يبدو ميدان السياسة الخارجية أشبه بحقل ألغام لمرشحي اليمين واليسار الابرزين للرئاسة الفرنسية في انتخابات الربيع يتوقف جزء كبير من صورتهما على مواقفهما في المسائل الدولية ولو أنها لا تشكل أولوية بنظر الناخبين.
وبعد أن لقي المرشح الرئيسي عن اليمين نيكولا ساركوزي انتقادات لاذعة وصفته بأنه «دمية» الرئيس الأميركي جورج بوش إثر زيارته إلى واشنطن، انتظر عدة أشهر قبل القيام بمحاولة ثانية للظهور خارج فرنسا.
واختار ساركوزي لندن للقيام الثلثاء بأول زيارة له إلى الخارج منذ تعيينه رسميا مرشحا عن الاتحاد من اجل حركة شعبية الحاكم (يمين) وإذ أثنى بهذه المناسبة على «البراغماتية» التي ينتهجها «صديقه» رئيس الوزراء طوني بلير، حرص على الإشارة إلى عدم موافقته على الحرب في العراق. أما منافسته الاشتراكية سيغولين رويال، فانتقدت لـ «الخفة» التي أبدتها خلال زياراتها إلى الصين والشرق الأوسط سعيا لكسب موقع على الساحة الدولية.
ورأى ديدييه بيليون من معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية أن «على المرشحين أن يظهرا أكثر في القضايا الدولية لأنهما لا يتمتعان بخبرة كبيرة في هذا المجال». غير أن بيليون اعتبر أن «ساركوزي ارتكب خطأ سياسيا بانتقاده سياسة فرنسا الخارجية من واشنطن» في حين أن منافسته «أثبتت عن قلة خبرة يمكن أن تجعلها تتعثر».
وكانت زيارة ساركوزي في سبتمبر/ أيلول الماضي إلى الولايات المتحدة حيث انتقد علنا «غطرسة» الدبلوماسية الفرنسية، أثارت بلبلة حتى في صفوف معسكره إذ أبدى البعض مخاوف من الابتعاد عن تقليد فرنسي عريق باستقلالية الموقف يعود إلى شارل ديغول. وجهد ساركوزي بعد هذه الزيارة إلى تصحيح صورته كمناصر للتقرب من الولايات المتحدة، وهو مفهوم قلما يحظى بتأييد شعبي في فرنسا.
من جهتها، وضعت رويال نفسها في موقع حرج إذ سعت إلى التعويض عن قلة خبرتها في الشأن الدولي بالظهور على الساحة الدولية من خلال زيارات إلى الصين والشرق الأوسط. ولم يتوان أخصامها عن التنديد بعدم الدقة أو حتى التناقض في بعض تصريحاتها. واستمرت هذه الانتقادات فيما بعد آخذة عليها ترددها في ذكر عدد الغواصات النووية الفرنسية أو تصريحاتها المثيرة للجدل بشأن سيادة مقاطعة كيبيك الكندية.
غير أن انعكاس هذه الانتقادات على رأي الناخبين غير مؤكد بنظر الاختصاصيين الذين يشيرون إلى أن مسائل السياسة الخارجية تأتي في قعر اهتمامات المواطنين التي تتقدمها الملفات الداخلية وفي طليعتها المسائل الاجتماعية والأمن.
واظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «وست فرانس» المحلية أخيرا أن التوظيف يأتي في مقدم اهتمامات 33 في المئة من الفرنسيين فيما تعتبر أوروبا آخر الموضوعات إذ بالكاد تهم 5 في المئة من المواطنين.
واعتبر برونو تيرتريه من معهد البحث الاستراتيجي أن السياسة الخارجية «لن تكون محورية في هذه الانتخابات إلا في حال طرأت أزمة مفاجئة بالغة الخطورة». غير أن الشأن الدولي قد يكون أكثر حضورا في الجولة الثانية من الانتخابات إذ يحصر الخيار بين المرشحين الأولين، وقال تيرتريه إن «مسائل الدفاع والسياسة الخارجية تكون عادة مواضيع الجولة الثانية».
وأوضح دومينيك رينييه من معهد العلوم السياسية في باريس أن الحملة الانتخابية تتناول أسلوب المرشحين وقدراتهم أكثر من توجهات السياسة الخارجية الفرنسية. وأضاف «إن الأمر اقرب إلى امتحان دخول المرشحين الاثنين الابرزين إلى السباق الرئاسي، منه إلى نقاش بشأن توجهات فرنسا الدبلوماسية».
والواقع انه لن يكون من السهل خلافة رؤساء يتمتعون بخبرة واسعة في الشأن الدولي أمثال جاك شيراك وفرنسوا ميتران. وقال رينييه «إن المرشحين الابرزين ينتميان إلى جيل جديد وهي أول مرة يترشحان فيها للرئاسة وثمة بالتالي تساؤلات بشأنهما بهذا الصدد».
أف ب
العدد 1610 - الخميس 01 فبراير 2007م الموافق 13 محرم 1428هـ