إن السوق يريد منا ان نذهب إلى الحرب وكلما كان ذلك اسرع كان أفضل. إن هذه الكلمات التي يشعر بها الناس تصيب المتحدث والخبراء الماليين الذين يحضرون ندوة مالية بالصدمة.
ويوجد لدينا جميعا تفسيرات لأسباب السوق الهابطة ولكن القليل يستطيع ان يقدم حلا إلى تلك المشكلة باستثناء وزير خارجية العراق والخبير المصرفي المعروف طارق عزيز الذي يرى انه من الاسوأ ان يتحرك السوق بشكل كئيب عن ان يصل إلى نقطة معينة.
ان وجودي في روما مع طارق عزير لم يكن مجرد لهو. ان تحركات وزير الخارجية العراقي في روما حولت الشبكة القديمة من الشوارع إلى ازدخام سير خانق، إذ ان كل عميل كنت اقابله لم يتحدث عن اي شيء سوى طارق عزيز، وهناك أوقات ينصب فيها اهتمام المصرفيين الاستثماريين على تفاصيل دقيقة لحوادث محتملة وكيف تؤثر هذه الحوادث على الاستثمارات. وعندما تمت ازاحة ثاتشر عن السلطة كان الخبراء يعرفون كل شيء يجب معرفته عن نوايا الناخبين من حزب المحافظين حتى إذا ما كان جون ميجور سيذهب إلى طبيب الاسنان. اننا نعيش اوقاتا مشابهة الآن، فلا يمكن صدور تقرير لأي استراتيجي عن وضع السوق كاملا من دون وضع تصور لانتشار الدبابات العراقية وتفاصيل تركيبة مجلس الأمن.
واذا كان رجال الاعمال القساة في لندن ووول ستريت بدأوا بالدعاء من اجل الحرب، فإن عليهم ان يبتدروا تداعيات تلك الحرب. إن النزاع لا يؤدي فقط إلى تأثيرات اقتصادية، بل إلى عواقب اخرى. ويدور جدل بين الاقتصاديين بخصوص اذا ما سيكون للحرب تأثير ضار على الاقتصاد (إذ ان الانشطة السياحية ستشهد كسادا) أو إذا ما سيؤدي الاستعداد للتوسع العسكري إلى انتعاش الانفاق عموما.
وهناك امر واحد يتفق عليه الجميع وهو ان العجز في الموازنة الاميركية يتجه إلى اعلى.
وركزت الندوة على تأثير الحرب على سوق الاسهم. فإذا نظرنا من اسفل إلى اعلى السلم نجد ان معظم اسعار الاسهم الفردية تحركت بالشكل المعتاد بينما ارتفعت اسهم النفط وهبطت اسهم الفنادق وشركات الطيران.
اما الاستثناء المثير للقاعدة فهو اسهم الدفاع التي يبدو انها بقيت منخفضة بشكل يدعو إلى الغرابة.
وعلى اية حال فإن الامر الذي يحتاج إلى تحليل اكثر عمقا هو العواقب الاقتصادية والمالية للمشاحنة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة واوروبا القديمة وبين اوروبا القديمة والجديدة.
دعنا نبدأ بالعملة. إنني باعتباري شخصا مؤيدا بشكل قوي لليورو لم اشعر باليأس. فإذا ما اخذنا في الاعتبار النزاع المكشوف بين بلير وشيراك (وفي الحقيقة تشير التعليمات الواردة في الصحافة المالية الفرنسية ان شيراك يعمل على ازاحة رئيس وزرائنا عن طريق تشجيع تمرد داخل حزب العمال) فهو يوجد لدى بلير الإرادة الحقيقية للانضمام إلى اليورو؟ هل سيصغي الاوروبيون لما يقول؟ واذا كان انضمام المملكة المتحدة اكثر صعوبة الآن فما التوقعات بالنسبة إلى اليورو؟ إن انخفاض الدولار يمكن ان يكون مؤقتا إذ ان نصرا اميركيا سريعا ونموا اقتصاديا جديدا يمكن ان يؤدي إلى تغيير سريع.
اما على الجانب الآخر فيبدو ان قوة اليورو لا تتواءم مع الخلافات الدبلوماسية ومع توقعات ضعف اقتصاديات منطقة اليورو.
وهناك قضايا اخرى تدور حول الأساليب التجارية والاسهم الفردية. لقد ازدادت النزعة الاميركية العدائية في المفاوضات التجارية ولربما نرى تكرارا لقضية النزاع على التعرفة الجمركية على الصلب. وهناك حديث في الولايات المتحدة عن مقاطعة بعض السلع الاوروبية من قبل المستهلك الاميركي. وتوجد بعض الادلة على ان الحكومة الاميركية تقوم بإجراءات انتقامية عن طريق الغاء بعض العقود، فقد تأثرت شركة المانية نتيجة تلك الاجراءات الاسبوع الماضي. ويبدو ان النزاع الدبلوماسي بين الدول الاوروبية لم يمتد حتى الآن ليصل إلى بريطانيا ولكن ذلك يمكن ان يكون مجرد وقت.
وشهد الاسبوع الماضي فترة قصيرة من الاتحاد بين بريطانيا وفرنسا والمانيا. إذ تلقى جوردون براون - الذي يواجه ضغوطا من البنك المركزي الاوروبي بسبب العجز المتزايد في موازنته - مساعدة غير متوقعة من هذه المجموعة (فرنسا والمانيا).
خدمة الاندبندنت - خاص بـ «الوسط
العدد 173 - الثلثاء 25 فبراير 2003م الموافق 23 ذي الحجة 1423هـ