أشعر، وأنا أخط هذه العجالة في «الزجل اللبناني»، بثقل المسئولية، فالكلام الكثير الذي تردد بشأنه، ولا يزال يتردد، لا ينفك عن كلام كثير تردد ولا يزال بشأن عروبة لبنان أو متوسطيته، وبشأن «لبنان الفينيقي» ذي «الوجه العربي»، إلى آخر ما هو داخل في عباءة السياسة ويستدرج الأدب إليه استدراجا، ولا ينفك أيضا عن الجدل الدائر حول الفصحى والعامية.
جدل ثار مع بدء الحديث عن «كيان لبناني» في العام 1920 (تحديدا مع حملة الجنرال غورو)، على أثر الحرب العالمية الأولى وهزيمة الامبراطورية العثمانية. منذ ذلك التاريخ والبحث المحموم (المفتعل غالبا، التعسفي غالبا) عن خصائص هذا «الكيان» يُحدث شرحا في بنيان المجتمع اللبناني لا تشفع معه الشعارات الجاهزة الفاقدة نسغها، الداعية بسطحية لا تحترم العقل الى «وحدة وطنية» و«ارتفاع فوق الطائفية والمذهبية»... ولكننا نحن اللبنانيين دفعنا ثمنا غاليا في ثلاثة حروب أهلية منذ العام 1860 من القرن التاسع عشر، فلم تحصن بنيان مجتمعنا شعارات فاقدة النسغ، سطحية لا تحترم العقل.
لقد شكل هذا البحث المحموم عن «خصائص الكيان» دائما استفزازا للقائلين بعروبة لبنان، فلقد كان هذا بحثا عبثيا، افتراضيا، انتقائيا، عن أصول فينيقية مع تجاهلٍ لأصل الفينيقيين العربي وتجاه للهجرات من شبه الجزيرة العربية الى لبنان، الحاحا على بعث التراث الخاص جدا (الحرفيّ وما هو داخل في العادات) مع تجاهل أن التطور الحاصل في أنماط الانتاج وبنية المجتمع اللبناني (وقد سرّعته وتسرِّعه الرياح العاصفة من الغرب الأكثر تطورا) يمنح «التراث» مشروعية توجيه الحياة الثقافية ولا يبرر نفوذه... إنه تراث مفلول الشفرة لا يجدي نفعا في مواجهة الآلة التي اخترعتها صناعة العصر ولا تزال تحسنها، وفي مواجهة العادات والتقاليد المتغيرة بعناد.
هكذا نرى أن التراث عنصر من ناصر التاريخ، يمتِّنُ إحساسنا بالانتماء... ولكن أي انتماء؟
إنه (هذا التراث) يصبح لعبة خطرة في الصراع على الهوية... إنه «تراث» يبحث عن فينيقيته أو يبحث عن عروبته... يبحث عن «فرادته» أو يبحث عن جذوره، هنا المعضلة التي على حلها تتوقف أمور. وإن البحث عن حل لها يصطدم، باستمرار، بحقيقة أن الذين لا يحترمون التراث (الذين يدمرونه) هم الذين توجه مواقفهم من كل شيء مصالح صناعية وتجارية ومصرفية. فهل نذكركم بما فعل الأميركيون الغزاة اللصوص بمتحف بغداد؟
هل يبعدني هذا الاستهلال عن «لب الموضوع»، وهو الزجل اللبناني؟ على العكس تماما... إنه في ما أرى وأتعمد ثوب مفصل على قامة هذا الزجل المراد له أن يكون لعبة خطرة في الصراع على الهوية. وعندنا أنه شعر عربي بعامية أصولها عربية فصيحة. أفلا ترون أن هذا الرأي لا ينفك عن الصراع على الهوية، ما دام يتعارض دفعة واحدة مع منطق الفرادة وخصائص الكيان المميزة؟!
إقرأ ما كتب عن أصول عربية فصيحة للهجة العامية اللبنانية (نقترح مثلا كتاب الأمين العام السابق لاتحاد الكتاب اللبنانيين المرحوم الاستاذ أحمد أبوسعد: «فصيح العامة»، الصادر عن دار العلم للملايين)... ولكنها دعوة من قبيل الاحتجاج بما هو أصيل على ما هو طارئ. وما كانت الأمور كذلك أيام كتب ابن خلدون عن الزجل الناشىء في الأندلس، هذا الزجل الذي قدر له بفعل الهجرات وعوامل أخرى أن يبلغ لبنان، وأن يتطور فيه، وأن يختط لنفسه مذهبا لا يعني فرادة ولا يقطع جذورا.
هنا جذور الزجل اللبناني، في الزجل الأندلسي، لا في «تراث» الفينيقيين، فالفينيقيون لم يتركوا لنا أو لغيرنا من القائلين بـ «أصل فينيقي» تراثا شعريا.
وهو (هذا الزجل اللبناني) شعر فيه الغث وفيه السمين، شأنه في ذلك شأن الشعر العربي الفصيح...أفنعيد عليكم قول بشارين برد:
ربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت
لها عشرُ دجاجاتٍ وديك حسنُ الصوت؟!
الزجل اللبناني حافل بالغث، حافل بالسمين، إذ هو شعر باعتبارات كثيرة، أهمها أنه نتاج مواهب، صحيحة أو سقيمة، وفيه تخييل أو فيه مجرد نظم، كالفصيح سواء بسواء، وفيه كالفصيح صور شعرية عزيزة، والأمر من قبل ومن بعد أمر اقتدار على الشعر، بغض النظر عن أداته اللغوية.
حسبك أن تقارن ما بين زجل المنابر المرتجل وبين شعر آخر معاني.
وتحضرني هنا بل تلحُ عليَّ أغنية طالما سمعتها في طفولتي في أعراس بلدتي شحيم، ولا أدري ولا يدري أحد أي امرأة من شحيم تفتقت عنها (عن الأغنية) قريحتها... تقول الأغنية:
يا بحر بيروت حاجي تنتلي وتفيض
مرقوا عليك الصبايا في تياب العيد
خشخش بالدهب قلت: الدهب ما ريد
رعبون غيرك سبق وإن كنت عاشق زيد
أفلا يبلغ هذا المعنى النادر مستوى المعاني النادرة في الفصيح؟ أفلا يستثير خيالك وعاطفتك معنى العربون الذي تطلبه فتاة من عاشقها، إذ تكتشف وأنت تسمعه أن العربون ليس ذهبا بل هو العشق؟
ذاك شاهد من أغاني أعراسنا الشعبية. فما رأيك في أبيات يونس الابن (من كتابه: «أربع خمس كلمات»).
هيي وأنا والليل والساعة
تكاتها تزيد السكوت سكوت
ونظرة مريضة مقدمة الطاعة
وبسمة، قبل ما تصير بسمة، تموت؟
أفلا ترى معي أن تعديلا طفيفا في التراكيب الصرفية لبعض ألفاظ هذه الأبيات وفي اعرابها يجعل منها شعرا فصيحا فيه، إلى جانب الفصاحة، حلاوة التخييل؟
سؤال يضعنا أمام حقيقة أخرى هي أن لغة الزجل، كلغة التخاطب اليومي سواء بسواء، تقترب يوما بعد يوم من الفصحى الراقية، بفعل التطور الثقافي والاجتماعي، وفي ظننا أن تطور اللهجات في الاقطار العربية سيبلغ بنا يوما ما شاطئ لغة التخاطب اليومي الواحدة. ولكن ما هو مطروح راهنا أمر آخر... المطروح راهنا أن تكون اللهجة المحلية عنصر فرادة وانعزال يتعارض (بل يتصادم) مع اللغة المشتركة بما هي عنصر من عناصر الوحدة العربية المنشودة
وعود الى «لب الموضوع» إن بدا أن الاستهلال بعيد:
هذا الزجل لا يشهد اليوم عصرا ذهبيا، شأنه شأن الشعر الفصيح... ثمة رياح يصطلحون عليها بـ «العولمة» تهب على كل شيء في لبنان، فتشغل عن الابداع والاستمتاع به وتضعنا في مواجهة «تحديات» كما يصطلح رجال السياسة. ولكن الزجل اللبناني أكثر ما ينشط في الصيف، موسم الاصطياف وحفلات المطاعم وغيرها. فلقد صار هو أيضا وسيلة ارتزاق، وصارت له فرق زجلية تتبارى وتخطب ود الجمهور، وتشكل ذوقه، وتصرف جيلا بأكمله عن الاهتمام بشعر عامي أبدعه ويبدعه شعراء يكتبون بالعامية، حتى جاز التمييز ما بينه وبين الزجل الذي يعني اليوم «زجل المنابر» المرتجل الذي يخطب ود الجمهور ولا يرمي الى الارتفاع بوعيه وذائقته الشعرية... خلاصة القول في هذه العجالة (التي لا تغني عن دراسة الزجل اللبناني وتلمس المشترك ما بينه وبين الزجل الاندلسي من ناحية، وما بينه وبين الشعر الفصيح من ناحية أخرى)، خلاصة هذا القول ان الزجل اللبناني لم يسقط من السماء، ولم نرثه عن الفينيقيين، بل كان ثمرة انتقال من الاندلس باتجاه المشرق العربي، بدليل أن فيه اصطلاحات ذلك الزجل، وبدليل ما قاله ابن خلدون من أن شعر الموشحات لما شاع في أهل الاندلس «نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا إعرابا، واستحدثوا فنا سموه بالزجل»، وبدليل ما نقله ابن خلدون من حديث أبي سعيد وقوله في أبي بكر بن قزمان: «ورأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب»... وإن زجلا يبلغ بغداد يسهل بلوغه لبنان الذي بلغته هجرات الاندلسيين والمغاربة عموما كما يذكر التاريخ.
هذه إشارات الى نشأة الزجل للبناني، تغني عن دراسته من حيث أوزانه، ومن حيث أغراضه. ولنا عودة إليه للوفاء بهذه المهمة
العدد 232 - الجمعة 25 أبريل 2003م الموافق 22 صفر 1424هـ