حذر اقتصاديون بحرينيون ومراقبو المجتمع الدولي من الأسباب الحقيقية وراء حشد الولايات المتحدة الأميركية جنودها في منطقة الخليج ونيتها المبيتة لإشعال الحرب ضد العراق، قائلين إن واشنطون لديها أجندة غير المعلن عنها وهي ربما تهدف فيما بعد إلى توسيع دائرتها لتشمل دولا أخرى.
وقالوا إن النية الرئيسية هي تحقيق رغبتين اثنتين، السيطرة على منابع النفط في دول الخليج - التي تحتوي على حوالي نصف المخزون العالمي - ونشر هيمنة واشنطن في المنطقة وتعزيز دور دولة «إسرائيل».
من هؤلاء: الاقتصادي والأكاديمي تقي الزيرة، الذي أثار الشكوك في النية المعلنة لأميركا بأنها تنوي نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق أو الإطاحة بالنظام الحاكم، خصوصا أنها كانت قاب قوسين من اقتلاع الرئيس العراقي صدام حسين في العام 1991 ولكنها لم تفعل متعللة حينئذ بأن ذلك شأن داخلي.
وقال: «لماذا لم تحسم أميركا وضعية النظام العراقي عندما كانت قواتها مع حلفائها على أبواب بغداد في حرب الخليج الثانية؟ بل لماذا أنقذ جورج بوش (الأب) الرئيس صدام حسين العام 1991 عندما تحولت الانتفاضة التي اشتعلت ضده إلى حرب أهلية أفلتت من كل تحكم؟».
ويرى آخرون أن هذه الأسئلة مشروعة ولا تحتاج إلى تأمل لمعرفة أن نوايا واشنطن في المنطقة غير حسنة وهي تسعى وراء مصلحتها فقط.
ويقول الزيرة: «السبب هو أن أميركا تريد فعلا إعادة صوغ الخريطة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في المنطقة لصالحها ولصالح الكيان الصهيوني. وهي تريد أن تبدأ من العراق نظرا إلى سهولة إقناع المجتمع الدولي بأن العراق مصدر تهديد لأمن المنطقة واستقرارها وخصوصا بعد غزوه جارته الكويت وصواريخه التي أطلقها على (إسرائيل) في حرب الخليج الثانية».
غير أن مراقبين قالوا إنه لو أراد المجتمع الدولي محاسبة دولة ما على استخدام أسلحة الدمار الشامل، فعليهم البدء بأميركا نفسها.
يقول مراقب غربي فضل عدم الكشف عن اسمه: «حجة واشنطن ان سبب الحرب هو استخدام صدام لاسلحة الدمار الشامل من قبل هي حجة مردود عليها ويجب أن توجه إلى أميركا نفسها. فهي الدولة الوحيدة التي استخدمت القنبلة الذرية في العالم على الرغم من أن دولا أخرى تمتلكها. وهي استخدمتها ضد مدنيين يابانيين ولمجرد تجربة هذا السلاح الرهيب. هل نحتاج لحجة أقوى لنزع هذا السلاح من أيدي الأميركيين أنفسهم؟»
ولهذا المراقب رؤية مشابهة للزيرة في أن تهمة الإرهاب التي تسوقها واشنطن سببا لمهاجمة الدول غير صحيحة وانها فشلت لحد الآن في ربط العراق بأية هجمات إرهابية في أي بقعة من العالم.
ويضيف: «إذا نظرت إلى عدد الحروب التي أثارتها الولايات المتحدة في مختلف أرجاء العالم منذ الخمسينات وحتى الآن، وإلى عدد الذين ذهبوا ضحايا هذه الحروب، فالمنطق يقول إن أميركا هي أشد الدول إرهابا على الإطلاق».
ويؤكد الزيرة أن واشنطن تسعى للحرب من منطلق دعم اقتصادها المتدهور، فيقول: «لفهم ما يجري بدقة علينا مراجعة الاقتصاد الأميركي الذي يعاني تراجعا كبيرا جدا منذ منتصف العام 2000، بدأ بتراجع أسهم شركات التكنولوجيا وامتد إلى أسهم قطاعات أخرى، ما أثر بوضوح في حجم الثروة لدى الأفراد والقطاع العائلي وحجم الاستهلاك في أميركا، وأثر في المدخرات العائلية».
ويضيف: «وقد تسبب ذلك أيضا في تراجع الثقة لدى المستهلك والمستثمر ما قلل من حجم تدفق رأس المال الأجنبي المتوجه نحو أميركا للاستثمار والتجارة فيها. وفي النصف الأول من العام 2001 دخل الاقتصاد الأميركي فعلا مرحلة الركود. ومع أن البعض كان يتوقع أن يكون الركود في أميركا معتدلا من حيث التأثير وقصيرا في مدته، فإن تداعيات حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قلبت كل التوقعات. فقد أدت إلى مزيد من التدهور في أسواق المال العالمية وتدهورت عدة قطاعات اقتصادية كبرى مثل قطاع السياحة والطيران».
يذكر أنه لأول مرة يتزامن التباطؤ الاقتصادي والركود في المناطق الاقتصادية الكبرى في العالم في الفترة نفسها وهي الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي.
وعلى رغم احتمال حدوث تحسن طفيف في معدل النمو الاقتصادي العالمي إذ يقترب مستواه من 3 في المئة هذا العام فإن الزيرة يؤكد أن مصدر هذا التحسن لن يكون أميركا أو دول الاتحاد الأوروبي بل سيحدث في الدول النامية وبالذات الصين ومنطقة الشرق الأوسط.
يقول: «هذا بالضبط ما يفسر لنا سبب خروج أميركا بتصرفات طائشة. فهي تدرك جيدا عدم وجود أسلحة الدمار الشامل لدى العراق وعدم وجود علاقة بين العراق وحوادث 11 سبتمبر. ولم نحصل منها على دليل واحد على ارتباط (تنظيم) القاعدة بالنظام العراقي. ومن الواضح أنها تريد خلط كل الأوراق في طبخة جديدة تشبع أطماعها. فهي تدرك أن الاهتمام العالمي بدأ يتحول إلى بلدان أخرى للاستثمار والتعاون الاقتصادي والتجارة بدلا من أميركا المتهورة».
ويرى المحللون أن الاتحاد الأوروبي أكثر تعقلا من أميركا التي قد توصل حربها إلى أي بلد عربي وخصوصا مع هذا التزايد الكبير في وجودها العسكري في المنطقة. «ولا أحد يستطيع التطمين بأن تداعياتها (الحرب) ستكون محدودة الزمان والمكان. بل على العكس، كل المؤشرات تؤكد أن تداعياتها على اقتصاديات المنطقة ستكون كارثية»
العدد 125 - الأربعاء 08 يناير 2003م الموافق 05 ذي القعدة 1423هـ