بين العراق وكوريا الشمالية مشتركات كثيرة... نقاط التقاء ونقاط اختلاف... فالبلدان مصنفان في محور الشر حسب التعريف الأميركي للشر... وهما مشاكسان للسياسة الأميركية في وقت يعتبر فيه ذلك من قبيل الانتحار السياسي... كما أنهما يصنفان بشكل أو بآخر كحليفين تقليديين أو سابقين لروسيا الاتحادية. وتمتلك كوريا الشمالية قدرات صاروخية كبيرة، وإمكانات لتصنيع سلاح نووي، بينما يتهم العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل...
لكن يلاحظ الاختلاف في التعامل الأميركي مع البلدين... فبينما يعلن العراق وتحت ضغط الحشود العسكرية الأميركية بأنه كشف كل ما لديه من أسلحة وبرامج تسليحية، وأنه مستعد للتعاون إلى أقصى حد مع فرق التفتيش الدولية ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نجد على النقيض من ذلك، بأن كوريا الشمالية تهدد وتتوعد وتنسحب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وتطرد مراقبيها، وتعلن استئناف برامجها النووية وأبحاثها الصاروخية من دون هوادة... بينما يحصل كل هذا نجد أن الولايات المتحدة تحاول التوصل إلى اتفاق معها، وذلك بعد أن صعدت في بداية الأزمة فقط... فوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي قال في بداية الأزمة إن بلاده تستطيع الحرب على جبهتين في إشارة إلى الحرب على العراق وكوريا الشمالية، لم تلبث إدارته أن تراجعت عن نبرة الحرب إلى الرغبة في التوصل إلى حل سلمي مع كوريا الشمالية. وعندما طلبت من أطراف دولية أن تتدخل للجم التمرد الكوري الشمالي، ردت الأخيرة برفضها التفاوض إلا بشكل مباشر مع الولايات المتحدة... وهنا اشارت واشنطن إلى تحويل القضية إلى مجلس الأمن.
فما الذي يجعل هذا البلد المحتار في شأن إطعام 23 مليون فم، يقف وكأنه غير مكترث بالقوة الأميركية؟ وما الذي يجعل اللغة الأميركية متلعثمة هكذا معها، بينما نجدها فصيحة رنانة مع العراق؟
بداية يبدو أن كوريا الشمالية تفهم بأن الولايات المتحدة منشغلة حاليا بالعراق، ولا تريد الانشغال بموقع آخر قد يشتت قوتها ويحد من زخم الانطلاق نحو العراق... كما ان ذلك قد يضعف التوافق الهش أصلا بشأن ضرب العراق... فروسيا التي ستوافق على ضرب العراق مقابل ما تريد، لن تقبل بالوضع نفسه تجاه كوريا الشمالية... وكذلك الأمر مع الصين... صحيح أن باستطاعة الولايات المتحدة أن تشن حربين في آن من الناحية العسكرية، لكنها تطمح في الحصول على حد أدنى على الأقل من التوافق العالمي مع خططها العسكرية وخصوصا مع تزايد الرفض للغزو الأميركي للعراق داخل الولايات المتحدة، وخارجها.
لكن هناك أيضا نوعا من الخشية الأميركية من هذه الحرب التي لا يشك أحد في أن النصر فيها سيكون حليفها، وهو أنه لا أحد يعلم إلى أي حد ستتضرر جارتها (كوريا الجنوبية) التي تضم أكثر من 30 ألفا من الجنود الأميركان منذ أكثر من نصف قرن من الزمان. فلدى بيونغ يانغ مخزون مخيف من الصواريخ والأسلحة التي وان لم تتغلب على سيئول فستترك دمارا واسعا في ذلك البلد الذي ظل يحلم بالاستقرار والنمو ولبناء نموذج حضاري في منطقة حساسة... فما الذي يمنع كوريا الشمالية من ذلك فيما لو تعرضت لعدوان أميركي؟ وما الذي يجعل من كوريا الجنوبية تقبل بهكذا حل لن يجعل مستقبل التنمية فيها على كف عفريت، بل سيخنق حتى أي أمل في تحقيق وحدة مع الشطر الجنوبي لشبه الجزيرة الكورية في مستقبل منظور، وخصوصا مع ما هو معروف عن رئيس كوريا الجنوبية من عدم غرامه بالولايات المتحدة... وطموحه الكبير إلى تحقيق الوحدة؟
لكن الوضع يبدو مختلفا جدا في العراق... فهذا الذي تدعي الولايات المتحدة أن لديه مخزونات كبيرة من السلاح، لا يبدو أن لديه كثيرا من الخطير منها... ومهما كان السلاح الذي سيستخدمه في أي حرب مقبلة، فإنه يمكن ان يكون تحت السيطرة لأن المفتشين الدوليين لم يتركوا منشأة كبيرة إلا ودخلوها. وقد عرفوا الكثير مما لا يشك في أنه يصل أولا بأول إلى المخابرات الأميركية.
ويضيف كاتب في صحيفة واشنطن بوست (ستيفن سستانوفيتش) في العشرين من يناير/ كانون الثاني 2003 أسبابا أخرى لقلق الولايات المتحدة من العراق أكثر من كوريا الشمالية، وهو كون منطقة الخليج أقل استقرارا، والتناقض الكبير بين دولها، أكثر مما هي الحال في شمال شرق آسيا. كما ان المجموعات الإرهابية أكثر قوة في المنطقة منها في شرق آسيا. وعندما يكون ممكنا السيطرة على دولة متمردة، فإن من الصعوبة بمكان رصد او خنق حركة او تنظيم.
وهناك سبب آخر يضيفه سستانوفيتش وهو أن امتلاك العراق لسلاح نووي سيحبط الجهود المبذولة لمنع ايران من ذلك... ولو امتلك البلدان هذا السلاح، فإنه، وحتى أكثر المتفائلين بنظرية الردع النووي ستهتز ثقتهم فيها هنا وبين هذين الجارين تحديدا.
إن فتح جبهة جديدة لواشنطن في أقصى آسيا في هذا الوقت سيعني بالضرورة خلق أعداء جددا محتملين، وربما فقدان أصدقاء مؤكدين في الحرب ضد العراق. علاوة على ما ذكر فإن من الواضح أن الولايات المتحدة تدرك انه بوقوع الحرب ضد نظام بيونغ يانغ واحتمال سقوطه فإن نفقاتها ستزداد، وذلك في إطعام ملايين الجائعين. وستضطر سيئول إلى تقاسم لقمة العيش مع الجار الجنوبي... وعلى الولايات المتحدة أن تدفع الفاتورة من موازنتها الخاصة. بينما هذا هو المتوقع في أي سيناريو للحرب في شبه الجزيرة الكورية، فإن السيناريو يختلف في العراق والمنطقة، إذ أكبر احتياطي للنفط في العالم، حيث ان الموقع الإستراتيجي، والجوار المهم لدول إسلامية وشرق أوسطية، إضافة إلى المداخيل المهمة المتوقعة من هذه الحرب. كما أن أصوات المدافع وأزيز الطائرات وانطلاقة الصواريخ العابرة للقارات ستشكل جميعها رسائل واضحة للآخرين بجدية السعي الأميركي نحو السيطرة وفرض منطق القوة على الجميع.
وما تدركه واشنطن أيضا هو أنه لا ضير في شأن مشكلة في أقصى الشرق، مقابل ما ستجنيه من مكاسب استراتيجية في أي تدخل لها في العراق. ويمكن التغاضي - ولو إلى حين - عن مكسب ما لصالح مكسب اكبر وأهم في سلم أولويات المصالح الأميركية.
كاتب سعودي
العدد 146 - الأربعاء 29 يناير 2003م الموافق 26 ذي القعدة 1423هـ