتانيا، يمكن الإشارة إلى الخروقات الآتية:

1 - عدم حيادية بعض الموظفين الرسميين في العملية الانتخابية.

2 - استبعاد بعض الناخبيين المسجلة أسماؤهم بعد 6 يونيو/ حزيران 2009 وعدم السماح لهم بالتصويت.

3 - تواجد قوى الأمن داخل بعض مكاتب الاقتراع.

4 - عدم جاهزية مراكز الاقتراع لذوي الاحتياجات الخاصة.

5 - تسجيل بعض التجاوزات الإعلامية يوم الاتقراع، ما شكل عدم التزام بفترة الصمت المنصوص عليها في القانون.

6 - ضعف أداء الجهاز الاداري المناط اليه تسيير العملية الانتخابية.

7 - عدم اطلاع الكثير من رؤساء المكاتب على القانون الانتخابي الموريتاني والإجراءات المتبعة عند الانتخاب والفرز بشكل كافٍ.

8 - عدم تناسب العازل مع المعايير الدولية لسرية الاقتراع.

9 - وجود شوائب بقوائم الانتخاب

10 - تسجيل اختلاف في معايير احتساب الأصوات.

وفي مقابل نقاط الضعف هذه يثمن الفريق:

- التزام وزارة الداخلية واللجنة اللامركزية بالحيادية، وهو ما انعكس بإيجابية على السير الطبيعي لعملية الاقتراع.

- حضور الجيش وقوى الأمن في كل المراكز الانتخابية التي زارها المراقبون، وهو ما ساعد على حفظ الأمن، وبالتالي مساعدة بقية الأطراف المشاركة في هذه العملية بما في ذلك المراقبين، حيث لم تسجل أية حادثة في هذا المجال.

- توفير لوائح الناخبين وأوراق الاقتراع وغيرها من أدوات العملية الانتخابية.

- تواجد ممثلي اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات في مراكز ومكاتب الاقتراع والفرز.


ملاحظات عامة

أولا: جرت الانتخابات الموريتانية في ظروف عادية، حيث لم يتخللها عنف أو إكراه أو غير ذلك من الخروقات الجسيمة التي عادة ما تشهدها الأجواء الانتخابية في كثير من الدول العربية.

ثانيا: تم تسجيل خروقات متنوعة لا ترتقي إلى مستوى الطعن في نتائجها وصدقيتها.

وقد لاحظ المراقبون التابعون للفريق، أن غالبية هذه الخروقات كانت ناتجة عن ضعف الأداء الحرفي لدى جانب من رؤساء الأقسام ومساعديهم وحتى ممثلي المترشحين، إضافة إلى قلة الموارد المالية.

لكن على رغم الأخذ في الاعتبار ذلك الأمر، فإن تعدد المخالفات - وخصوصا الناتجة عن اللامبالاة - تستوجب معالجة جادة وسريعة للارتقاء بالعملية الانتخابية خلال الاستحقاقات القادمة، حفاظا على سلامتها وجديتها. ثالثا: يشيد الفريق بروح التعاون التي سادت بين رؤساء الأقسام وممثلي المترشحين إلى جانب قوى الأمن والناخبين.

رابعا: تم احترام انتهاء آجال الحملة الانخابية، حيث لوحظ إلغاء مختلف مظاهر الدعاية الانتخابية في عشية يوم الاقتراع. وعلى رغم أن أنصار بعض المترشحين سعوا إلى التأثير على الناخبين من خلال الوقوف حول مراكز الاقتراع، فإن الانضباط الجماعي كان ملحوظا في غالبية الحالات.

خامسا: كثر الحديث بين أنصار المترشحين المتنافسين عن استفحال ظاهرة المال السياسي. وهي ظاهرى خطيرة من شأنها أن تنحرف بالعملية الانتخابية عن منهجها الديمقراطي، لكن فريق المراقبين العرب لم يكن بإمكانه التأكد من إثبات هذه الظاهرة والتأكد من حجمها الحقيقي، وهو إذ لا يستطيع اثباتها أو نفيها، ينبه إلى خطورتها وتداعياتها السلبية على كل عملية انتقال ديمقراطي فعلية وبناءة.

سادسا: لاحظ الفريق الدور الضعيف للمجتمع المدني الموريتاني في عملية المراقبة، حيث كانت مساهمته محدودة وغير مدعومة من قبل مختلف الأطراف السياسية، وخصوصا أجهزة الدولة. وهو ما دل على غياب جهود حقيقية لتفعيل دور المنظمات المحلية حتى تتمكن من المساهمة في بناء الديمقراطية.

سابعا: أبرزت الانتخابات الحضور المكثف للنساء الموريتانيات، اللاتي شاركن بقوة على رغم الالتزامات الأسرية وحرارة الطقس. هذا الحضور الواسع للمرأة يفرض على جميع القوى السياسية المتنافسة العمل الجدي والفعلي لتبني قضايا النساء، وتحقيق تقدم فعلي في مجال المساواة بين الجنسين على مختلف الأصعدة.

ثامنا: لاحظ الفريق أن الحضور الدولي في هذه الانتخابات لم يكن في حجم تستوجبه الأزمة السياسية الموريتانية من يقظة ومتابعة لتنفيذ مختلف جوانب اتفاق دكار. وهو ما يفرض على الأطراف الدولية الوقوف الجدي مع الشعب الموريتاني وقواه السياسية حتى يتمكن من بناء ديمقراطيته المنشودة.


التوصيات

أولا: يوصي الفريق بمواصلة الارتقاء بالقوانين الموريتانية المنظمة للانتخابات من أجل ملاءمتها مع المواثيق الدولية لحرية ونزاهة الانتخابات.

ثانيا: دعم اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات وتعزيز دورها، وذلك من خلال جعلها لجنة دائمة واعطائها الصلاحيات الكافية لإدارة العمليات الانتخابية باستقلالية دائمة.

ثالثا: ضرورة التقيد بالمدد الزمنية المحددة في القانون لجهة الإعلان عن مواعيد الانتخابات والترشح، وذلك لضمان حسن إدارة العملية الانتخابية.

رابعا: تحديد سقف للإنفاق الانتخابي ضمن قانون الانتخابات دون العودة إلى مراسيم تصدرها الهيئات التنفيذية ووضع آليات إجرائية لمراقبة الانفاق الانتخابي.

خامسا: تطوير وتفعيل مشاركة هيئات الرقابة المحلية، لما لها من أهمية في تعزيز النزاهة والشفافية والمشاركة في العملية الانتخابية.

سادسا: ضرورة العمل على تدريب الاشخاص المكلفين بإدارة عملية الاقتراع والفرز والإشراف على تفاصيل العملية الانتخابية.

سابعا: العمل على تجهيز مكاتب الاقتراع بمعدات أفضل تسمح باحترام سرية الاقتراع والتقيد بالاجراءات القانونية والمعايير الدولية.

ثامنا: تطوير مضامين الخطاب السياسي من خلال تشديد المراقبة على الخطاب الاعلامي وإلزام الفرقاء المتنافسين بالتقيد خلال الحملات الانتخابية بميثاق الشرف.

تاسعا: تيسير السماح للأحزاب السياسية بتقديم مترشحيها للرئاسة بالتخفيف من القيود الإدارية، وتمكين المترشحين من المشاركة بناء على تواقيع نسبة من المواطنين.

عاشرا: إلزام الجهات الإدارية بتسهيل مشاركة أصحاب الاحتياجات الخاصة في العملية الانتخابية.


الخلاصة

وأعلن فريق المراقبين والخبراء أن الخروقات التي سجلها الفريق لم تؤثر تقنيا على نزاهتها، في ضوء المعاينة والمشاهدة والاطلاع عن كثب من خلال الزيارات الميدانية يوم الاقتراع ووفق المعايير الدولية وما تقتضيه الموضوعية، وأن العملية الانتخابية في مجملها كانت ستكون أكثر عدلا لو تم تنفيذ مختلف جوانب اتفاق دكار والتقيد بالآجال الدستورية ذات الصلة. ورأى الفريق أن تطوير القانون الانتخابي الحالي من شأنه أن يساعد على معالجة هذه الخروقات والتجاوزات، ما يجعل مراجعة وتعديل القانون الانتخابي ضرورة ملحة من أجل الارتقاء بالعملية الانتخابية إلى مستوى ما هو منصوص عليه في المعايير الدولية في الجانبين التشريعي والتقني.

وقال التقرير، أخيرا، إن فريق المراقبين العرب سيواصل عمله الرقابي حتى صدور النتائج النهائية عن المجلس الدستوري بما سيمكنه أيضا من إبداء الرأي في أي تحفظات أو طعون قد يتقدم بها بعض المترشحين وغيرهم من الأطراف المعنية بالعملية الانتخابية.

العدد 2512 - الأربعاء 22 يوليو 2009م الموافق 29 رجب 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً